سينما
2017/08/10 (00:01 مساء)   -   عدد القراءات: 1198   -   العدد(3992)
جنون بلا نهاية لإعلاناتها.. واللامبالاة الحجرية للتكنولوجيا
جنون بلا نهاية لإعلاناتها.. واللامبالاة الحجرية للتكنولوجيا


 ترجمة: عباس المفرجي

بادِئ ذي بَدْءٍ، هذا هو بحق كتاب جيد جداً، ربما أفضل نظرة عامة عن السينما كُتبت حتى الآن. إنه يتّقد بنفاذ بصيرة، ومغلّف بحكاية، وينبض بعاطفة مشبوبة لوسيط كان تومسون منكبّاً عليه، قلقاً عليه وكاتباً حوله طوال حياته.

مع أن هذا قد لا يكون بصيرة أصيلة بالكامل، فإنّ تومسون يؤكد المرة تلو المرة على حجته بأن جاذبية الأفلام تكمن في أنها تتلاعب بأحلامنا وأعمق أشواقنا وتستغلها. يذهب الناس الى السينما، يكتب هو، ليجلسوا في الظلام (( مشاهدين طقوس عربدة لرغباتهم الخاصة بهم، تضيء على الشاشة ))، مع ذلك، وبشكل متناقض، يمكن للأثر الصافي أن يكون مميتاً للروح. عليه، كتابه هو ليس فقط انشودة تسبيح بـ’’ الصور‘‘   [ الافلام ]، كما اعتدنا أن نسميها، بل هو أيضاً تعبير عن القلق (( حول الأثر العام للتخيلات المؤثرة وكيف نصبح بعيدين عن الواقع أو يائسين منه)).
تومسون، الذي ولد في لندن لكنه يعيش الآن في سان فرانسيسكو، هو في السبعين من العمر، وهذا يعني إنه إبن عصر الأسود والأبيض. إنه يكتب مع كل الإثارة والترقب لدى صبي في الثانية عشرة من العمر، في يده قنينة كولا وفي الأخرى علبة فُشار، في طريقه الى واحدة من دور السينما المذهبة في الأيام الخوالي ليشاهد بكل بهجة ورعب شهواني ريتا هايوورث تعرّي ذراعيها من قفازات طويلة في "غيلدا ".
برغم إنه قادر على مناقشة الستوري آرك [ حبكة متطاولة أو متواصلة في قصّ إيبيزودي في وسائط مثل التلفزيون وكتب المسلسلات المصورة ] أو نظرية المؤلف كما يفعل أفضل النقّاد، فإنه لا يفقد البصر بواقع أن ’’ الموفي ‘‘ [ الفيلم ]، كما يدعوه، يقدّم لنا تسلية طفولية، بينما هو في نفس الوقت يضيء شعلة داخل الشقوق الأعمق لأرواحنا التوّاقة.
مرة بعد مرة يعود الى ثيمة الفيلم، كل فيلم، كخيال للايروتيكية والعنف، أو الاثنين معاً – (( إنه نمط من الفزع والشهوة )) كاتباً عن تحفة جان فيغو " لاتلانت "، يلاحظ أن (( فيغو آمن بأن كل حياة هي مجرد بشرة باهتة تكسو من كل جانب حياة باطنية تغلي، وعرف انه يمكن للفيلم أن يكشفها)).
في صفحات سابقة، وهو يتأمل في اللقطة الافتتاحية الشهيرة في الفيلم السوريالي الصامت " كلب أندلسي " للويس بونويل، التي تظهر فيها شفرة موسى تقطع مقلة عين امرأة، يصرّ تومسون على أن (( التضمين اللجوج للصورة هو القول، أوه، رجاءً، دعونا لا نروّج الاكاذيب القديمة حول تسلية المفيدة، ونجوم افلام وسهرات عظيمة – هذا هو سُعْر، مصمم على الجنس والعنف، ونحن نتقدم في العمر ونحن نشاهده... الفن ليس استجماماً، سلوانا، تمضية وقت، اعمال (رغم انه كل هذه الأشياء)؛ انه الحجر الذي تحدُّ عليه سكينك.
كتابه هو، كما يقول، حول الشاشات: (( انه مويبريدج الى الفَيْس بوك)) فهو يبدأ من بدايات "الموفي" (أجل، أحياناً تصبح فيه هذه الكلمة مزعجة الى حد ما )، والذي يعتبره صورة فوتوغرافية متوقفة الحركة لذلك الرجل الانكليزي المثير للاهتمام ايدويرد مويبريدج – هو نفسه شخصية سوداوية. ولد مويبريدج بإسم ادوارد مويبردج في لينغستون أبّون تايمز في 1830. انتقل الى امريكا، حيث تعرّض لحادث أصابه بضرر في دماغه، وحين، في عام 1875، قتل عشيق زوجته، بنى دفاعه على ادّعاء الجنون؛ رفض المحلفون الإدّعاء لكنه بُرّئ من التهمة مع ذلك على أساس أن القتل مبرَّر. بتحديثها، يمكن للقصة أن تصبح فيلم إثارة لطيف صغير بالأسود والأبيض من إخراج بيلي وايلدر أو هوارد هاوكس، وربما مع سيناريو لرايمون تشاندلر.
