تشكيل وعمارة
2017/08/12 (00:01 مساء)   -   عدد القراءات: 5009   -   العدد(3993)
التشكيلية العراقية سوسن سلمان: تعيد تشكيل الوطن بأفق  الغربة
التشكيلية العراقية سوسن سلمان: تعيد تشكيل الوطن بأفق الغربة


لندن/ محسن الذهبي

حين سئل القاص والروائي  الكولومبي الشهير (غابرييل غارسيا ماركيز ) : لماذا لا تعيش في وطنك كولومبيا كي تبدع ..؟ .. أجاب من قال ..  اني لا اعيش في قلب كولومبيا ؟ لقد غادرت  الوطن، لكني ما زلت احيا هناك .. فما  مائة عام من العزلة  أو خريف البطريرك  أو الحب في زمن الكوليرا إلا نوع من الحنين .. هذا الحديث ذكرني  بأعمال الفنانة العراقية المغتربة في النرويج منذ سنوات  (سوسن سلمان) تعبيراً صادقاً عن معاناة الفنان المغترب.

إن اعمال الفنانة ما هي إلا تجريد قادر على خلق محور قيمي للعمل الفني ولذات عالمها الخاص الذي تتلاحم معه لتعبر عن دواخلها وموروثها التاريخي المتراكم  ، فالفن عندها يحاول أن يجد القدرة على قهر المسافات الزمنية والمكانية ومجاوزتها بفضل استخدامها للدلالات المنتقاة من الموروث الشعبي والتاريخي لجذور الحضارة الرافدينية وتوظيفه في العمل الابداعي، فهي تحاول  اختراق أي شكل من اشكال المحدودية لتجسيد المكان ولا نهائية الزمان، بهذا المعنى المزدوج الدلالة يصبح الفن وسيلة أساسية للفهم ومن ثم يصبح مجالاً لإنتاج ابداع يقترب من الحقيقة ويجسدها عبر خطوط تجريدية وبناء هيكلي للأشكال. اذ تبتعد عن الوصف الظاهري الى وصف مشهدي لمعنى الشيء ، فيكون التأويل الظاهري هو فعلاً لإنتاج المعنى أو لتأسيسه بشكل أدق، أي انها تعنى بالتوجه القصدي نحو عالم معين موجود فعليا في الواقع هو تلك الرموز الرافدينية بكل ما فيها من قوة تعبيرية  واعادة  صياغتها  بشكل  تجريدي لا يبعدها عن الواقع بل  يغور في الارتقاء بها نحو التعبير الذي  يصل أحياناً حد الشعور بالتقديس لذلك الموروث، فيكون التوجه الانعكاسي نحو ذات معينة يعتمد على الذاكرة  ليجسد الفعل التأويل الظاهري فهو لا يتجه إلى المعنى أو الاثر المكاني بل يرتد عنهما، إذن فهو محاولة واعية للفهم الباطني الذي يوفر المعنى كي يصل بالشكل  المفهوم للمتلقي، غير أن المعنى نفسه ليس بؤرة فحسب ولا هوية ولا وحدة مفردة تمتاز بها اعمال الفنانة. إنما هو معنى لممارسة وفعالية وتفصيل لذات الفنان ومرموزاته الفكرية.إن التأويل – للواقع - ليس تقريراً بل حوار تساؤلي، فالمتلقي يستقرئ ماهية نص اللوحة التشكيلية. وأن هذا الأفق جزء من دائرة الحوار التأويلي الذي يخرج به .
 والتأويل هنا  يجسد الفكرة أو التجربة بتأويل المعنى، ومحاولة كشف لحدود التخيل  لإبراز الواقع . فإنجاز التأويل هو ملائمة فضاء يخص المؤوَل وثيم التأويل في اللوحة الابداعية، وهو محاولة لخلق فضاء يعري الذاكرة الفردية للفنانة أمام عين الجمهور المتلقي كي يكتشف معنى وماهية الاشياء فهي تعيد رسم ملامح الاماكن التاريخية  والاشارات الحضارية متمثلة بالكتابة المسمارية والحروف العربية ، ذلك أن الفضاء الذي تشتغل عليه هو فضاء واقعي ينسحب في ابداعها الى عالم  افتراضي وتأويلي، فالعالم ليس الذات المبدعة لوحدها، بل هو عالم من التلقي والابداع والنمو الروحي، مأخوذ بالتجريب لاكتشاف عوالم جديدة ماهي في الأصل إلا وحدات تقليدية مألوفة من اجل صياغة تكوينات جديدة غير مألوفة مستفيدة من علاقة تلك التراكيب على مستوى المفردات لجعلها عنصراً تشكيلياً أساسياً. فيما تعتمد على متغير اللون وتوزيعه لإضفاء جو من الدرامية التفاعلية الناتجة عن عملية التجريب، فوجود البياض والفراغ اللوني كدليل أو معادل للفجوات التي تركها الزمن في ذاكرة الفنانة ومحاولة الابتعاد عن زحمة تأثير اللون جعلها تقتصد فيه عن  قصد وكانها تؤرخ لتأثير الغربة التي تحاول أن لا  تبقي إلا ظلالاً  للأشياء نتذكرها بشكل ابعاد مجرد ..
لكن السؤال المهم الذي يراود مخيلة المتتبع للفن هو  لماذا ابتعدت الفنانة  (سوسن سلمان) عن مسار أبيها الفنان الرائد عبد الجبار سلمان في تعبيريته المتفردة ؟ ولم تطور  تلك الرؤية ؟
 ربما التفسير لهذه الظاهرة هو محاولتها المخلصة  للانطلاق في اسلوبية متميزة كفنانة لها حضورها الخاص والمتميز في عالم التشكيل. مع اننا  نقر  لها  بأنها  حاولت  بشكل جاد أن ترتقي بذاتها الى  منابع التشكيل العراقي كحاجة ذاتية. وكأنها تستعير  خلود كلكامش أو تعبيرية الكتابة المسمارية ومسلات سومر  وبابل  كي تقول ها أنا ذا فنانة عراقية  خالصة، اين ما  اعيش اعبّر عن ذاتي   وتراثي كي اكون المتفردة والمؤثرة في عالم وجودي.



