تقارير عالمية
2017/06/22 (00:01 مساء)   -   عدد القراءات: 3305   -   العدد(3956)
مفكرون عالميون و الذكرى المئوية للثورة الروسية
مفكرون عالميون و الذكرى المئوية للثورة الروسية


ترجمة/ أحمد الزبيدي

|       الحلقة 12    |

1-رونالد جريجور سوني، استاذ التاريخ السياسي في جامعة ميشيغان
عندما أخذت كلمة "الثورة" أول معنى سياسي لها، حافظت على معناها الأصلي وهو التحوّل. ويمكن الحكم على الثورات بالنجاح أو الفشل من جانب الأجيال اللاحقة وفقا للمعايير الأخلاقية والسياسية لتلك الأزمنة المقبلة، ولكن الثورات العظيمة التي شهدها العالم منذ القرن السابع عشر حتى  القرن العشرين تظل نقاط تحوّل جعلت من العودة  إلى الماضي امرا مستحيلا. فالثورات الإنكليزية والأميركية والفرنسية والروسية والصينية، على سبيل المثال لا الحصر، خلقت عوالم جديدة مختلفة بشكل جذري للغاية، وفتحت إمكانات جديدة للنشاط البشري:مثل الحركات الليبرالية والدستورية التي قوضت على الامتيازات الارستقراطية  المطلقة  مدى الحياة ؛ وجعلت السيادة للناس العاديين بدلا من السلالات العائلية  المتعاقبة في الحكم  ؛ وامدت بالقوة الملايين من العمال العاديين والفلاحين.
على مدى ربع القرن الماضي، منذ انحلال  الاتحاد السوفيتي، كان الخطاب المهيمن هو قصة فشل ثورة عام 1917، وتحولها  من الوعد بالتحرر إلى الشمولية الستالينية. وفي خضم الضجيج حول الانتصار الليبرالي تم نسيان  الإنجازات المذهلة لسبعين عاما من السلطة السوفياتية. فلقد بنيت امبراطورية (أو أعيد بناؤها) تمخضت في نهاية المطاف عن خمس عشرة جمهورية مستقلة، واعتمدت سلسلة من سياسات البحث عن الهوية القومية  التي عززت الثقافات العرقية، لأقاليم معينة في تلك الدول، وعززت النخب الوطنية التي تمكنت من التحرر  من يد موسكو الثقيلة،و استولت على السلطة، سواء نحو الأفضل أو الأسوأ، في دولها ذات السيادة. كانت قارة شاسعة تجاوزت نسبة  القرويين الأميين أو شبه المتعلمين بين سكانها 80 في المائة، وتحولت إلى بلد يعيش 80 في المائة من سكانه في المدن والبلدات وحتى مع معاناة الملايين  وزهق ارواحهم في ظل النظام الوحشي الذي يرأسه ستالين وزمرته، حسّنت الخدمات الاجتماعية والرعاية الصحية والمؤسسات الثقافية من حياة عشرات الملايين. وكانت التكاليف مروعة والنتائج غامضة، ومع ذلك عندما هاجم أكبر تهديد لقيم التنوير والقيم الإنسانية أوروبا بكاملها، توج تصميم الشعب السوفياتي وتضحيته بحياة أكثر من 25 مليون من ابنائه بهزيمة الإمبريالية الفاشية وانتهت المحرقة.
لقد وعدت ثورة عام 1917 بأكثر مما يمكنها أن تقدمه. وهذه الطموحات بتحقيق  التحرر الديمقراطي والمساواة الاشتراكية والعدالة، أفسحت الطريق أمام الضرورات العملية للتنمية الاقتصادية والأمن العسكري، وتعاظم  سلطة الفرد، والفساد، والاعتقاد القاسي بأن الإرهاب والتعذيب يمكنهما أن يزيلا العقبات التي تعترض سبل المستقبل المجيد. وفي العقود الأربعة الأخيرة حاول السوفييت التغلب على أعباء الستالينية، ولكن الإصلاحات غير المصممة بشكل صحيح أضرت  بالنظام السوفيتي.ولم يعد  الناس الذين لديهم مهارات وأفكار تعززت في السنوات السوفياتية بحاجة الى  وصاية الحزب الشيوعي الذي بدا يشيخ. إن إرث الانسانية الاشتراكية لم يدفن أبدا، ومع ذلك، فإن الكثيرين في اتحاد الجمهوريات الاشتراكية السوفياتية السابق لا يشعرون  بالحنين إلى الماضي، والامان الذي عاشوا فيه، وما كان يعدهم به، واستقرار الحياة  فحسب، بل يحنون أيضا الى قيم التضامن والتعاون والتواصل بين الشعوب التي بدأت  تتآكل بعد عام 1991. ورغم  أن مستقبل روسيا - أو أرمينيا أو أوكرانيا أو أوزبكستان – مفتوح على جميع الاحتمالات، ولكن 70 عاما من السلطة السوفياتية رسمت علامات لا تمحى على الاحتمالات التي يقدمها المستقبل.

