تحقيقات
2017/08/16 (00:01 مساء)   -   عدد القراءات: 2541   -   العدد(3997)
حين يصير المكان رأساً يحوي الذاكرة وقلباً يجعل التواريخ تنبض ..... السوق الكبير فـي قضاء الحي
حين يصير المكان رأساً يحوي الذاكرة وقلباً يجعل التواريخ تنبض ..... السوق الكبير فـي قضاء الحي


 كتابة / حميد الزاملي

البلدان في مدنها والمدن في أسواقها، والأسواق في تواريخها والتواريخ في رجالاتها والرجالات في أفعالها، والسوق الكبير في قضاء الحي 45 كلم جنوب مدينة الكوت مركز محافظة واسط، يجسد ماذكر بكل صدق.  الآن في هذه اللحظة يمكنني أن أرفع القبعة لذاك الملك السومري الذي يدعى "انتي مينا" والذي شق نهر الغراف بموقعه الحالي، وبالتالي قامت على كتفيه الأيسر والأيمن البلدات والمدن والأسواق والحضارات، وما مدينة الحي وسوقها الأزلي إلا المثال الكبير لعظمة "انتي مينا" وخلوده المرسوم في كل زوايا المدينة وسوقها الذي يخبىء الأسرار والتفاصيل، صار لكل واحد من اهالي المدينة الغافية دوماً على اكتاف نهر الغراف قصة ما مع ذلك السوق الكبير الذي جايل المدينة الملتحفة بالبساتين من كل صوب، ربما كان "انتي مينا" يعي أن هذا المكان بالذات سيحفظ له الذكرى والبقاء والأواصر الحميمية التي يرعاها هذا السوق الى أبعد الدهور.


كبار مرّوا بسوق الحي وارتشفوا
 عاشت في سوق مدينة الحي منذ "انتي مينا" وحتى الآن اجيال متعدده تاركة آثارها في مسقفاته التي لاتزال كما هي تحتفظ بكل التفاصيل رغم متغيرات الزمن وتعاقب الدهور الحزينة. وانت تسير في السوق الكبير لمدينة الحي يمكنك أن تتحسس خطوات العلماء والكتاب والمشايخ والشعراء والساسة والثوار والجند والمخبرين، ويمكنك أن تتجاذب اطراف الحديث مع من تشاء من اصحاب الدكاكين والباعة، وتصبح على الفور صديقاً كريماً لهم يتمسكون في صداقتك الى الأبد.  مر بالقرب منه الملك فيصل الثاني والوصي عبد الاله والرئيس عبد السلام عارف، وسار فيه الوردي والجواهري ومظفر النواب اثناء تخفيه الدائم من السلطة، وكذلك  مشى على أرضيته حضيري ابو عزيز وداخل حسن وياس خضر وحسين نعمة ورضا الخياط. تجول في أروقته الكثير من المهتمين بالسجاد الحياوي الشهير والسروج وأغطية الأسلحة المتنوعة وأدوات الزراعة التقليدية مثل المرواح والمناجل والمساحي، يشعرك هذا السوق بالسحر والعفوية، وتشم من حناياه طيبة أهله التي يصاحبها الغناء الريفي الذي تخلد باسم المدينة إلى الأبد، ولاتزال أصداء الطور الحياوي تتهادى فيه بكل رشاقة وجمال، فيه تجد "مابين مقهى ومقهى تجد مقهى" مثلما قال أحد زوّاره عندما وصف مدينة الحي وسوقها الكبير، لك أن تفكر أو ربما تقودك الخطوات الى عمق السوق بحثاً عن الزوايا التي كان يرتادها شمران الياسري، لا أدري في أي مكان ستجد أشياء الراحل شمران الياسري المدمن على العشق وحب الناس والكتابة الساخرة الداعية للثورة والخلاص من القهر والاستبداد، نعم  هكذا هو سوق  الحي الكبير، تعايش فيه الجميع منذ عشرات السنين بدون استثناء أو ازعاج، تغيرت أزمنة وأنهارت أنظمة، لكنه كما هو يضطجع فوق الذكريات وخطوات الماشين إلى حيث لايعلم، يتنفس من خلال أوردته التي تجيء بالأنفاس الندية من نهر الغراف الذي يحاذيه من البداية إلى النهاية، وكأن الأسواق الفرعية التي تصله بنهر الغراف بشكل عمودي منذ نشوئه وحتى الآن، هي الحافظة لديمومته والماسكة بنصل الروح الأبدية مع النهر، لايمكن لمن يزور مدينة الحي، أن تكتمل زيارته إلا بعد أن يمر في ذلك السوق الذي يتفاخر بصموده وإبوته الأزلية لأبناء المدينة وضواحيها. عندما تدخل فيه ترى كل الأشياء، ترى القديم والجديد، الشباب والكهول، الرجال والنساء. ترى عفوية الاطفال ومرحهم وهم يعودون من المدارس يتراكضون بكل فرح وسعادة.

