المزيد...
تشكيل وعمارة
2017/07/08 (00:01 مساء)   -   عدد القراءات: 3707   -   العدد(3963)
لوحات فنية مُبهرة تُحقّق المتعة البصريّة ولا تجنح إلى التعقيد
لوحات فنية مُبهرة تُحقّق المتعة البصريّة ولا تجنح إلى التعقيد


لندن/ عدنان حسين أحمد

بالتعاون مع مركز بومبيدو بباريس ومتحف المتروبوليتان للفنون بنيويورك نظّم غاليري الـ Tate Britain  بلندن معرضاً استعادياً للفنان البريطاني ديفيد هوكني المقيم في لوس أنجليس حالياً. يضم المعرض 130 عملاً فنياً مُنفذاً بتقنيات وأحجام مختلفة غطت مساحة ستة عقود من تجربته الفنية التي أثارت جدلاً واسعاً منذ أواسط الستينات من القرن الماضي وحتى الوقت الراهن سواء على صعيد الأشكال أو المضامين أو المقاربات الفنية التي لفتت إليه الأنظار وصنعت منه نجماً تشكيلياً لامعاً يوازي في أهميته فرانسيس بيكون ولوسيان فرويد على الرغم من اختلاف المذاهب الفنية لكل واحد منهم على انفراد.