2- جوشوا كلوفر، استاذ في جامعة كاليفورنيا وهو عالم وشاعر وصحفي وناقد:
كانت الثورة الروسية قياسا دقيقا لما كان ممكنا حدوثه في تلك اللحظة التاريخية. وهذا لا يعني أن كل نتيجة تاريخية هي مجرد حقيقة في شكل عملي. ولعل هذا يمكن أن يكون تعريفا عمليا للثورة: وهي ان تذهب الامور  إلى الحد الأقصى. ويمكن أن تحدث الثورة فقط عند  محاولة اجتياز هذا الحد. في هذا المعنى فان التعبير القديم عن أن "السياسة هي فن الممكن" هو خطأ على وجه التحديد. ويشير إلى انها فن تتحكم فيه الأوهام الأيديولوجية حول ما هو ممكن. ويمكن أن تتحقق الثورة ليس من خلال تحديد ما يتصور أنه ممكنا ولكن ضد البؤس العام المنتشر. والآن يمكننا عكس الرأي القديم لنرى أن الثورة هي فن الممكن. وهناك اسقاط معاكس آخر: إذا كانت السياسة هي فن الممكن  فان  الثورة وحدها، لا غير تستحق اسم السياسة.
تركت  الثورة الروسية لنا مسألتين مهمتين: الطريقة والحزب. وهذان الموضوعان هما مسألة واحدة. ولا تشير  الطريقة الى أشكال تنظيمية أو توجهات استراتيجية معينة. بل هي أيضا قياس دقيق لما كان ممكنا في تلك اللحظة. وليس هناك ما يدعو إلى الاعتقاد بأن تكرارها  سيكون أكثر من مجرد  قضية شكلية ؛ فحتى شكسبير لا يتمكن من كتابة مسرحياته الآن. ووزن  كل الثورات الميتة هو  يمثل كابوساً على رؤوس الاحياء. ونحن قد نفكر في الطريقة بكونها العلاقة الملائمة بين  النظرية والسياسة. ويجادل أحيانا بأن النظرية الماركسية تتميز بقدرتها على ادراك الظروف التي تشكلت واصبحت ضرورية. وقد أقترح بدلا من ذلك أنه قدمت الشكل الأكثر تعقيدا وشمولية لنظرية السببية: قوانين الحركة في المجتمع الرأسمالي. والأسلوب يتبع هذه الحركة الى النقطة التي تتداخل فيها . التداخل لا يفوز في نقاش نظري أو حرب أفكار. والنظرية لا ترغب في هزيمة النظريات الأخرى. هي تقترح كيف يمكن القيام  بثورة.
وهي تقدم مثل هذه الاقتراحات في إطار "حركة مستمرة داخل بحر من الظواهر المتغيرة "، على حد تعبير روزا لوكسمبورج. والطريقة تقوم بتنقيح النظرية لمواكبة هذه التغييرات. وهناك وضع  حقيقي يتسم ببعض القدرات ويفتقر إلى الآخرى؛ النظرية هي توضيح هذا الوضع وكيفية تطوره. وهكذا، على سبيل المثال، تنشأ نظرية مناسبة لتكوين الطبقة وعلاقتها بالأشكال السياسية المحتملة من التغيرات الحقيقية؛ وهي الظروف التي لم يعد ممكنا الحصول فيها على الحزب الجماهيري والسيطرة  على الإنتاج الوطني. وعلاوة على ذلك يمكننا تتبع مسار إعادة التركيب العالمي؛ فإنه يذهب بعيدا. وسيكون هناك أنواع كثيرة من النضال ولكن "قانون الحركة في هذه الظواهر هو قانون واضح". كما تقول  روزا. ولا يتعلق الامر  بالتفاصيل التقنية ولا الأشكال  المعطاة ولكن يتعلق "بالأبعاد السياسية والاجتماعية لقوى الثورة". ولا نحتاج إلى افتراض أن هذه التغيرات قد حدثت  خلال قرن؛ نحن نعلم بالفعل أنها موجودة. فالشيوعية تواصل مسيرها  في الوقت الحاضر  من دون أحزاب جماهيرية، كما أن الأدب يسير من دون المسرح الاليزابيثي(هو مجموعة من المسرحيات الدرامية المكتوبة خلال فترة حكم إليزابيث الأولى من إنجلترا (حكم من 1558-1603)، وخصوصا اعمال وليام شكسبير (1564-1616) - ليس لأنها صحيحة أو خاطئة ولكن لأن أبعادها السياسية والاجتماعية غير موجودة. سيكون علينا أن نخترع شيئا لا يقل ابتكارا عن 1917.

