سينما
2017/07/13 (00:01 مساء)   -   عدد القراءات: 1978   -   العدد(3968)
فيلم "قنديل البحر" .. التأسيس لسينما النوع
فيلم "قنديل البحر" .. التأسيس لسينما النوع


عبد الكريم قادري

فيلم "قنديل البحر" صرخة مدوّية للمرأة الموجوعة، وسط مجتمع ينتصر للذكوريّة، فلا الزوج يُداوي أوجاعها ويواسيها، ولا المجتمع ينتصر لحريتها وحقها في العيش، ولا السلطة تُعاقب من يتعرض لها، لهذا كان صوتها مكتوماً لا يسمعه أحد، سرعان ما تحوّل لغضب عارم، حوّلها لمسخ يقتل وينتقم، ومن هنا سمعها الكل.


كانت تُداعب بجسدها ملح البحر وزبده، تنساب في الماء كسمكة تعرف عادة السباحة، فمرة تغوص في العمق لتسائله عن السّر، وأخرى تسبح على الظهر لترى خيوط الشمس وهي ترتسم على صفحات الماء بعينين شبه مغمضتين يتلألأ فيهما الضياء، وقلب يتسارع نبضه بنجوى الماضي وحاضره، وبلمح البصر يتحول كل هذا الفرح إلى بكاء مرّ، بعد أن قطعت مجموعة ذئاب بشرية فرحتها مع البحر، التفوا حولها والشرر يتطاير من أعينهم الجائعة جنساً، واقتحموا جسدها الطري وأباحوه، اغتصبوها ونهشوها كما تفعل الذئاب بغزال شارد، وانصرفوا لحال سبيلهم وكأن شيئاً لم يحدث، فيما حوّلها الغضب لقنديل بحر، لتُحاسب وتنتقم.
قدّم المخرج الجزائري داميان أونوريه (1982-)، في فيلمه الروائي القصير (قنديل البحر) 2016، رؤية جديدة في السينما الجزائرية، من خلال التأسيس لسينما النوع، لفتح آفاق جديدة للفانتازيا، وهو النوع الذي ينتمي له هذا العمل، بعد أن نال صاحبه أسبقية أول فيلم جزائري مُؤسس يقتحمه بكل جرأة، أين سيكون فاتحة لمخرجين آخرين ليتشجعوا ويُغامروا لإخراج أفلام غير تقليدية، تُحاكي الحلم ولا تركُن للآليات الكلاسيكية.
عشق المخرج لجنس الفيلم الروائي القصير كان جليّاً، خصوصاً وأن بوسعه أن يضيف قليلاً من الوقت ليُحول فيلمه "قنديل البحر" 38 دقيقة،  لروائي متوسط أو طويل، لكن تركه على حاله ليحافظ على هذا التصنيف، لإيمانه بأنّ التكثيف في الوقت، والاقتصاد في المعنى والأحداث يمكن أن يُظهر الفكرة بشكل أوضح، لتترك الأثر البالغ على المُشاهد، وقد استثمر هذا من خلال تجاربه الكثير في إخراج الأفلام القصيرة، ما عدا تجربة واحدة في الطويل، عكسها في الفيلم الوثائقي "فدائي" 2012، 83 دقيقة.        
استطاع داميان في هذا الفيلم أن يُعبر عن جزء من معاناة المرأة، دون أن يورط نفسه في المعالجة التقليدية، التي تسقط قصة الفيلم في فخ التكراريّة، وبالتالي يُغيّب الجانب الفني والجمالي، كما  أبان عن سلبية المجتمع الذي تعامل مع قضية محورية –الاغتصاب- ببرودة تامة، وينظر للجوهر على أنه هامش والعكس، وأكثر من هذا أثبت بأن المجتمع وفي الكثير من الأحيان لا يطرح الأسئلة العميقة، وكأنّه يقول بشكل مباشر بأن المجتمع الجزائري ينتصر للذكوريّة.
هذه معطيات عكستها قصة الفيلم وأحداثه، من خلال بطلته نفيسة (أدت الدور عديلة بن ديمراد)، التي قررت رفقة زوجها سمير (نبيل عسلي)، وأمها (سعاد سبكي) وابنيهما، بأن ينظموا رحلة لشاطئ البحر، رحلة بدون الزوج سمير، الذي اقتصر دوره على أن يوصلهم للشاطئ، من ثمة يلتحق باجتماع العمل الذي ينتظره، وقبل أن ينطلق وعد زوجته بأن يلحق بها مساءً، لكنه لم يفِ بهذا الوعد، وفي غمرة الانتظار قرّرت الزوجة نفيسة السباحة في البحر، بعد أن أغراها الماء والجو اللطيف، وبينما هي كذلك اجتمع حولها مجموعة شباب، تلاعبوا بها نفسياً واغتصبوها، ولم تفلح معهم صيحاتها وتوسلاتها، رغم أنها امرأة متزوجة وأم لأطفال، كل هذا لم يشفع لها عندهم، بل اغتصبوها ببرودة، وهذا ما ولّد لها شعور الحقد والانتقام، وهو الاحساس الذي حولها إلى قنديل بحر على هيئة امرأة، فيما تبدّلت ملامحها وأصبحت شبيهة بالزومبي، لتبدأ بعدها تنفيذ عمليات انتقامها، من الذين اغتصبوها، أو ممن صادفتهم على الشاطئ، عن طريق كهربة الماء، ليصل عدد ضحاياها إلى 19 قتيلا و4 مفقودين، في غمرة هذه الأحداث يعود زوجها مساءً إلى الشاطئ، لكنه لا يجدها، ويبدأ في نوبة غضب، بعد أن وجد بأن الشرطة تتعامل ببرودة مع الأحداث، تطبيقاً لبروتوكولاتها في هكذا حوادث، بعد فترة من التحقيق عرف مفتش الشرطة (عزيز بوكروني)، بأنّ المرأة تحوّلت إلى قنديل بحر، لهذا قرّر وبالتعاون مع زوجها الذي أقنعه بالتعاون معه أن ينصُب لها كميناً على الشاطئ، ليقبض عليها، وهذا بعد أن قال له بأن عن قناديل البحر على العموم، "مرات يذهبون ولا يرجعون بتاتا، ومرات يريدون العودة ليأخذوا معهم ما كانوا يمتلكونه على الأرض، يأخذوا معهم أبناءهم، أزواجهم، وإذا كنا نمتلك الحظ ستعود، إذا كانت تحبك ستعود".
نجح الكمين، وتم القبض عليها بالشباك، ورميها في نافورة البلدة، كأنها لم تكن أبداً إنساناً، تم رميها كأنها مادة انتهت صلاحيتها، وكالعادة دائماً، إلتف حول جثتها المرمية جمع من الناس والاعلام، والكل يتعامل مع الحادث ببرودة تامة، دون أن يتم الإشارة إلى ما وقع لها من اغتصاب جماعي، حيث تحوّلت الضحية إلى جاني.
أظهر أونوريه الذي درس السينما في فرنسا بجامعة "السربون 3"،  وطوال 38 دقيقة الشخصية العنيفة للجزائري، من خلال تصرفاته، حديثه، تعامله مع الأحداث، وخصوصاً تعامله مع المرأة بسلطة ذكورية، وهذا ما نجده مثلاً في المشهد الأول للفيلم، حيث يتعامل الزوج مع زوجته بقلق واضح، نبرة صوته المرتفعة، طريقة معاملته، وقلقه المستمر، حتى أن جزءاً من هذا القلق انعكس عند الزوجة التي أغلقت باب السيارة على إصبع ابنتها، - سيارة قديمة إسقاط واضح على العقلية القديمة - كما ركّز المخرج على المشهد الذي تم من خلاله اغتصاب نفيسة في البحر، من أجل إظهار هذا العنف الممارس ضد المرأة التي لم تحظ بأن يكون زوجها معها على البحر، وفضّل عليها العمل، ركّز من خلال الحوار الذي جرى بين المُغتصبين على كيفية نظرة هؤلاء للمرأة، ومن خلالهم يكون دميان قد عكس نظرة المجتمع للمرأة، حيث نجد في هذا الحوار العديد من الجمل التي تدل على هذا، مثل " جاءت لمساحتنا كي تظهر لنا رجليها ونهديها"، "لقد ساهمنا في فتح أعينهن  الكلبات"، " زوجك ديوث لأنه أرسل زوجته للبحر".
فيلم "قنديل البحر"، مُغامر سينمائية، تنصّل  صاحبه من الراهن، واقتحم نوع سينمائي جديد على الساحة الجزائرية، وقد سبق لهذا العمل وأن شارك في عديد المهرجانات، من بينها " أسبوعي المخرجين" بمهرجان "كان" السينما في دورته ما قبل الأخيرة، كما شارك في المسابقة الرسمية للفيلم الروائي القصير بمهرجان وهران الدولي للفيلم العربي (22-27 يوليو/ جويلية 2016)، وحصد فيه جائزة لجنة التحكيم الخاصة.



