الاعمدة
2017/06/19 (21:01 مساء)   -   عدد القراءات: 490   -   العدد(3954)
تلويحة المدى
الصبّاغ والرسّام
شاكر لعيبي




في الفرنسية، لو كنتَ رسّاماً وسُئلتَ عن مهنتك وأجبتَ بأنك (peintre) التي تُترجم بـ (الصبّاغ)، فلن تُفهم جيداً، إلا إذا حدَّدت (بأنك صبّاغ فنّان) أي رسّام، او أنك (صباغ بنايات) أي دهّان.الكلمة وحدها في الفرنسية تعني (الصبّاغ أو الدهّان) فحسب، وهي تثير بعض اللبس، لأنها لا تشير إلى ممارسة حرفية مخصوصة. أن مفردات عربية عريقة لا نشكّ بمعانيها، عندما تُطلق وحيدة دون سياق، قد تثير بعض الالتباس مثل (شاعر) و(كاتب) و(قصّاص)، حيث لا نعرف، في الحقيقة، فيما إذا كنتَ نظّاماً، شاعراً شعبياً، شاعر أطفال، شاعر قصيدة عمودية، شاعراً صوتياً، سوريالياً….إلخ. ولعلّ (القصّاص) أشدّ وطأة إذا ما أخذنا السياق التاريخي الذي تطوّرت فيه من المُحدّث بالقصص الدينيّ إلى السارد الحديث.
في أصل اللسان العربيّ، تقبع علاقة مماثلة بين الصبّاغ والرسّام. يتواتر استخدام الفعل (صَبَغَ) في سياقات متنوعة. ففي الحديث "أَكْذَبُ الناسِ الصبّاغُون والصَّوّاغُون"، وفي القرآن "صِبْغةَ الله ومَنْ أَحْسَنُ من اللهِ صِبْغةً". فما هو الصبْغ وما هي الصباغة يا تُرى؟ وهل للأمر علاقة بالفن التشكيليّ؟ لا يبدو السؤال عابراً وقليل القيمة. الصَّبْغُ في لسان العرب هو الغَمْسُ. وهو يعني تلوين الأشياء عبر غمسها بسائلٍ. وصَبَغَ الثوبَ والشَّيْبَ ونحوَهما، واصْبَغْ ثِيابي صِبَغاً تَحْقِيقاً، مِن جَيِّدِ العُصْفُرِ لا تَشْرِيقاً، والتَّشْرِيقُ الصَّبْغُ الخفيفُ. والصِّبْغُ والصِّباغُ والصِّبْغةُ ما يُصْبَغُ به وتُلَوَّنُ به الثياب، والصِّباغُ مُعالِجُ الصّبْغِ، وحِرْفته الصِّباغةُ. وفي حديث علي في الحج (فوجَد فاطمة لَبِسَتْ ثياباً صَبِيغاً) أَي مَصْبوغة غير بيض. وفي الحديث "فَيُصْبَغُ في النار صَبْغةً أَي يُغْمَسُ" كما يُغْمَسُ الثوبُ في الصِّبْغ.
وهنا يرينا كلام اللسان بشأن "الصبغ – التحقيق" (الغامق الثقيل) و"الصبغ – التشريق" (الخفيف) أن الأمر يتعلق بدرجات التلوين ونغماته. فالصَّبْغُ هو تغيير اللون إلى آخر، وصار في كلام العرب المجازيّ عموم التَّغْيِيرُ. صُبِغَ الثوبُ إذا غُيِّرَ لَونُه وأُزِيلَ عن حاله إلى حالِ سَوادٍ أَو حُمْرةٍ أَو صُفْرةٍ، وقيل هو مأْخوذ من قولهم صَبَغُوني في عينك وصَبغوني عندك، أَي أَشارُوا إليك بأَني موضع لما قَصَدْتَني به، [أي زينّوا شخصيته ولوّنوها] من قوْلِ العرب صَبَغْتُ الرجلَ بعيني ويدي أَي أَشَرْتُ إليه [أي نوَّهت بلونه الإنسانيّ إذا صح التعبير]. معني التغيير ومَنْ يُغيّر ألوان الاشياء قد استُخدِم مجازياً بمعنى سلبيّ، كأنه قد غيّر من طبائعها. لكن مسألة الصباغة، مثلما هي بالفرنسية، تتعلق في آن واحد بحرفة الصبّاغ (خاصة صبّاغ الثياب)، كما تتعلق بالانشغال اللونيّ، والرسم في قلبه.
في العودة إلى الحديث "أَكْذَبُ الناسِ الصبّاغُون والصَّوّاغُون"، يُراد صَبّاغو الثياب وصاغةُ الحُلِيِّ لأَنهم يَمْطُلُون بالمَواعِيد،كما يُفسَّر الحديث. وفي حديث أَبي هريرة: رأَى قوماً يَتَعادَوْنَ فقال: ما لهم؟ فقالوا: خرج الدَّجّالُ، فقال: كَذِبةٌ كَذَبَها الصّباغُون، وروي الصوَّاغون. ونرى هنا التصوّر التقليديّ عن المصوّرين وقد انتقل حرفياً إلى الصبّاغين، وكلاهما كانا يتعاطيان حرفة التلوين، للثياب وللرسوم.
بهذا التأويل قد نستطيع إعادة قراءة التعبير (صِبْغة الله) أي دِينُه أو أَصلُه، وتفسير (الصِّبغة) أي الشرِيعة والخِلقة، بدلالتين مختلفتين تماماً: بمعنى صباغته حرفياً باللون الخاص الذي منحه الله (المُصوّر الأول) للكائنات، ففي التنزيل "صِبْغةَ الله ومَنْ أَحْسَنُ من اللهِ صِبْغةً". (صِبْغة الله) في هذه الآية الكريمة يمكن أن تُفهم بمعنى (تلوينه) الربّانيّ للبشر بصبغات (teints) شتى، أو منحه لوناً فريداً للكائن الآدمي. وعلى مستوى مجازيّ، يمكن أن تُفهم عبارة (صَبْغ النصارى أَولادهم في الماء)، وهو التطهير والتعميد،بدلالة الصبغ الرمزيّ، الموصول في أصله بفكرة الصبغ بالألوان، لكنه اتخذ طابعاً تجريدياً دينياً، حيث نُسِيَ أصل الصبغ والصباغة المحسوس تماماً، وبعبارة أخرى فُهِمَ التعميد نفسه على أنه صباغة بـ "لون الماء”.



