المزيد...
آراء وافكار
2017/06/18 (00:01 مساء)   -   عدد القراءات: 521   -   العدد(3952)
ثقافة التمجيد الشمولي
ثقافة التمجيد الشمولي


 عادل العامل

تتردد في أحاديثنا اليومية، وكتاباتنا، وأذهاننا، أسماء معينة لشخصيات محلية وعالمية عبرت حياتنا العامة، وتركت أثرها سلباً أو إيجاباً، حسب ثقافة الناس، وانتمائهم الفكري، والظروف التي يمرون بها. ومن هذه الأسماء المثيرة للجدل والاختلاف، على سبيل المثال : كوامي نكروما في غانا، وعبد الكريم قاسم في العراق، وتشي جيفارا في أميركا اللاتينية، وليس جمال عبد الناصر في مصر، مثلاً،  أو غاندي في الهند، أو كاسترو في كوبا. فالأخيرون غير مثيرين للجدل والاختلاف كثيراً فيما يتعلق بسلوكهم السياسي.



فأنت لا يمكنك أن تجادل بأن عبد الناصر، مثلاً، لم يكن دكتاتوراً بصرف النظر عن أعمال إيجابية أنجزها لمصر، أو تصف غاندي بأنه مهادن للاستعمار الانكليزي لأنه قاومه بسياسة اللاعنف وليس بالثورة المدمرة، أو تقول عن كاسترو إنه فاشل في ثوريته الواقعية بينما ما يزال نظامه الاشتراكي صامداً رغم التآمرات الأميركية المستميتة والصعوبات الداخلية.
 لكنك يمكن أن تتردد أو تختلف مع غيرك في تحديد حقيقة شخصيات نكروما، وعبد الكريم قاسم، وجيفارا، على سبيل المثال، تبعاً لمستواك الفكري أو الثقافي، وانتمائك السياسي، والزمن الذي أنت فيه. وأنا أتطرق إلى موضوعٍ كهذا هنا، لا محاولةً مني لتشويه صورة أحدٍ منهم ومَن شاكلهم في مواقفه السياسية والعامة أبّان وجوده في السلطة أو العمل السياسي، وإنما لأن تمجيد مثل هذه الشخصيات بصورة شمولية، وبشكل مبالَغٍ به لا يتفق وواقع الحال أحياناً، يمثّل برأيي خداعاً للذات، أو جهلاً تاماً، أو تضليلاً للرأي العام، وإن حسنت النية!
فعندما نتكلم على نكروما (1909  ــ 1972 )، مثلاً، علينا آلا نُضفي على إجراءاته الاشتراكية صفة الصوابية المطلقة وأنه كان ديمقراطياً أيضاً، بينما لم تكن هكذا الحال فعلاً. لكن أحداً لا يجادل في أنه كان مناضلاً صلباً ضد الاستعمار وأحد أبرز دعاة الوحدة الأفريقية. وقد استغل بعض ضباط الجيش سخط الناس من سوء التطبيق الاشتراكي واستبداد حزبه بأمور الدولة، فقاموا، بإسناد من الاستعمار من دون شك، بالانقلاب عليه عام 1966، وكان خارج غانا في زيارة لفييتنام. هذا هو ملخص الحقائق العامة التي اتّسم بها شخص نكروما ونظامه في غانا. لكن هناك، من دون شك، إلى جانب ذلك، مَن ينظر إلى الرجل إما كقديس أو كطاغية، وكِلا الأمرين تضليل أو جهل بواقع الحال. وهو موقف عاطفي أو انفعالي لا يخدم الشعب الغاني في كفاحه العملي من أجل حياة أفضل قائمة على الاستفادة من عوامل النجاح والفشل في تجارب بنائه الوطني و مسيرته التنموية.
وكذلك الحال مع عبد الكريم قاسم، الذي لا شك في أنه كان يريد للشعب العراقي التحرر والتقدم والازدهار، لكن وفقاً لرؤيته وشروطه هو، وهما أمران نابعان بالتأكيد من طبيعة تكوينه التربوي والفكري، وخلفيته العسكرية، وحبه للسلطة. وكان يمكن أن يستمر فيها أكثر مما حصل فعلاً، لكنه أوجد له أعداءً كثيرين، إضافةً للدوائر الاستعمارية البريطانية والأميركية، حتى وسط " الضباط الأحرار " الذين اشتركوا معه في انقلاب 14 تموز 1958 ، والأحزاب السياسية ( المنضوية في جبهة الاتحاد الوطني ) التي ساندت التغيير أملاً في حياة ديمقراطية وطيدة، ومن ثم في أوساط الشعب الذي أعلنه زعيماً له وأيده بشكل منقطع النظير. غير أن الذي حصل هو أنه انفرد بالسلطة، واستفز رفاقه الانقلابيين بتملصه من مجلس السيادة، وصدَّع جبهة الاتحاد الوطني، وأحاط نفسه بالانتهازيين المصفقين له، وأمور أخرى أدت إلى محاولات لاغتياله والانقلاب على نظامه الحاكم، وإعدام عدد من " الضباط الأحرار " وغيرهم. وقد اتبع سياسة التلاعب بالأحزاب السياسية التي أصبحت أعداءً لبعضها البعض الآخر وله أيضاً في الآخر. فانفرد به المعادون له والانتهازيون الذين جعلوه في عزلة عن الشعب، وجردوه من أية قوة حقيقية يستند عليها في حكمه حتى سقط بسهولة في مهب انقلاب 1963 المدعوم من وكالة المخابرات المركزية الأميركية، بعد أن هيمن التحالف البعثي ــ القومي ــ الديني الرجعي على مفاصل الدولة وقيادات التشكيلات العسكرية المهمة. وإذا كان الشعب العراقي يتذكر له إجراءات وقوانين إيجابية كبيرة، فإنها إجراءات أدت في الغالب إلى عكس المراد منها، لعدم توفر عناصر نجاحها أصلاً، وسوء تطبيقها، وعرقلة القوى الرجعية لها بمختلف الطرق والتبريرات، كما حصل، على سبيل المثال،  لقانون الإصلاح الزراعي الشهير، و توفير السكن للمهاجرين من الريف إلى