المزيد...
تحقيقات
2017/07/19 (00:01 مساء)   -   عدد القراءات: 3088   -   العدد(3973)
بصية... قدحُ صحراء الجنوب الذهبي
بصية... قدحُ صحراء الجنوب الذهبي


 كتابة/ عامر موسى الشيخ

خلف تخوم التلال الرملية والمنخفضات الصخرية والواحات والمساحات المتسعة من الصحراء الجنوبية في العراق، هناك تحت سياط الشمس المحرقة نهاراً، والقمر المتسع الكبير ليلاً، بين آبار الماء، والذرات الرملية المنسابة بخطوط متشابكة ومتشعبة، خلف نقرة السلمان والتلال المحيطة بها، بالقرب من وادي الغضا،  وعند بئر مائية قديمة، تلمع خلف هذا الاتساع ناحية عراقية جنوبية، تعود إدارياً إلى السماوة تمثل سدس مساحة العراق، ورمز تعايشه السلمي، وهوية الكرم العربي الأصيل، نعم، هناك تلمع ناحية بصية مثل شذرة لمّاعة في خاتم العراق الجمالي.

الرمل الأبيض جداً
رب سائل يسأل كيف الوصول إلى هناك ؟ من هناك ؟ من المكتشف ؟ والإجابة لا يمكن تلمسها من خلال القراءة، فالحروف تصنع فجوة بين الحقيقة والسرد.. لكن لا بأس من الانطلاق نحوها عبر الكتابة . تترك السماوة خلفك، وتأخذ الاتجاه الجنوب الغربي منها، وعبر طريق يشق مطلع الصحراء إلى كتفين، الكتف الأيمن  يمثل نهر العطشان المتفرع من الفرات، أما الأيسر فهو يحمل سكة القطار وأيضاً الملمح الأول من ملامح الصحراء حيث الرمل الأبيض وخلفه التلال الصفراء، ومن خلفها تبدأ الحكاية ..
تواصل الطريق وصولاً إلى نقطة فارقة ويافطة عريضة تحمل سهمين واتجاهين، الأمامي يأخذ بك إلى النجف، أما الأيسر كتب عليه المملحة والسلمان، وعند هذه النقطة ثمة تفريعة صغيرة لطريق من ممر واحد يؤدي بك إلى بحيرة ساوة ..

مديات التغييرات الجيلوجية
هنا وعند هذه النقطة تحديداً، أنت تقف عند العتبة الأولى من عتبات الصحراء الجنوبية العراقية، حيث الاختلاف عن كل ما هو مدني وحداثي تماماً، تسلك الطريق المؤدي إلى المملحة، ستمر بهذه الناحية، وعلى مرمى البصر ثمّة أعمدة من الدخان الصاعد، وهذه العلامة تمثل معمل سمنت المثنى الجنوبي، تترك كل هذا وتوصل المسير على أديم الطريق المعبد الذي يشبه أفعى سوداء لا نهاية لطولها، عمق البصر سيشكل امامك أطياف السراب المتداخلة مع التلال والرمل الذهبي الأصفر، وحده الطريق يكفل لك مشاهدة مديات التغييرات الجيلوجية التي حدثت مع المتغيرات المناخية من دون تدخل بشري، فالطبيعة هناك شكلت نفسها من غير تدخل بشري، سوى بعض المزارع الأهلية التي تمثل مساحات بسيطة وضئيلة من الاتساع الكبير لهذه الصحراء الشقراء الخشنة ..
يستمر المسير، مسير يجبر سالكه على الصمت المطبق، فلا مجال للأحاديث أمام ارتفاع وانخفاض التلال، وأيضاً ثمة مرتفعات صغيرة نبت عليها الحنظل البري وهذه النبتة مقاومة لكل الظروف المناخية، خضراء بثمرة أصفر جميل يأخذ شكل البرتقال، إلا انه مرّ تماماً وحارق لملمس اليد، هذه المناظر كفيلة بصناعة الصمت أمام التأمل، الذي يصنع احساس التضاؤل وسط هذا البحر الرملي الكثيف ..