اضف تعليقك

شروط نشر التعليقات والتعقيبات في "المدى"

تود "المدى" أن تعلن لقرائها وزوار موقعها الالكتروني الكرام بان تعليقاتهم وتعقيباتهم على ما ينشر فيها يخضع لذات القواعد التي تحكم عملية النشر في الصحيفة الورقية والمتقيدة باخلاقيات الصحافة المتعارف عليها دولياً، وتؤكد انها لن تنشر ما يتعارض مع هذه القواعد وفقاً للآتي:

1 - يلتزم القراء وزوار الموقع الالكتروني بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وبعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب وهيئات الدولة والهيئات الاجتماعية وسائر الناس، بكلام جارح ونابِ ومشين ويحتوي على معلومات غير مؤكدة، ويلتزمون أيضاً بعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء.
2 – يحق لإدارة تحرير المدى ان تنقّح تعليق القارئ او الزائر بما يتناسب مع اللياقات الموصوفة اعلاه، وإطلاق الحوار البنّاء، مع الحفاظ على مضمون التعليق، أو أن تحجبه إذا كان غير مناسب أو متعارضاً مع قواعد النشر.
3 – تنطبق هذه الشروط على ما ينشر في الملاحق وسائر مواقع وإصدارات مؤسسة المدى
4 - لا تتحمل مؤسسة المدى أي مسؤولية مادية أو معنوية حيال صاحب التعليق.
الاسم:  
البريد الالكتروني:    
التفاصيل:  
رمز التحقق:
جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة المدى للاعلام والثقافة والفنون