آراء وافكار
2017/06/19 (00:01 مساء)   -   عدد القراءات: 468   -   العدد(3953)
الفكر السياسي البابلي ومنجزه | 3 |
الفكر السياسي البابلي ومنجزه | 3 |


 د. حسين الهنداوي

مركزية مفهوم العدالة في الفلسفة البابلية


في شريعته الصادرة في حوالي عام ألفين قبل الميلاد والمكتشفة في عام ١٩٠٢ اثناء قيام بعثة أثرية برئاسة عالم الأثار جاك دي مورغان بالتنقيب في اطلال مدينة سوسة، يظهر الملك حمورابي يظهر في نصب مسلته وهو يتسلم شريعته من الاله شمش على اساس انه مكلف من قبل الهي السماءوالارض، انو وانليل، بجعل الحق والعدالة منتشرين او ساطعين كالشمس لمحو الشر والخبث والظلم من الارض جاعلا من العدل غايته الاسمى.


حيث يخبرنا بفخر ما بعده فخر أشهر ملك عراقي في كل التاريخ قائلا بنبرة خالدة: "أنا حمورابي الملك العادل، الراعي الرؤوف الذي صولجانه العدل". سرجون الاكدي هو ايضا لم يكف عن اعلان نفسه حامي العدالة والحق في البلاد، في حين ابتكر ابنه سنحاريب لنفسه لقب "الملك العظيم القوي الحاكم العاقل حامي الحق، محب العدالة". وهكذا، فالعدالة هي الفكرة المركزية الاعظم في كل الفلسفة العراقية القديمة والسياسية خاصة.
ومن الكتابات السياسية البابلية المكتشفة مؤخراً، لوح على قدر كبير من الأهمية والقدم في موضوع نظم الحكم، عثر عليه في مكتبة الملك آشوربانيبال الشهير في نينوى (القرن السابع ق.م). ويرجع تأريخ تدوينه الى العهد الآشوري الاخير، نص على نصائح صارمة موجهة الى الحاكم بلزوم تطبيق العدل في ادارة البلاد، وضعت لحماية حقوق المواطنين في بعض المدن البابلية وبوجه خاص سيبار ونفر وبابل ازاء السياسات الاعتباطية ضدهم ومنها فرض عمل السخرة الاجباري عليهم وسلب اموالهم. اما الملك المقصود بذلك التحذير فيرجح المؤرخ الراحل طه باقر في "مقدمة في تاريخ الادب في العراق القديم" (ص 160). ان يكون ملك بابل مردوخ – بلادان (مردوخ – ابلا – ادنا) المعاصر للملك سرجون الاشوري الثاني (721-705)، فيما ارتأى باحثون آخرون ان يكون الملك الاشوري سنحاريب (704-681 ق.م) هو المقصود بالنصح. ومهما يكن الامر فان الادلة الداخلية، من شكل الخط والاسلوب اللغوي، تشير الى ان زمن النص يرقى الى ما بين 1000 و700 ق.م. وابرز ما جاء فيه من مفاهيم ما يلي:
"اذا لم يعبأ الملك باقامة العدل، ستعم الفوضى شعبه وتخرب بلاده، واذا لم يعمل على نشر العدل في مملكته فان سيد المصائر والاقدار الاله "ايا"، سيبدل مصيره، ولن يكف عن ملاحقته. واذا لم يستمع الى نصح امرائه فستكون حياته قصيرة، واذا لم يأخذ بنصح مستشاريه فستثور عليه بلاده، واذا اطاع الاشرار سيغير مصائر بلاده". لم يقتصر العدل على الأفراد فقط بل أصبح ينظر إلى العلاقات الدولية من النوع المعروف حالياً بالقانون الدولي على أنها أسلوب للتعامل أمرت به الآلهة. وهو فهم للعدالة يمثل الجزء الأعظم في الخطاب السياسي الذي اتسم به العصر البابلي القديم (٢٠٠٤- ١٥٩٥ ق.م) وخصوصاً فترة الملك حمورابي (١٧٩٢- ١٧٥٠ ق.م) لاحتواء الخطاب شمولية في فهم العدالة وتطبيقها على الكون. والتي تمثلت بالعلاقات مع الدول الاخرى، الأفق الذي عرفه العراقيون قبل غيرهم بإعمام العدل على المستوى الدولي فضلاً عن الاهتمام به داخلياً.
ويشير علماء الآثار الى ان البابليين كانوا يستخدمون بشكل خاص لفظتين للدلالة على معنى العدالة وهما (كيتو) و(ميشارو)، الاولى تعني النزاهة في الحكم والالتزام بالقانون او الثبات عليه، فيما تعني الثانية التمسك بالاستقامة والصواب (النظام الحق) وكل شيء حسب طبيعته وفي مجاله. فالتأكيد هنا على مبدأ الحق الخاص لكل فرد بموازاة الحق العام لكل المجتمع العادل لأن الحياة عامة وليست فردية في المجتمع، اي في اطار القانون الوضعي.
وفي هذا السياق من المؤكد، ان الفكر السياسي في العراق القديم قد جعل من واجب السلطة السياسية (اي الدولة) توفير العدالة الاجتماعية النفسية والمادية لكل أفراد المجتمع دون استثناء في اطار القيم السائدة في لحظة تاريخية او اخرى.
تـنظيم العلاقة بين مفهومي الحرية والمساواة، كالحرية التي وردت في المصادر السومرية بلفظ "كي (أما ار كي)  gi-ar-ama ()  والمساواة، ذلك أنها لا تقف عند حد معين.
وترى دراسة ان استعمال العدالة في الخطاب السياسي من قبل الملوك في العراق القديم كان له عدة أسباب أهمها معرفة سكان البلاد بمفهوم العدالة منذ وقت مبكر اي منذ عصر فجر السلالات، الى جانب اهمية الأساس الديني للعدالة، وقدرة السياسيين العراقيين الأوائل  على توظيف الفكر الديني سياسيا بما يخدم سير عمل الدولة، يضاف الى كل ذلك تباهي الملوك والحكام بان القانون والسلام قد ساد في ربوعهم. وان إشاعة العدل بين الناس هو أعظم المهمات التي يؤيدها الملوك، وقد وظفوها أيما توظيف لصالح تعزيز سلطتهم مع الحاجة الى اضفاء الشرعية السياسية والدينية على السلطة الحاكمة.



