تحقيقات
2017/08/01 (00:01 مساء)   -   عدد القراءات: 3585   -   العدد(3984)
حالات الانتحار في العراق.. بطالة.. وعنف.. وقصص حب فاشلة
حالات الانتحار في العراق.. بطالة.. وعنف.. وقصص حب فاشلة


 قسم التحقيقات

يقف المعاون الطبي محمد على مقربة من جسد الشاب وليد المسجّى في ثلاجة المستشفى متسائلاً في قرارة نفسه ما الذي يدفع شاباً بهذا العمر الى الانتحار بطريقة مؤلمة، إذ أقدم وليد على شنق نفسه في غرفة متروكة بدارهم، ولم يكتشف أهله الحادثة إلا بعد ساعتين تقريباً، فيما أقدمت الشابة زهرة على تناول كمية من سم الفئران ورغم محاولات الكوادر الطبية إنقاذها إلا أنها باءت بالفشل. مقابل ذلك هناك العديد من حالات الانتحار الفاشلة، إن كان بسبب تردد الشخص أو سرعة انقاذه من قبل المحيطين به أو ذويه.

الإحباط وراء الدفع للانتحار
إحصائية رسمية أفادت بأن بغداد وكربلاء وذي قار، تصدرت بقية المحافظات بعدد المنتحرين من الذكور والإناث، بينما لم تشهد ثلاث محافظات تسجيل أية حالة. وأكدت الإحصائية،  أن العاصمة بغداد سجّلت 38 حالة انتحار متصدرة جميع المحافظات، تلتها كربلاء بـ23، ثم ذي قار مسجلةً 22 حالة. وجاءت المحافظات الأخرى في الإحصائية كالتالي: القادسية 15، بابل 12، صلاح الدين 6، البصرة 3، ميسان 2، بينما سجلت محافظات واسط وكركوك حالة واحد لكل منهما، ولم تسجل النجف وديالى والمثنى أية حالة انتحار خلال عام 2016.
قبل أيام وفي منطقة بغداد الجديدة، أحبط ذوو أحد الشباب محاولة انتحار ولدهم عبر تناوله كمية كبيرة من الادوية المهدئة، إذ يبين شقيق الشاب الذي حاول الانتحار مشتاق جليل لـ(المدى) في الآونة الأخيرة أخذ أخي الأصغر صفاء، ينطوي على نفسه وغالباً ما نجده نائماً أو متكاسلاً. مضيفاً: وعند مفاتحته بالموضوع وسبب هذا التكاسل والنوم، بيّن انه مريض ويشكو ألماً في جسمه. مستدركاً: لكن ذلك لم يقنعنا خاصة أن صفاء منذ عام، أتمَّ دراسته الجامعية وظلَّ جليس البيت ينتظر فرصة العمل التي لم تأت.
وأضاف جليل: ولأنه اخي الأصغر وضعته تحت المراقبة لأيام حتى تأكدت انه أخذ يتعاطى نوعية من الحبوب المنومة التي كان يعرض بعض اغراضه للبيع سراً ليقتنيها. موضحاً: في اليوم الذي حاول فيه الانتحار، كنت عند أحد الاطباء النفسيين لاستشارته. مستدركاً: لكنَّ اتصالاً من والدتي اعادني الى البيت، وإذا بصفاء في آخر انفاسه. على وجه السرعة تم نقله الى المستشفى وأجريت معالجته.
واستطرد شقيق الشباب الذي أقدم على الانتحار: إن حالة الاحباط التي يعيشها أغلب الشباب تدفعهم الى الانزواء ومن ثم التفكير بالانتحار بعد الوصول الى الاحباط. منوهاً: الى أن أخاه كان من المتفوقين في الدراسة، لكن طموحه لم يكن الكلية التي درس أربع سنوات بالتالي جلس في البيت من دون عمل.