أدنى نقطة في العراق
يستمر المسير، حتى تقطع مسافة 220 كم من هذا الطريق، سيلاقيك منخفض السلمان، حيث الشعور بالهبوط إلى أدنى نقطة من نقاط العراق، تخترق هذا القضاء، لتعرف أنك أمام  80 كم أخرى حتى تصل إلى ناحية بصية بعد أن تقرأ يافطة عنوانها ( 100 كم حدود المملكة العربية السعودية).!
هنا تحديداً سينقطع كل شيء، الطريق المعبد سينتهي، شبكة الاتصالات تختفي، وتختفي كل مقومات الحياة، وتبدأ رحلة أخرى وهذه المرة وسط الرمال ولا غيرها ، السيارات الحديثة لا تفي بالغرض مطلقاً، فلا بد من سيارة ذات الدفع الرباعي، كي تواصل المسير وتصل إلى تلك الناحية ..
يستمر المسير وسط ما اصطلح عليه (الضياع الحتمي) فهناك أما تكون أو لا تكون ، ولابد من عارف يصحبك إلى ما تريد، الاستعانة ضرورية هنا، فأنت فريسة سهلة للذئاب والضباع، ولابد أن تصل قبل الزوال، حتى تتمكن من اللحاق بالضوء ومشاهدة ما يمكن مشاهدته من امكنة الصحراء ولاسيما ناحية بصية..
وهكذا بلا مقدمات يلوح لك بالأفق، خزان ماء فضي من النوع المستطيل، ما أن تشاهد الخزان تعرف أنك قد وصلت الناحية، وهكذا سوف تتشكل الجدران امامك لتبشر بوجود حياة على هذه الأرض، فبعد الانقطاع الذي حصل بعد اجتياز السلمان ، يأتي الشعور بأن لا حياة هنا، لكن خزان ماء بصية يقطع هذا الشعور، وهكذا رويداً رويداً يتبدد هذا الشعور، لتعرف أنك وسط ناحية قوام سكانها ألفي نسمة !! .

هوية مركز الشرطة المعمارية
تدخل الناحية والتي هي عبارة عن شارع طوله كيلومتر واحد على طرفيه شُيدت البيوت وعلى الطرز الحديثة، ترامي البيوت يمنح الداخل بأنه وسط قدح رملي ذهبي كبير نحتته طبيعة الصحراء، وقبل ذلك سوف تقرأ عبارات الترحيب، ومن ثم دائرة كهرباء بصية ! ومدرسة بصية المختلطة، الجامع، الحسينية، المجلس البلدي وخلف هذه البنايات تترامى البيوت .. لا حيرة هنا، فالضيف سيكون هو رب المنزل، بل أنك سوف تحتار في أيّ بيت ستكون ضيفاً، ومن أيّ مائدة سوف تأكل. كل شيء متوفر ولكن على طريقة أهل الناحية، فالكهرباء تصلهم عبر مولدات ضخمة! والماء المصفى، مرّة يدخروه بعد جلبه من المدينة، أو أنهم يستخرجوه من الآبار المحيطة بالناحية .
ما يثير التساؤل أمام كل هذه المشاهدات، هو: مركز الشرطة، والاثارة هنا ليست جرمية أو شيء له علاقة بخرق القانون، لا مطلقاً، الاثارة التي ستبدو على المشاهدة الأولى هي التساؤل عن هوية المركز وطرازه البنائي ..
شيّد المركز على طريقة القلاع القديمة التي شيّدتها القوات البريطانية في عشرينيات القرن العشرين، حيث الجدران العالية وأبراج المراقبة وفتحات وغزت الجدران الصفراء وطابوقها القديم من أجل المراقبة ومعرفة القادم إلى هذا المكان ..

قبيلة (الهجانة) وهجمات الإخوان
تسأل تستفهم، تعرف أن (كلوب باشا أبو حنيچ) البريطاني، قد شيّد هذا المركز في العام 1927 على بئر تجد ملامحها موجودة ؛ لشرطة حرس الحدود (الهجانة) وهؤلاء هم سكان بصية الأصليون وهم من القبائل العربية الأصيلة  التي تقطن هذه الارض، وهذا المركز والذي يطلقون عليه الحصن، كان ملاذ السكان وحصنهم من هجمات الإخوان التي كانت تشن الهجمات من أرض الحجاز على البادية الجنوبية العراقية عند مطلع القرن المنصرم . هذا المركز والذي  يقع شمال مدخل الناحية، قد شهد العديد من القصص والبطولات التي تسجل دفاع العراقيين عن أرضهم من تلك الهجمات، وأبناء الناحية وهم أحفاد أبطال حرس الحدود يروون بفخر تلك القصص والحكايات التي شكلت جزءاً من تاريخ هذه المنطقة ..
اندماجك في مجتمع المكان سوف يزيح اللثام عن كافة الاسئلة التي تخيّم على مخيلة الرأس، مع تجاذب أطراف الحديث ستعرف ثقافتها وعمقها التأريخي، فالحديث الطائفي لا وجود له مطلقاً، رغم التعدد الطائفي فيها، فالأحاديث كلها عن الكرم والرجولة والحمية، فضلاً عن الشعر الذي يضرب بعمق تاريخ الناحية،  فهنا كان مالك بن الريب التميمي، حيث قال قصيدته الشهيرة "وادي الغضا" :
ألا ليت شعري هل ابيتن ليلة  بجنب الغضا أزجي القلاص النواجيا
فليت الغضا لم يقطع الركب عرضه وليت الغضا ماشى الركاب لياليا..