لا يمكن تغطية هذا المعرض الاستعادي برمّته لأنه يضمّ العديد من تجارب هوكني الفنية التي تبدأ منذ التحاقه بمدرسة برادفورد للفنون عام 1953، مروراً بدراسته الجامعية في الأكاديمية الملكية للفنون عام 1959، وانتهاءً بالسنوات الأخيرة التي بات فيها قريباً من عيد ميلاد الثمانين الذي يصادف التاسع من يوليو / تموز المقبل. وبما أن المعرض موزّع على ثلاثة عشر محوراً فمن المُستحسن أن نركز فقط على المحاور الرئيسة التي تهيمن على تجاربه الفنية المتعددة دون أن نهمل الثيمات الأخر التي استقرت في ذاكرة محبّي هوكني ومتابعيه ليس في إنكلترا وأميركا فحسب وإنما في مختلف أرجاء العالم.
رسم هوكني غالبية الأشخاص الذين يعرفهم سواء من أفراد عائلته أو من أصدقائه المقرّبين أو من معارفه الذين التقاهم في إنكلترا وأميركا وبقية بلدان العالم التي سافر إليها لأسباب شخصية أو عملية فقد كانت الصحف البريطانية تكلّفه لزيارة هذا البلد أو ذاك بغية تنفيذ بعض الرسومات والاسكتشات التي تحتاجها الصحيفة ثم يوظفها هو لمشاريعه الشخصية الكثيرة. كما رسم العديد من البورتريهات الشخصية له في مراحل متقدمة من حياته لعلَّ بعضها يعود إلى عام 1954 المعروضة في الصالة السادسة إلى جانب لوحة Doll boy الشهيرة التي أنجزها عام 1960 وعشرات من الرسوم التخطيطية الأخرى التي ضمتها هذه الصالة تحديداً.
لا شك في أنّ كل محور من المحاور الثلاثة عشر لهذا المعرض الاستعادي له نكهته الخاصة، لكننا سنبدأ بالمحور الرابع الذي يحمل عنوان "المُستحِم" الذي يضم ثماني لوحات كبيرة الحجم رسمها بين عامي 1964 و 1967 ولعلَّ التاريخ الأول يشير إلى رحلته الأولى إلى أميركا واستقراره في سانتا مونيكا التابعة لمدينة لوس أنجليس، حيث رسم العديد من المناظر الطبيعية، والمدينية إضافة إلى بِرك السباحة التي تنتشر بشكل واسع في هذه المدينة الأميركية الحارة على مدار السنة وخلدها في أعماله الفنية مثل لوحة " بيتر يخرج من بِركة نِك"1966، و "طرطشة أكبر" 1967 التي يعتبرها العديد من النقّاد تحفة فنية لا تضاهى، أو لوحة "العُشب المرشوش" التي أنجزها في العام ذاته. ورغم أن البوب آرت قد جاء كردّ فعل على التعبيرية التجريدية إلاّ أن العديد من لوحاته لا تزال تحمل بصمات هذه الحركة الفنية التي تقتنص توترات الكائن البشري، وتحاول الإمساك بانفعالات مشاعره وأحاسيسه الداخلية التي تطفح على معالم وجهه ويديه على وجه التحديد.
تضمّ الصالة السابعة عشر لوحات منفذة بتقنية الكولاج الفوتوغرافي حيث يلتقط عشرات الصور للوضعية الواحدة ثم يعيد بناءها على وفق رؤيته الفنية الخاصة به وقد اشتهرت لوحة  Pearblossom التي أنجزها عام 1986 بعد أن بذل فيها جهوداً كبيرة. وفي السياق ذاته أنجز لوحات مهمة أخرى من بينها "سيليا"، "كازمِن" و "غراند كانيون" وسواها من الأعمال الفنية التي تعتمد على الرسم بالكاميرا دون إغفال عملية البناء الفني التي تكشف لنا ذكاء وحساسية عين الفنان ديفيد هوكني.
ما يميز غالبية أعمال هذا المعرض هو الألوان الصريحة الحارة وخاصة في الصالات الثلاث 8، 9 و 10 التي تحتوي على 24 لوحة فنية كبيرة الحجم، حيث يقف أمامها الناظر مبهوراً بسبب الألوان الخلابة، والأبعاد المنظورية لكل عمل، هذا ناهيك عن احتفائه بالطبيعة وتعلّقه بالفضاءات المفتوحة سواء في أميركا أو إنكلترا. ترمز الطرق الترابية أو الشوارع المبلّطة إلى الحياة بشكل عام وكأن الرسّام أو المُشاهد هو الذي يسلك هذه الطرق الملتوية ليصل في خاتمة المطاف إلى هدفه الذي يبتغيه. لا تنطوي مناظر هوكني الطبيعية أو لوحاته الفنية بشكل عام على صعوبة أو مشقّة في التأويل، فهي أولاً وأخيراً، لوحات شعبية لا تجنح إلى التعقيد لأن صاحبها لا يبتغي سوى تحقيق المتعة أو البهجة البصرية للمتلقي. ويمكن أن نحيل القارئ الكريم إلى لوحتي "الفطور في ماليبو" أو "المدخل الكبير" أو "نيكولز كانيون" حيث يهيمن اللون، وتتسيّد الخطوط، ويتسع أفق اللوحة إلى ما لا نهاية كما في لوحة "الصعود إلى تلّة غاروباي" أو "الطريق عبر العالم" وإذا انسحب من الطبيعة فإنه غالباً ما يلتفت إلى مداخل بيوته أو يلِج إلى حدائقها الكثيفة الغنّاء كما في لوحة "أصص حمراء في الحديقة" أو "أصص زرقاء" وهكذا دواليك.
ربما تكون الصالة التاسعة التي تضم ست لوحات كبيرة جداً هي الأكثر إبهاراً من بين لوحات المعرض كلها وكأنّ الفنان قد استدعى الطبيعة إلى هذا المكان وسمح للمُشاهدين أن يلجوا فيه ويتجولوا في غاباته الملتفة في فصل الربيع. ومن أبرز الأعمال الفنية الستة في هذه الصالة هي لوحة "الأشجار الكبيرة" 2007 وهي عبارة عن دراسة مكوّنة من ستة أجزاء توفر للمتلقي أبعاداً منظورية مدهشة، فضلاً عن دقة التنفيذ. ولعلَّ هذا الأمر ينسحب إلى لوحة "مايو يزهر على الطريق الروماني" 2006 حيث أخذت الفيغرات النباتية أشكالاً إنسانية وحيوانية أبدعتها الطبيعة في ذروة نشوتها الربيعية.يجمع هذا المعرض تقنيات عديدة فإلى جانب الرسم بالزيت والإكرليك، هناك الكولاج التصويري، والاسكتشات، والتخطيطات السريعة، والفيديوهات، والرسم بالآيباد، والآيفون الأمر الذي يكشف عن قدرة الفنان الفذّة في مواكبة التقنيات الجديدة على الرغم من مشارفته سن الثمانين. وبما أن الطبيعة تحتل مساحة كبيرة من مخيلته البصرية، فلاغرابة أن يقدّم لمشاهديه فكرة "الفصول الأربعة" بواسطة أربعة فيديوهات ذات شاشات كبيرة تعرض كل واحدة منها بشكل متواصل فصلاً من فصول السنة بكل تغيراته التي تحدث على مدى ثلاثة أشهر.
تحتاج الألوان الزيتية إلى وقت طويل كي تجف لذلك لجأ إلى الأكرليك لكنه حينما اكتشف إمكانية الرسم بالآيباد تخلى عن الفُرَش والألوان وصار يرسم على شاشة صقيلة توفر له كل شيء وتجنّبه مخاطر الألوان الزيتية، ومَن يُشاهد الصالة الأخيرة من المعرض يكتشف السلاسة التي يرسم فيها هوكني متفادياً الجهود المضنية التي يحتاجها طلاء خلفية اللوحة الزيتية فقط، وليس رسم فيغراتها وتكويناتها البصرية التي لا تخلو من فعل الدهشة والإبهار على الدوام.
لابد من الإشارة إلى أن ديفيد هوكني هو الفنان البريطاني الوحيد الذي أقيم له معرضان استعاديان الأول عام 1970 حيث غطى المعرض مساحة عقد كامل امتدّ من عام 1960 إلى عام 1970. أما المعرض الاستعادي الثاني فقد انطلق في التاسع من فبراير / شباط وسوف يستمر لغاية التاسع والعشرين من أيار المقبل. وبما أن شعبيته كبيرة جداً فمن المرجّح أن يصل عدد الزوار إلى أكثر من نصف مليون زائر خصوصاً وأن لندن تستقبل بضعة ملايين زائر من مختلف أنحاء العالم يضعون المتاحف والغاليرهات في أعلى السلّم من اهتماماتهم الثقافية والفنية.