الابتزاز الالكتروني والفضائح
يحلل المختصون بعلم النفس الاجتماعي ارتباط حالات الانتحار بالأوضاع العامة، للبلاد وأن أهم أسباب في الانتحار هو مشاكل الحب الزواج وعجز الكثير من الشباب إنهاء علاقتهم بالزواج لأسباب عدّة ربما تقف الظروف المالية في مقدمتها... فضلاً عن الفوارق الطبقية والنسبية التي أخذت تتسع والعادات والتقاليد في الزواج والبطالة المستشرية بسبب الفساد وانعدام الرؤى للنهوض بالقطاع الاقتصادي.
الباحث الاجتماعي الدكتور علي طاهر الحمود، ذكر أن الحالات الأكثر معالجة قانونية أو مؤسساتية هي جرائم الشرف بحق النساء المنتحرات، فنحن كباحثين اجتماعيين نشك بوجود حالات انتحار إلا بنسبة قليلة وهذا موثّق ضمن دراسة شملت مناطق العراق كافة. متابعاً: أن نسبة خط الفقر عالية في الوسط والجنوب حيث أظهرت الدراسات الحديثة أن نسبة الواقعين تحت الفقر في محافظة ذي قار 45 % تلتها السماوة وبعدها البصرة ثم العمارة صعوداً إلى بغداد، ويعد الفقر أهمّ مسببات الانتحار.
وأضاف الحمود أن أحد الأسباب الرئيسة في الوقت الحالي وهو القطاع التكنولوجي وانتشار السوشيال ميديا، موضحاً أن حالات الابتزاز التي تواجه المواطنين من مرتادي مواقع التواصل الاجتماعي وحالات التصوير غير المرخصة التي تتعرض لها الفتيات تحت مسمى الفضيحة أصبحت ظاهرة منتشرة، ما يعرض الشاب أو الفتاة لضغط نفسي شديد يؤدي إلى الانتحار. مؤكداً: أن ظاهرة تعاطي المخدرات إحدى المسببات وعلى الرغم من انه لم يتم التأكد علمياً بإحصائيات تثبت ذلك، لكن الانتحار يتزامن مع ارتفاع عدد المتعاطين ما يدعو إلى ضرورة وجود دراسات جدية بشأن العلاقة بينهما.

النساء الضحايا الأكبر
تعاني الكثير من النساء مشاكل في العلاقة الزوجية قد تدفع بعضهن الى علاقات خارج إطار الزوجية أو التفكير بالهروب والانتحار، فيما تكون شروط الأهل لأجل الزواج والمهر العالي أحد أهم أسباب العنوسة ودفع الفتيات نحو الانتحار وسط تأثير ما تعرضه الفضائيات من افلام ومسلسلات التي تتلاعب بمشاعر الفتيات ومنهن، بيداء، حسبما ذكرت انها منذ اربع سنوات مرتبطة بأحد الشباب، لكن اهلها يعارضون الزواج بحجة انه غريب. لافتةً: الى أنه هدد أهله وأهلي بالانتحار إن لم يستجيبوا لطلبه. متابعة: وحين اقدم على محاولة الانتحار واثناء ما كان في المستشفى فكرت بالانتحار أيضاً، إلا أن اهلي وضعوني تحت مراقبة شديدة.
في النهاية رضخ الأهل وتم الزواج بين بيداء وحبيبها، لكنّ قضية رنا  اكثر تعقيداً، فبعد أن أوضحت خطأءها مثلما تقول مع حبيبها الذي تركها وهرب الى خارج البلاد، فكرت بعدّة طرق للتخلص من المأزق. مبينة: لكن في النهاية وصلت الى فكرة الانتحار التي فشلت وبفشل الفكرة اكتشف أمرها. فما كان أمام أهلها إلا قتلها ونسب الأمر الى حادثة انتحار كما بيّن ذلك أحد المحققين الأمنيين.
لكن نور كانت في مأزق اكبر من ذلك، واقدمت ثلاث مرات على الانتحار لتنتهي في مستشفى تأهيل الأمراض النفسية وتحت مراقبة شديدة بعد أن سرق خطيبها حياتها وأموالها وهرب الى خارج البلاد أيام الهجرة، شقيقة نور بيّنت، أن خطيبها استفرد بها في الشقة الزوجية قبل أيام معدودة من الزواج . مشيرةً: الى انهما كانا في جولة تبضع وتبديل طقم الذهب مثلما أراد ذلك. موضحة: لكن الذي تبيّن أن ذلك كان فخاً إذ قام ببيع الطقم وأخذ مبلغاً آخر من شقيقتي لكنه اختفى في اليوم الثاني، ليتبين بعد أيام انه هرب خارج العراق.
نور الآن في وضع لا تحسد عليه، فبعد خسارتها طوق القلق والخوف عائلتها خاصة أنها تعمل في مؤسسة حكومية ربما يصعب عليها العودة الى العمل حتى لوقتٍ غير معلوم ... قضية نور واحدة من عشرات إن لم تكن مئات القضايا التي تحتاج الى اعادة نظر وتأهيل مجتمعي.