العاصمة، الذي يحسبه البعض واحداً من إنجازاته المجيدة بينما كان الأفضل، لهم وله وللوطن كله، إعادة هؤلاء المهاجرين من حيث أتوا مع تحسين ظروف معيشتهم وخدماتهم العامة وعملهم في أماكن عيشهم الأصلية، وهو ما كان سيؤدي إلى إحياءً المناطق الريفية المهجورة، وتدعيم الزراعة والانتاج الحيواني، وإنقاذ هؤلاء أنفسهم من مشاكل العيش في العاصمة وتداعياتها، والتخفيف عن أهل العاصمة من عبء وجود مهاجرين لا تتحمله مرافق العاصمة وإمكاناتها ولا طبيعة أهلها البغدادية المختلفة عن طبيعة هؤلاء تماماً. وقد خاب أمل هؤلاء الفقراء بإجراءاته لإصلاح أحوالهم المعيشية في نهاية الأمر حتى يأسوا منه وراحوا يهتفون ساخرين : عاش الزعيم الزوَّد العانة فلس! وكانت "العانة" فئة نقدية من أربعة فلوس أصلاً، فزادها فلساً، فأصبحت بذلك خمسة فلوس، وهذا كل ما تحقق من الانجازات في عهده، برأيهم!
وعليه، فإن هؤلاء الذين يشيدون به أو يمجّدونه اليوم إما أنهم لا يعرفون ذلك، وإما أنهم يبحثون لهم عن بطل وسط شعورهم بالخيبة مما جرى ويجري لوطنهم على أيدي زعامات هزيلة، أو عميلة، أو فاسدة، على مدى نصف قرن من الزمن. وهناك مَن يتمسّح بذكرى الرجل لأغراض نفعية تعزيزاً لوضعه السياسي أو الاجتماعي وتبعاً لطبيعة المرحلة القائمة، وسيفعل الشيء نفسه مع أي شخصٍ آخر يرتفع رصيده الشعبي في فترةٍ ما!
ويشبه ذلك ما حظي ويحظى به تشي جيفارا على الصعيد الثوري العالمي من إعجاب إلى حد التقديس من دون أن يعرف كثيرون عنه غير الصورة الملتقطة له بطريقة فنية أيقونية وأنه كان ثائراً على الاستعمار .. لا أكثر! لكن مَن كان على معرفة بتفاصيل تحركات جيفارا منذ انتصار الثورة الكوبية بقيادة فيدل كاسترو عام 1959 حتى مقتله في ريف بوليفيا عام 1967 يعرف أيضاً أن جيفارا، الطبيب  الشاب الأرجنتيني الأصل، كان من أجرأ قادة الثورة الكوبية، وأذكاهم، وأخلصهم لمبادئ الثورة العالمية على الفقر، والتخلف، والاستعمار. بل كان ثورياً مندفعاً إلى حد التهور أحياناً حتى قبل أن يتعرف على الثوريين الكوبيين في المكسيك قبل قيامهم بالثورة على نظام باتيستا الدكتاتوري العميل للولايات المتحدة في كوبا. وقد تولى بكفاءةٍ مسؤوليات مهمة بعد انتصار الثورة على الصعيد السياسي، والإداري، والعسكري، والصناعي، والدبلوماسي وكان الرجل الثاني بعد الرئيس كاسترو في البلاد. لكنه وقع في أخطاء فادحة خلال ذلك، إضافةً إلى رومانسيته الثورية الشديدة التي جعلته يرى أن بالإمكان إشعال الثورات في أي مكان لدحر النظام الرأسمالي العالمي. وهو القائل : " إن الثورة تتجمد وإن الثوار ينتابهم الصقيع حين يجلسون فوق الكراسي، وأنا لا أستطيع أن أعيش ودماء الثورة مجمدة داخلي ". ولهذا تخلى عن كل مناصبه، وامتيازاته، وجنسيته الكوبية، وانتقل مع ثلة من رفاقه إلى الكونغو ليشعل الثورة في أفريقيا ضد الاستعمار، لكنه لم يوفّق في ذلك، بطبيعة الحال، لأن الكونغو ليست كوبا التي نجح فيها بفضل أبنائها الكوبيين الذين معه، وأمورٍ أخرى، فذهب إلى بوليفيا ليجرّب حظه هناك ضد النظام الدكتاتوري العميل للأميركان. وقد ساعده كاسترو ورفاقه عن بُعد، وفاءً للصحبة والنضال المشترك، في إقامة معسكر لتدريب المقاتلين في إحدى الغابات البوليفية. لكنه لم يلقَ عوناً له بين السكان المحليين، ولا من الحزب الشيوعي البوليفي، لاعتبارات عديدة منها أن الفلاحين البوليفيين هناك لم يكونوا مطمئنين إلى أولئك الملتحين الغرباء عليهم، وكانت للشيوعيين البوليفيين سياستهم النضالية الخاصة البعيدة عن روح المغامرة والانقياد لأي ثوري قادم من وراء الحدود، حتى وإن كان جيفارا. إضافةً إلى أن بوليفيا كانت تحت الهيمنة الأميركية الشديدة وفيها قوات خاصة للمخابرات الأميركية مستعدة للتعامل مع مثل تلك التحركات المعادية لها، ولم يكن لدى جيفارا رفاق يؤازرونه في مهمته الثورية داخل بوليفيا كما كانت الحال في التجربة الكوبية. ولهذا لم تطل الحياة بجيفارا هناك، وكان يشعر بالخيبة من ذلك كله إضافةً لمتاعبه الصحية، وسوء الوضع المعيشي من حوله، وسقط مع عدد من رفاقه في أيدي القوة العسكرية الموجهة للقضاء عليهم وأُعدم بعد إصابته بجراح هناك.
وهكذا فإننا إذا اكتفينا بالنظر إلى جيفارا من خلال صورته الثورية الأيقونية الشائعة ليس غير، فإننا ندخل في إطار عبادة الشخصية فقط، ولا نستفيد من درسٍ مهم جداً، بين أمور عديدة أخرى، وهو أن الثورية وحدها لا تجدي نفعاً إن لم تستند على ما يوفره الواقع المحلي وطبيعة الوضع الدولي القائم من عناصر النجاح، بالإضافة إلى واقعية النظرة إلى الأمور وليس رومانسيتها الحالمة.   