3- جون روبرتس، استاذ الفنون وعلم الجمال في جامعة ولفرهامبتون في بريطانيا::
إن فكرة الثورة الروسية "الضائعة" هي بطبيعة معتقد  الأجيال غير الستالينية منذ أوائل الثلاثينيات. في الواقع، فان هذا الافتراض المتأصل عند الكثيرين قد اتخذ  أبعادا ميتافيزيقية: الثورة الروسية هي حدث فيه الكثير من المرارات على مدى سنوات طويلة،وكانت  مسرحا لجميع انواع  الخيانة. ولكن متى ضاعت الثورة ""؟ عندما مات لينين؟ ام خلال سنوات نيب(السياسة الاقتصادية الجديدة)؟ ام مع ازدياد معسكرات الاعتقال ؟ ام عند سحق المعارضة اليسارية؟ او عند عدم رغبة تروتسكي في تنظيم الجيش الأحمر قبل اعتقاله؟ ام خلال عمليات التطهير؟ ام اثناء حل الكومنترن؟ وبطبيعة الحال،يمكن القول ان السبب في كل ما ذكر سابقا، او يمكن ان  نقول. ان لا شيء مما سبق ذكره مسؤول عن ضياعها، يمكن ان نوافق على رأي  بوريس غرويس (استاذ في جامعة نيويورك)، الذي يعتقد أن الثورة الروسية لم تضع على الإطلاق، ولكن   "فشلها "كان نتيجة واضحة لعملية تاريخية مهشمة. وبالتالي، فماذا تعني الثورة "الناجحة"، في غياب ثورة عالمية: عدد أقل من معسكرات القتل، وسرعة أقل في التصنيع، وبقاء تروتسكي في السلطة، وعدم تطبيق الاشكال الجماعية في الزراعة، واستمرار وازدهار الفن الطليعي؟ كل هذا يبدو، في الواقع، غير ذي صلة بالمقارنة مع ما كان للثورة أن تصبح، مع أو بدون تروتسكي، من أجل البقاء على قيد الحياة بأي شكل من الأشكال: ومع وجود جنود الشعب  على الحدود السوفياتية يصدون توغل   الحلفاء. فهل ستبقى الثورة الروسية حية، عندما نتوقف عن الجدل العقيم  حول اسباب فشلها؟ أي نوع من الحياة الآخرة تستحقها محطاتها الكبيرة والمثيرة للجدل: هل كان حدوثها معجزة(بالمعنى الديني )، ؟ هل كانت حكاية تحذيرية لليساريين المعتدلين، مستمدة من سجلات خاطئة  ومن مثالية مفرطة ؟ هل ان إعادة سرد تاريخ  الشيوعية (بطريقة سرد المعجزات الآلهية) يتطلب  المبالغة في منجزاتها  ونسيان  أو التقليل من   سيئاتها؟ إن اختياري للمفاهيم الدينية ليس تعسفيا: فمن السهل التفكير في الثورة من خلال هذه المصطلحات، باعتبارها من نسل المواعظ والتعاليم الأخلاقية. وهذا، بالنسبة للكثيرين على اليسار واليمين، امر مريح، ووسيلة لاستيعاب التحولات والتحديات غير العادية. ومع ذلك، فإنه من الصعب جدا تدجين أو اعطاب ذاكرة الثورة، فحتى لو كانت مسلحة بكثير من "الحقائق فان الثورة حتى في اكثر   حالاتها تشوها واستبدادا  قدمت لنا صورة  مثالية تجاوزت بكثير عثراتها اليومية.و في الواقع،فقد  استندت الستالينية على هذا. على  ما يمكن أن نسميه "الثورية" الثورية المتبقية في  فترة ما بعد الثورة، وهو نوع من الالتزام الهيجلي بالثورة كفكرة متواصلة. وقد شرح المفكر الالماني يوكن هيلبيك هذا الموضوع بشكل  جيد في كتابه: ثورة في ذهني: كتابة مذكرات تحت حكم ستالين (الصادر عام 2006)، وفي تأملاته حول الطريقة التي وصف فيها العديد من العمال مشاعرهم وحياتهم في تاريخ العالم:وكما يقول فقد كان هناك "عمق مذهل من المشاركة الفردية في العصر الثوري ".وعندما نقول إن الثورة الروسية باتت لا تمثل الآن سوى فكرة مثالية مطلقة، فنحن لا نحاول إبعاد  الثورة عن  الحقائق الوحشية التي شابت تاريخها، ولكن ما نريد تبيانه هو  ما بامكان الثورات التاريخية العالمية ان تفعله على الرغم من إخفاقاتها : انها تحرك وتخلخل الخمود البشري وتوسع من افاقه  الفكرية والمادية.و في هذا،تكمن  روعة الثورة الروسية، التي لم تتضاءل حتى في اكثر  لحظاتها بؤساً.