القانون يحاسب المحرض
بين آونة وأخرى تطلق منظمات غير حكومية مشروعاً يستهدف توعية الشباب بمشكلة الانتحار وعواقبه على المجتمع، الناشط المدني محمد عدوان بيّن لـ(المدى) أن زيادة حالات الانتحار بين الشباب والفتيات تؤشر وجود خلل كبير في المنظومة المجتمعية، الأمر الذي يدعو الى اعادة النظر بالكثير من المفاهيم وتأهيل قطاعات عدّة في مقدمتها الاقتصادية، التي عده من بين أهم الاسباب التي تدفع للانتحار. لافتاً: الى  أن بعض النظم والتقاليد الاجتماعية لاتزال تتحكم بالمجتمع رغم التطور الهائل الذي حدث في شتى المجالات . مردفاً: الجميع يتحمل ما وصل إليه الشباب والفتيات من احباط، أما بسبب البطالة أو الظروف المعيشية الصعبة أو التقيد وقمع الحريات.
استاذة علم النفس الاجتماعي، شذى هادي، ذكرت من بين أهم الأسباب التي تدعو الى زيادة حالات الانتحار هو التفكك الأسري والشعور بالفشل وعدم القدرة على التعامل مع الآخرين، فضلاً عن عدم اهتمام الجهات الحكومية بتوفير مراكز لمعالجة محاولي الانتحار. متابعة: أن تزايد حالات الانتحار يؤشر وصول المجتمع الى حالة تستوجب وقفة جادة تضع النقاط على الحروف وتشخص الأسباب وتضع المعالجات التي يفترض أن تأخذها الدولة بنظر الاعتبار.
وفي معرض حديثه عن الانتحار، قال القاضي ناصر عمران حسب موقع السلطة القضائية الذي اطلعت عليه (المدى) إنها ظاهرة إجرامية بعد أن ازدادت معدلاتها، بينما عرّف السلوك الانتحاري بأنه التصرف المتعمد من قبل شخص ما لإنهاء حياته. وعن الموقف القانوني من هذه القضايا، يبيّن القاضي، أن القوانين لا تشمل المنتحر لأنه رحل بطبيعة الحال، لكن ذلك يتمثل بتحقيق الردع وفرض العقاب على المحرض أو المساعد على القيام بفعل الانتحار، وقد وضع النص العقابي بما يتلاءم وخطورة التحريض والمساعدة كسلوك مجرم أدى إلى قيام الشخص بإزهاق روحه عمداً.
وأوضح عمران، أن هناك حالات ينص عليها قانون العقوبات العراقي حول المحرضين على الانتحار. لافتاً: إلى أن المشرع العراقي لم يعاقب على الانتحار ولا على الشروع فيه، بل عاقب على فعل الإسهام في الانتحار فجرّم من يحرض أو يساعد على الانتحار وذلك في المادة (408) من قانون العقوبات خارجاً بذلك عن القواعد العامة التي تقضي بأن المساهمة في فعل مباح لا يشكل جريمة وعلّة التجريم كما يراها المشرع تكمن في أن الانتحار يشكل خطراً على أمن وسلامة المجتمع.