اضف تعليقك

شروط نشر التعليقات والتعقيبات في "المدى"

تود "المدى" أن تعلن لقرائها وزوار موقعها الالكتروني الكرام بان تعليقاتهم وتعقيباتهم على ما ينشر فيها يخضع لذات القواعد التي تحكم عملية النشر في الصحيفة الورقية والمتقيدة باخلاقيات الصحافة المتعارف عليها دولياً، وتؤكد انها لن تنشر ما يتعارض مع هذه القواعد وفقاً للآتي:

1 - يلتزم القراء وزوار الموقع الالكتروني بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وبعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب وهيئات الدولة والهيئات الاجتماعية وسائر الناس، بكلام جارح ونابِ ومشين ويحتوي على معلومات غير مؤكدة، ويلتزمون أيضاً بعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء.
2 – يحق لإدارة تحرير المدى ان تنقّح تعليق القارئ او الزائر بما يتناسب مع اللياقات الموصوفة اعلاه، وإطلاق الحوار البنّاء، مع الحفاظ على مضمون التعليق، أو أن تحجبه إذا كان غير مناسب أو متعارضاً مع قواعد النشر.
3 – تنطبق هذه الشروط على ما ينشر في الملاحق وسائر مواقع وإصدارات مؤسسة المدى
4 - لا تتحمل مؤسسة المدى أي مسؤولية مادية أو معنوية حيال صاحب التعليق.
الاسم:  
البريد الالكتروني:    
التفاصيل:  
رمز التحقق:
جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة المدى للاعلام والثقافة والفنون