4- جيوف مان،استاذ الاقتصاد السياسي في جامعة سايمون فريزر الكندية:
ما زلت أتذكر المرة الأولى التي قرأت فيها كتاب الى محطة فنلندا للكاتب  إدموند ويلسون (ناقد أدبي واجتماعي أميركي، تخرج في جامعة برنستون. تأثر بمذاهب فرويد وماركس. أشهر كتبه في النقد الأدبي: «قلعة أكسيل» 1931، ويحوي دراسة عميقة للأدب الأوروبي الحديث، و«المفكرون الثلاثة» 1938، و«الجرح والقوس» 1941، و«شواطىء النور» 1952. ومن كتبه في النقد الاجتماعي: «إلى محطة فنلندا» 1940. ألف أيضاً بعض المسرحيات، والقصائد، والقصص القصيرة، ورواية واحدة بعنوان «كنت أفكر في ديزي» 1929. يعد من أعظم نقاد أميركا المحدثين)، كان كتابا ساحرا  في سرده، و بعض التفاصيل تمثل  علامة مميزة  من الصعب نسيانها. وخاصة ما يتعلق ببعض الأفكار الماركسية، التي اخطأ  ويلسون كثيرا في معالجتها. ولكن ما هو جيد في الكتاب هو ما يمنحه من  أمل عند تطرقه الى  العديد من المفكرين الثوريين، وخاصة لينين وتروتسكي الذين لقوا  اهتماما خاصا لايمانهم  بانهم يناضلون في سبيل خلق " عالم أفضل ". وبالنسبة لكثير من القراء في يومنا هذا  فان هذا هو على الأرجح أفضل ما يمكن توقعه من كتاب متعاطف بشكل غامض مع الثورة الروسية كتب في أواخر الثلاثينيات من القرن الماضي، حيث  أن أهوال الستالينية والسياسات الشمولية  لكثير من بلدان الكتلة الشرقية قد لطخت إلى الأبد سمعة وتاريخ الثورة الروسية.
في رأيي، أن التعايش مع هذه البقع المظلمة في تاريخ الثورة الروسية هو أصعب مهمة يواجهها اليسار عند الحديث عن مرور 100 عام على قيامها  في الثورة الروسية على مسافة القرن. ويجب القول بشكل  واضح تماما. مهما  كان حجم الخير الذي جلبته هذه الثورة، ستكون هناك دائما رؤية لها تعتبرها بمثابة فشل كامل، الفشل ليس فقط في أنها لم ترق إلى مستوى وعودها. وليس فقط في  حقيقة ما رافقها من  وحشية وقسوة.. ليس فقط من حيث أنها اثارت الافكار والخصائص التي هي في غاية الأهمية للسياسة التحررية التي لم نجد بديلا لها  بعد، والتي يجب أن نبعدها عن تاريخها. إن هذه الإخفاقات تعيش معنا، ولكن ما هو اقسى من ذلك انها لا تستحق هذا الفشل في كثير من الأحيان.و كما يقول فرانسيس سبوفورد(كاتب وروائي بريطاني ) في كتابه (Red Plenty)، في حين ينظر المتقاعدون  إلى الثورة وبناء  الاتحاد السوفياتي في العقود التي تلت: "بكثير من الدم، بانه أمر مبرر.... وإذا كان كل ذلك كان مقدمة افتتاحية، وانه ليس سوى الارهاصات  الأخيرة لطمر  العالم القديم القاسي، وولادة عالم من نوع جديد ولكن من دون ذلك العمل كان من الصعب جدا الايمان بالثورة. وبدون ذلك  العمل لم يكن ليستطيع المستقبل ان يرمي  الماضي في عرض البحر. "
إن مهمة  اليسار اليوم أن ينظر إلى هذا الفشل بعين ناقدة ومباشرة  وانه  السبب في أن الثورة الروسية ما تزال تحتفظ باهميتها  حتى يومنا هذا، وبقدر يساوي  أو أكثر مما كانت عليه في أي لحظة منذ الحرب العالمية الثانية. لأننا لا نستطيع أن نلتزم بأفكار اليسار  الحر، والأهم من ذلك، إقناع الآخرين بالالتزام بها  أيضا،الا  إذا تفحصنا بشكل جاد  الارث  الذي خلفته لنا الثورة. وأنا لا أقصد أكاذيب الانتتهازيين و التحريفين ، بل أعني تاريخ أولئك الذين ضحوا من اجل  الثورة. وإذا نظرنا إلى الذكرى المئوية للثورة، يجب ألا تتملكنا الرغبة في ابقاء ذلك الماضي في عرض البحر.