(الدحا) هوية بصية الفنية
ومن ثم تتعرف على شعرائها منصور المديني، مسمار الصميدعي، فالح بن عابر الجاسمي، محمد الخشيبان الشعطان الظفيري ومن المحدثين مهلي حشاش المعلومي الظفيري، نعيم المدور، وعبد الجبار بجاي حاشوش الزهوي (رئيس اتحاد ادباء المثنى الحالي)، واحمد حمدان الجشعمي (رئيس المجلس البلدي الحالي).
تشير الوثائق العراقية إلى أن تاريخ اعلان الناحية كناحية إدارية تابعة للسلمان يعود إلى  العام 1958 في عام ثورة 14 تموز، اذ اضيفت إلى المخطط العراقي الحديث . بعد زوال النهار، وسقوط الشمس في حوضها المغربي والتي سوف تتسع في الافق مثل قرص كبير يمنحك رغبة لمسها والتحديق أكثر فيها، تظهر لك ملامح الكرم العربي، حيث موقد النار ورائحة القهوة العربية والهواء النقي المصفى من عوادم السيارات وأبخرة المعامل، وهنا تبدأ المسامرات الشعرية، واذ كانت هنالك مناسبة اجتماعية كحفل زفاف مثلاً، ستكون أمام رقصة أهلها الشعبية (الدحّا)، حيث تقدمها فرقة خاصة تضم 47 شخصاً يقفون في  صفين  بين  الناس يرقصون على نغمة التصفيق مع وجود شاعر ينشد الشعر على النغمة ذاتها.
وهي ما تمثل الرقصة الرسمية لمناسبات وأفراح هذه المنقطة وأيضاً فهي تعد أفضل ما يستعان به لشد عزيمة المقاتلين في حالة وقوع  الحرب، وتسمى عند ذلك بـ(العرضة)، اما الرقصة الأخرى المشتهرة عندهم فهي  تعرف بـ(السامرية)  وهذه خاصة بالمناسبات الوطنية.

بصية صيدلية ربانية
إن الاستماع إلى أهالي هذه الناحية، هو بمثابة الاستماع إلى عربي يحمل ثقافته الخاصة التي كونت موروث العرب، ولا غرابة في ذلك، اذ أنك تتحسس كلامهم العادي قد تمت صياغته على أحد بحور الشعر العربي، فضلاً عن عمق المعاني والألفاظ العربية القاموسية المهملة في أحادثينا، تجدها هناك وبقوة عند أهالي تلك الناحية، وهذا ما يشكل تفرداً ثقافياً خاصاً بسكان هذه المنطقة، والذين يعتاشون على الرعي والزراعة، وانتظار موسم الأمطار. التي تسهم بتميز بصية ثرائها بأعشاب تشتهر بفائدتها الطبية، أهمها الحنضل المستخدم في علاج أمراض السكر وارتفاع ضغط الدم والبواسير، حيث تعد تلك الأعشاب "صيدلية ربانية".
التصحّر أحد أبرز المشاكل التي تواجه الناحية الشبيهة بـ "الجزيرة الخضراء" المحاطة بأمواج الرمال، بسب قيام بعض التجار بقطع الأشجار وبيعها بحسب الحمولة التي تتراوح قيمة الواحدة منها من 80 - 120 ألف دينار، وتستخدم في التدفئة والطبخ.
كما وتعد بصية من كبرى المناطق في العراق، وهي موطن للصقور النادرة التي أصبحت اليوم مكاناً مفضلاً لأغلب الباحثين عن المتعة في الصحراء، حيث الطبيعة هي من تتحكم في سائر الأمور. اذ تتمتع بموسمين للسياحة أو ما يسمونه رحلات السفاري، الأول في بداية شهر تشرين الأول التي تخص صيد الصقور في المنطقة، والثاني في شهر شباط، حيث يعتدل الجو فاتحاً بوابة الربيع امام واحات بصية.



اضف تعليقك

شروط نشر التعليقات والتعقيبات في "المدى"

تود "المدى" أن تعلن لقرائها وزوار موقعها الالكتروني الكرام بان تعليقاتهم وتعقيباتهم على ما ينشر فيها يخضع لذات القواعد التي تحكم عملية النشر في الصحيفة الورقية والمتقيدة باخلاقيات الصحافة المتعارف عليها دولياً، وتؤكد انها لن تنشر ما يتعارض مع هذه القواعد وفقاً للآتي:

1 - يلتزم القراء وزوار الموقع الالكتروني بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وبعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب وهيئات الدولة والهيئات الاجتماعية وسائر الناس، بكلام جارح ونابِ ومشين ويحتوي على معلومات غير مؤكدة، ويلتزمون أيضاً بعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء.
2 – يحق لإدارة تحرير المدى ان تنقّح تعليق القارئ او الزائر بما يتناسب مع اللياقات الموصوفة اعلاه، وإطلاق الحوار البنّاء، مع الحفاظ على مضمون التعليق، أو أن تحجبه إذا كان غير مناسب أو متعارضاً مع قواعد النشر.
3 – تنطبق هذه الشروط على ما ينشر في الملاحق وسائر مواقع وإصدارات مؤسسة المدى
4 - لا تتحمل مؤسسة المدى أي مسؤولية مادية أو معنوية حيال صاحب التعليق.
الاسم:  
البريد الالكتروني:    
التفاصيل:  
رمز التحقق:
جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة المدى للاعلام والثقافة والفنون