اضف تعليقك

شروط نشر التعليقات والتعقيبات في "المدى"

تود "المدى" أن تعلن لقرائها وزوار موقعها الالكتروني الكرام بان تعليقاتهم وتعقيباتهم على ما ينشر فيها يخضع لذات القواعد التي تحكم عملية النشر في الصحيفة الورقية والمتقيدة باخلاقيات الصحافة المتعارف عليها دولياً، وتؤكد انها لن تنشر ما يتعارض مع هذه القواعد وفقاً للآتي:

1 - يلتزم القراء وزوار الموقع الالكتروني بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وبعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب وهيئات الدولة والهيئات الاجتماعية وسائر الناس، بكلام جارح ونابِ ومشين ويحتوي على معلومات غير مؤكدة، ويلتزمون أيضاً بعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء.
2 – يحق لإدارة تحرير المدى ان تنقّح تعليق القارئ او الزائر بما يتناسب مع اللياقات الموصوفة اعلاه، وإطلاق الحوار البنّاء، مع الحفاظ على مضمون التعليق، أو أن تحجبه إذا كان غير مناسب أو متعارضاً مع قواعد النشر.
3 – تنطبق هذه الشروط على ما ينشر في الملاحق وسائر مواقع وإصدارات مؤسسة المدى
4 - لا تتحمل مؤسسة المدى أي مسؤولية مادية أو معنوية حيال صاحب التعليق.
الاسم:  
البريد الالكتروني:    
التفاصيل:  
رمز التحقق:
جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة المدى للاعلام والثقافة والفنون