5- ديفيد ماكنالي، استاذ العلوم السياسية في جامعة يورك في تورنتو:
من خلال قفار الحرب والجوع ظهرت ومضة صغيرة  بسيط من الضوء. لمحها،فيكتور سيرج (1880 – 1947) واحداً من أهم الكتاب الثوريين في روسيا -: من زنزانته  في  سجن فرنسي.و في روايته، ولادة سلطتنا، رسم لنا صورة  لنقاش  العمال الثوريين في احد  المستودعات في برشلونة:
"حسنا، والقيصر؟
"لن يكون هناك قيصر".
"... والجيش؟'
"مع الشعب".
"الشرطة؟"
"لن تكون هناك  شرطة".
"والسجون؟"
"أحرقت."
والسلطة ؟"
"اصبحت لنا."
ستكتب العديد من الأشياء القيّمة عن  الذكرى المئوية لثورةعام  1917 في روسيا. ولكن عدداً قليلاً منها سوف يتمكن من وصف  تأثيرها بشكل جيد. في عالم غارق في الدم والبؤس، تمكنت الثورة من ان تستولي على السلطة باسم الخبز والسلام والأرض. وتم تجريد القيصر والجنرالات وأصحاب المصانع ومالكي الأراضي الأثرياء من مكاتبهم وقوتهم وامتيازاتهم. وحلت محلهم السوفييتات، مجالس مندوبي العمال والجنود والبحارة والفلاحين المنتخبين.
وكانت هذه بالطبع ثورة "مستحيلة". ليس فقط لقوى اليمين، ولكن أيضا بالنسبة لمعظم قادة اليسار، الذي كان يعتقدون ان لينين ورفاقه يقفزون بشكل متهور على "المراحل" الضرورية من التاريخ. غير أن لينين كان قد انغمس  في دراسة الدياليكتيك، في مكتبة سويسرية قبل ثلاث سنوات.و رفض الوصفات الجاهزة، وكتب أن الديالكتيك  موجود في "النبض الداخلي للحركة الذاتية والحيوية". وعاد إلى روسيا في نيسان 1917، وكانت كتاباته وخطبه الرهيبة تقدم  الصيغ التي لا نهاية لها لصالح نبض الحياة و الخبرة الثورية. ووسط التمرد الشعبي، يمكن تسريع الدفع الذاتي للجماعات المتمردة نحو تمزيق الإمبريالية العالمية.
ورغم ذلك الحديث  الرائع  عن الانهيار التام للامبريالية العالمية فانه لم يحدث  في نهاية المطاف وهذا الفشل هو  النقطة الجوهرية  بالنسبة لنا الآن. وبعد كل شيء،فان  الهزيمة التي تبلورت في صعود الديكتاتورية الستالينية –كانت  مجرد تكرار لدورة من الفشل التي يتسم بها  تاريخنا... وحتى لا تكون كذلك. فيمكن اعتبار الثورة ملمحا من  التمزق الكلي للامبريالية  والذي تجسد في السيطرة على ادارة  المصانع  من قبل اللجان العمالية  ومنح الأراضي للفلاحين وإلغاء تجريم العلاقات المثلية بين الجنسين والمساواة بين الجنسين وحق القوميات المضطهدة في تقرير المصير والسعي لتحقيق ثورة عالمية وكلها كانت ومضات صغيرة  ولكنها قوية في لحظات الخطر التي نعيشها اليوم.
" كتب جون ريد الراديكالي الأميركي حول ما شهده في روسيا في عام 1917، كانت مغامرة ولكنها "واحدة من أكثر المغامرات  البشرية روعة على الإطلاق" الحرب الأهلية والمجاعة ودولة ستالين البوليسية، وعقود من الدعاية المضادة للثورة من قبل البرجوازية لا يمكنها  إطفاء ضوء تلك  المغامرة الكبرى. وما زالت حقيقتها الجدلية حية الى الآن  تجدد  الأمل والخيال  الثوري، وعلى حد تعبير والتر بنيامين، فانها جعلت  "كل انتصار، للطبقات الحاكمة في الماضي والحاضر، امرا مشكوكا فيه".
عن موقع فيرسو