اضف تعليقك

شروط نشر التعليقات والتعقيبات في "المدى"

تود "المدى" أن تعلن لقرائها وزوار موقعها الالكتروني الكرام بان تعليقاتهم وتعقيباتهم على ما ينشر فيها يخضع لذات القواعد التي تحكم عملية النشر في الصحيفة الورقية والمتقيدة باخلاقيات الصحافة المتعارف عليها دولياً، وتؤكد انها لن تنشر ما يتعارض مع هذه القواعد وفقاً للآتي:

1 - يلتزم القراء وزوار الموقع الالكتروني بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وبعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب وهيئات الدولة والهيئات الاجتماعية وسائر الناس، بكلام جارح ونابِ ومشين ويحتوي على معلومات غير مؤكدة، ويلتزمون أيضاً بعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء.
2 – يحق لإدارة تحرير المدى ان تنقّح تعليق القارئ او الزائر بما يتناسب مع اللياقات الموصوفة اعلاه، وإطلاق الحوار البنّاء، مع الحفاظ على مضمون التعليق، أو أن تحجبه إذا كان غير مناسب أو متعارضاً مع قواعد النشر.
3 – تنطبق هذه الشروط على ما ينشر في الملاحق وسائر مواقع وإصدارات مؤسسة المدى
4 - لا تتحمل مؤسسة المدى أي مسؤولية مادية أو معنوية حيال صاحب التعليق.
الاسم:  
البريد الالكتروني:    
التفاصيل:  
رمز التحقق:
جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة المدى للاعلام والثقافة والفنون