اضف تعليقك

شروط نشر التعليقات والتعقيبات في "المدى"

تود "المدى" أن تعلن لقرائها وزوار موقعها الالكتروني الكرام بان تعليقاتهم وتعقيباتهم على ما ينشر فيها يخضع لذات القواعد التي تحكم عملية النشر في الصحيفة الورقية والمتقيدة باخلاقيات الصحافة المتعارف عليها دولياً، وتؤكد انها لن تنشر ما يتعارض مع هذه القواعد وفقاً للآتي:

1 - يلتزم القراء وزوار الموقع الالكتروني بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وبعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب وهيئات الدولة والهيئات الاجتماعية وسائر الناس، بكلام جارح ونابِ ومشين ويحتوي على معلومات غير مؤكدة، ويلتزمون أيضاً بعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء.
2 – يحق لإدارة تحرير المدى ان تنقّح تعليق القارئ او الزائر بما يتناسب مع اللياقات الموصوفة اعلاه، وإطلاق الحوار البنّاء، مع الحفاظ على مضمون التعليق، أو أن تحجبه إذا كان غير مناسب أو متعارضاً مع قواعد النشر.
3 – تنطبق هذه الشروط على ما ينشر في الملاحق وسائر مواقع وإصدارات مؤسسة المدى
4 - لا تتحمل مؤسسة المدى أي مسؤولية مادية أو معنوية حيال صاحب التعليق.
الاسم:  
البريد الالكتروني:    
التفاصيل:  
رمز التحقق:
جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة المدى للاعلام والثقافة والفنون