اضف تعليقك

شروط نشر التعليقات والتعقيبات في "المدى"

تود "المدى" أن تعلن لقرائها وزوار موقعها الالكتروني الكرام بان تعليقاتهم وتعقيباتهم على ما ينشر فيها يخضع لذات القواعد التي تحكم عملية النشر في الصحيفة الورقية والمتقيدة باخلاقيات الصحافة المتعارف عليها دولياً، وتؤكد انها لن تنشر ما يتعارض مع هذه القواعد وفقاً للآتي:

1 - يلتزم القراء وزوار الموقع الالكتروني بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وبعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب وهيئات الدولة والهيئات الاجتماعية وسائر الناس، بكلام جارح ونابِ ومشين ويحتوي على معلومات غير مؤكدة، ويلتزمون أيضاً بعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء.
2 – يحق لإدارة تحرير المدى ان تنقّح تعليق القارئ او الزائر بما يتناسب مع اللياقات الموصوفة اعلاه، وإطلاق الحوار البنّاء، مع الحفاظ على مضمون التعليق، أو أن تحجبه إذا كان غير مناسب أو متعارضاً مع قواعد النشر.
3 – تنطبق هذه الشروط على ما ينشر في الملاحق وسائر مواقع وإصدارات مؤسسة المدى
4 - لا تتحمل مؤسسة المدى أي مسؤولية مادية أو معنوية حيال صاحب التعليق.
الاسم:  
البريد الالكتروني:    
التفاصيل:  
رمز التحقق:
جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة المدى للاعلام والثقافة والفنون