المجتمعات المنغلقة ووسائل الاتصال الحديثة
يكاد لايمر يوم دون تسجيل حالة انتحار أو فشل محاولة انتحار إن كان عبر وسائل الاعلام أو مواقع التواصل الاجتماعي، الا انه بسبب المحاذير الاجتماعية واختفاء الحقائق، تغيب البيانات والاحصائيات الدقيقة، لكن رغم ذلك هناك مؤشرات تدل على تزايد حالات الانتحار هذا العام مقارنة بالعام الماضي، فإلى اليوم سجلت محافظة ذي قار اكثر من (120) حالة انتحار خلال الأعوام السابقة وهو أعلى معدل في حالات الانتحار بين المحافظات والأخطر هو تحول حالات الانتحار الى ظاهرة انتحار وتهديد للأهل.
وبشأن حلول كربلاء بعد العاصمة بغداد في عدد حالات الانتحار، يرجع رئيس استئناف كربلاء القاضي محمد عبد الحمزة، حوادث الانتحار في المحافظة إلى أسباب اجتماعية، غير أنه ينفي وجودها في ما أسماه "المجتمع الكربلائي الأصيل." موضحاً إن أغلب هذه الحالات تقع في المناطق المشيدة حديثاً، ومن وجهة نظر اجتماعية يمكن تقسيم المجتمع الكربلائي إلى قسمين: المجتمع الأصلي والمجتمع الوافد الذي زحف من مناطق مختلفة في البلاد بحثاً عن العمل في كربلاء المدينة الدينية والتجارية.
ولفت عبد الحمزة:  إلى أن أغلب حوادث الانتحار تنبثق من المجتمع الأخير بسبب الأوضاع السيئة التي يعيشها سكانها من تخلف وفقر وجهل وبطالة، إضافة إلى الأعراف الاجتماعية الضاغطة من المجتمعات التي انحدروا منها سواء على الرجال أو النساء، هذا ما يولّد حالات الانتحار أما المجتمع الكربلائي الأصيل فتنعدم فيه هذه الحالات.
فيما يذهب الباحث المجتمعي سعد سامي: أن هناك تأثيراً خطيراً لوسائل الاتصال الحديثة التي لم يستطع الشخص الساكن في بيئة منفتحة تنعم بالحرية أن يتعامل معها باتزان وبشكل سوي من دون أن تحدث ايّ خلل أو اضطراب بأفكاره. مردفاً:  فكيف الحال بالنسبة لمن يعيشون في بيئة مغلقة مقيدة للحريات والاراء تلتزم بالتقاليد البالية وتفرض وصاية على الجميع. مشيراً: الى أن تزداد مشاعر الحزن والوحدة وصولاً الى الاحباط نتيجة فقدان الحرية وغياب المتنفس للانفعالات اليومية التي تتراكم بالتالي تنفجر دون ارادة الانسان.
وتقر منظمة الصحة العالمية بالانتحار كإحدى قضايا الصحة العمومية التي تحظى بالأولوية. حيث كان أول تقرير لمنظمة الصحة العالمية حول الانتحار بعنوان "الوقاية من الانتحار ضرورة عالمية" والذي نشر في عام 2014، يهدف إلى زيادة الوعي بأهمية الانتحار ومحاولات الإقدام عليه من منظور الصحة العمومية، وإلى جعل الوقاية من الانتحار أولوية قصوى على جدول أعمال الصحة العمومية العالمي. كما يهدف التقرير إلى تشجيع البلدان ومساعدتها في تطوير أو تعزيز ستراتيجيات شاملة للوقاية من الانتحار في سياق نهج متعدد القطاعات للصحة العمومية. كما ويعد الانتحار من الأمراض التي تحظى بالأولوية في برنامج منظمة الصحة العالمية للعمل على رأب الفجوة في الصحة النفسية والذي تم إطلاقه في عام 2008، ليوفر التوجيه التقني المسند بالبيانات لرفع مستوى تقديم الخدمات ورعاية الاضطرابات النفسية والعصبية والمتعلقة بتعاطي مواد الإدمان. لكن متى تأخذ الحكومة العراقية كل ذلك بمحمل الجد وتعمل على تشخيص الاسباب ووضع المعالجات الوافية لها وفي مقدمتها القضاء على الفساد والمحسوبية ... ننتظر ونرى.



اضف تعليقك

شروط نشر التعليقات والتعقيبات في "المدى"

تود "المدى" أن تعلن لقرائها وزوار موقعها الالكتروني الكرام بان تعليقاتهم وتعقيباتهم على ما ينشر فيها يخضع لذات القواعد التي تحكم عملية النشر في الصحيفة الورقية والمتقيدة باخلاقيات الصحافة المتعارف عليها دولياً، وتؤكد انها لن تنشر ما يتعارض مع هذه القواعد وفقاً للآتي:

1 - يلتزم القراء وزوار الموقع الالكتروني بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وبعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب وهيئات الدولة والهيئات الاجتماعية وسائر الناس، بكلام جارح ونابِ ومشين ويحتوي على معلومات غير مؤكدة، ويلتزمون أيضاً بعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء.
2 – يحق لإدارة تحرير المدى ان تنقّح تعليق القارئ او الزائر بما يتناسب مع اللياقات الموصوفة اعلاه، وإطلاق الحوار البنّاء، مع الحفاظ على مضمون التعليق، أو أن تحجبه إذا كان غير مناسب أو متعارضاً مع قواعد النشر.
3 – تنطبق هذه الشروط على ما ينشر في الملاحق وسائر مواقع وإصدارات مؤسسة المدى
4 - لا تتحمل مؤسسة المدى أي مسؤولية مادية أو معنوية حيال صاحب التعليق.
الاسم:  
البريد الالكتروني:    
التفاصيل:  
رمز التحقق:
جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة المدى للاعلام والثقافة والفنون