اضف تعليقك

شروط نشر التعليقات والتعقيبات في "المدى"

تود "المدى" أن تعلن لقرائها وزوار موقعها الالكتروني الكرام بان تعليقاتهم وتعقيباتهم على ما ينشر فيها يخضع لذات القواعد التي تحكم عملية النشر في الصحيفة الورقية والمتقيدة باخلاقيات الصحافة المتعارف عليها دولياً، وتؤكد انها لن تنشر ما يتعارض مع هذه القواعد وفقاً للآتي:

1 - يلتزم القراء وزوار الموقع الالكتروني بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وبعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب وهيئات الدولة والهيئات الاجتماعية وسائر الناس، بكلام جارح ونابِ ومشين ويحتوي على معلومات غير مؤكدة، ويلتزمون أيضاً بعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء.
2 – يحق لإدارة تحرير المدى ان تنقّح تعليق القارئ او الزائر بما يتناسب مع اللياقات الموصوفة اعلاه، وإطلاق الحوار البنّاء، مع الحفاظ على مضمون التعليق، أو أن تحجبه إذا كان غير مناسب أو متعارضاً مع قواعد النشر.
3 – تنطبق هذه الشروط على ما ينشر في الملاحق وسائر مواقع وإصدارات مؤسسة المدى
4 - لا تتحمل مؤسسة المدى أي مسؤولية مادية أو معنوية حيال صاحب التعليق.
الاسم:  
البريد الالكتروني:    
التفاصيل:  
رمز التحقق:
جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة المدى للاعلام والثقافة والفنون