يلاحظ تومسون أن سلسلة صور مويبريدج لحيوانات في حالة حركة، أو لرجال ونساء عراة ماشين أو راكضين أو مؤدين وظائف عادية يومية، تخلو من شدّ درامي جوهري، لا تروي قصة. (( كانت الصور هي الاحساس... انه يصوّر الناس، لكنه أيضاً يصور الضوء، الهواء والزمن العابر... تبدو الصور مسلوبة باللعب بالضوء على الأجسام المادية الاعتيادية وبالتقدم البطيء والمتنامي عبْر الزمن)) انها أيضاً تجعل الناس واعين بأنفسهم مشغولين في فعل المشاهدة.
ليس اعتباطاً أن نسخة سانت بول من المسيحية تسمى اشكالاً معينة من النظر بسمة الخطيئة. جزء من المتعة في كوننا مشاهدي أفلام هو انه مقابل بضعة نقود معدنية يتاح لنا الربوض في الظلام لساعتين، نمتّع أعيننا بصور لمخلوقات من لحم ودم تتحرك بأوضاع، لسنا متأكدين تماماً بأنه من المباح لنا أن نشاهدها. السينما تجعل منّا جميعاً بصّاصين.
ثيمة تومسون السائدة هي التأثير القاسي، العميق والمدمّر للسينما علينا منذ البدء. ((حاولت أن أُظهِر)) يكتب، ((كم كانت مواقفنا من الحب، الهوية الذاتية، الرغبة والمسؤولية تتشكّل بارتياد السينما. هذه المواضيع تتجمع في موضوع واسع عن التمثيل: ما إذا كنا نحن أنفسنا أم أحد آخر يلعب دور أنفسنا. ما إذا كانت الافلام ملائمة لنا)).
من جانبه، هو مستعبَد على نحو يائس للسينما، وكتابه هو حديث عاشق، مروَّع، مستثار، وأحياناً نشوان بشكل تام. مع ذلك، حتى هو له لحظاته من الشك. (( كان ثمة فترة – خمسين سنة، إن أردنا أن نكون كرماء – كان فيها الضوء ينوّر ويتحرك وحتى يتحوّل. لكن بعدئذ بدأ تغيرٌ أصبح فيه الضوء محاكاة ساخرة للتنوير ووسيلة لحبس الجماهير)).
برغم أنه ليس لديه أي أوهام حول هوليوود والناس الذين يديرونها، فلا وجود لأوغاد في كتاب تومسون. وهو يجد، مع هذا، سبباً لأن يهزّ رأسه استنكاراً على ستيفن سبيلبرغ في صنعه فيلم " جاوز ". في هذا الفيلم، أنتج سبيلبرغ لعبة مثيرة وحتى مغرية، لكنها كانت، في الجوهر، حول لاشيء على الإطلاق. يتخيّل تومسون بعض قرّاء كتابه يعترضون على أن " كنغ كونغ "، على سبيل المثال، لم يكن أيضاً ’’حول‘‘ شيء مهم، فيجيب: ((لكن إن وضعت " كنغ كونغ " و "جاوز" في جملة واحدة، فعليك أن تحسّ بالدافع الشعري الساذج الذي يُلهِم الفيلم الأول، والموضوعية الباردة في الثاني)).
ما يقلق تومسون هو أن شيئاً ما حدث للسينما في وقت ظهور " جاوز "، شيء ساخر، شرير وربما حتى مهلك. جزء من المتعة التي نتجت عن "جاوز"، وافلام الإثارة الغبية الأخرى التي تحاكيه، يقول، ((هي أن الفوضى لم تعن شيئاً. الاهتياج يتفوّق على الاحساس)) هذا هو الموقف المشاكس لكتاب " الشاشة الكبيرة ". النهج المميت، طبقاً لتومسون، الذي بدأ في السبعينات انتشر الآن عبْر بلايين الشاشات الصغيرة التي غزت العالم، التوّهج المركّب على نحو بائس الذي يكون منه العالم مرئياً من الفضاء الخارجي. اصبحت المشاهدة مجرد محدِّقة، فاغرة الفم، بطيئة التنفس. (( الفَيْس بوك أخذ مسبقاً اعترافاتنا الجادة عن انفسنا وتاجر بها من أجل الدعاية)).
لا يمكن لتومسون أبداً أن يكون متهماً بالتشاؤم، وكتابه هو احتفال مجيد بواحد من أعظم الاختراعات البشرية: شكل من الشعر الجماهيري الذي كان الإغريق سيقدرونه ويجدون متعة بالغة فيه. حتى لو أن النهاية ليل، فإن الأمسية كانت متعة عظيمة: (( نحن رأينا اشياء مدهشة قريبة للموت؛ وحتى لو أن الأفلام تموت، فإن الجنازة طويلة الأمد كانت عرضاً للمشاهدة)) مع ذلك، حين تسطع الأضواء، فإن شيئاً من الظلام يتلبث.
العدد الكبير من وسائل المشاهدة التي اجتاحت ’’السينما‘‘ في السنوات الثلاثين الأخيرة ستتسارع وتنتشر، وهي بالطبع مفيدة ومربحة – انظر فقط الى الاقتصاد الذي أنتجته. أمن الممكن أيضاً أن تكون سمة من السمات المميزة للفاشية القادمة؟ لا تذعر، ستكون أكثر تهذيباً أو سهلة الاستخدام والفهم من نسخة الثلاثينات، لكنها مميتة بقدر مولات التسوّق للامريكانا، وتفاهة العدد الكبير جداً من مدارسها، والجنون الذي بلا نهاية لإعلاناتها، واللامبالاة الحجرية للتكنولوجيا.
 عن: صحيفة الغارديان



اضف تعليقك

شروط نشر التعليقات والتعقيبات في "المدى"

تود "المدى" أن تعلن لقرائها وزوار موقعها الالكتروني الكرام بان تعليقاتهم وتعقيباتهم على ما ينشر فيها يخضع لذات القواعد التي تحكم عملية النشر في الصحيفة الورقية والمتقيدة باخلاقيات الصحافة المتعارف عليها دولياً، وتؤكد انها لن تنشر ما يتعارض مع هذه القواعد وفقاً للآتي:

1 - يلتزم القراء وزوار الموقع الالكتروني بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وبعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب وهيئات الدولة والهيئات الاجتماعية وسائر الناس، بكلام جارح ونابِ ومشين ويحتوي على معلومات غير مؤكدة، ويلتزمون أيضاً بعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء.
2 – يحق لإدارة تحرير المدى ان تنقّح تعليق القارئ او الزائر بما يتناسب مع اللياقات الموصوفة اعلاه، وإطلاق الحوار البنّاء، مع الحفاظ على مضمون التعليق، أو أن تحجبه إذا كان غير مناسب أو متعارضاً مع قواعد النشر.
3 – تنطبق هذه الشروط على ما ينشر في الملاحق وسائر مواقع وإصدارات مؤسسة المدى
4 - لا تتحمل مؤسسة المدى أي مسؤولية مادية أو معنوية حيال صاحب التعليق.
الاسم:  
البريد الالكتروني:    
التفاصيل:  
رمز التحقق:
جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة المدى للاعلام والثقافة والفنون