الثوار وتظاهرات قوة اليسار
 استخدمه الناس لكل شيء، البيع والشراء والمواعيد وتجمع الوجهاء والشعراء والأدباء والمراثي والتظاهرات وتشييع الجنائز. حتى الذين يولدون حديثاً وبعد بلوغهم اربعينية الحياة الأولى تأخذهم الجدّات أو العمات إليه لكي يرسمن لهم مروراً قبل الآوان أو ربما يجعلن لهم معرفة دائمة مع صديقهم الأول والأخير، أو ليعطرن أطفالهن من روائح باقات الزهور المعروضة للبيع في دكاكينه العتيقة.  الهاربون من السلطة  استخدموا السوق للتخفي، كذلك شغله الكثير ممن أعيتهم متاعب الحياة الذين ما برحوا يفترشون الأرض على أمل فرصة عمل تأتي في اية لحظة، تسلل الى جنباته أهل السياسة وتاهوا بين الوجوه والاكتاف وذابوا مع الريح وهم ينسلون خلسة من المخبرين الذين يتعقبون حتى الدخان المارق في الأنوف . اتخذه الجند والشرطة طريقاً مرصوفاً بالخوف والنظرات المزدحمة بالوطن من كل الاتجاهات . كان درباً للأحياء والأموات معاً، فلا يمكن لأي جنازة من اهالي المدينة أن تدفن إلا بعد المرور فيه لكي تشيّع محفوفة بالأيادي والتكبيرات .  استخدمته (قوة السيار) كما تسمّى آنذاك عام 1956 طريقاً مختصراً لإنهاء التظاهرة الكبرى والتي قام بها اهالي مدينة الحي إبان العدوان الثلاثي على مصر، آنذاك تطور الموضوع وجرت مواجهات دامية سقط فيها العديد من الجرحى والشهداء، وعلى إثر ذلك تم اعدام اثنين من ابناء مدينة الحي في منتصف السوق تقريباً.  في ذروة السوق التي تختلط معها الانفاس وعرق العمل وذكريات الثوار، لايمكنك السير بداخله بحرية مطلقاً فالتحيات والنظرات والابتسامات وأصوات الباعة والنكت والألقاب تختلط بمتعة متناهية تعيدك الى سالف الأعمار التي تركت عبقها يضوع من كل شيء يصادفك .

ما هي الأيام التي يغلق
 فيها السوق
 استخدمه أهالي مدينة الحي أيضاً لإقامة الشعائر الدينية والمهرجانات الشعرية، وفض النزاعات العشائرية واصلاح ذات البين. في بداية السوق تشاهد باعة الخضر والفواكه يتسابقون في الترويج لسلعهم وبكل الوسائل، ومن خلفهم مباشرة باعة الأسماك واللحوم بكل الاصناف، سألت بائع الخضر علي رشيد 56 سنة عن سنواته التي قضاها في السوق، فقال مبتسماً منذ طفولتي وانا في السوق، كنت ارافق والدي الذي كان يعمل بنفس العمل وبعد وفاته اصبحت أدير الأمور، وبالتالي لم افارق السوق أبداً، لقد صار السوق جزءاً مهماً من حياتي وكل تفاصيلي. عند الوصول امام باعة الملابس الرجالية (الدشاديش) على وجه الخصوص  تجد ابا شاكر60 سنة واقفاً يحدق بالمارة وما أن يتوقف أحدهم بالقرب منه حتى يأتيه بقدح الماء المصحوب باستكان الشاي، يقول ابو شاكر مبتسماً: هذا السوق الذي تراه يختلف عن اسواق العالم (قال ذلك بكل ثقة واصرار) انه يغلق ثلاث مرات في السنة، نعم يغلق في عيد رمضان وعيد الأضحى والعاشر من محرم الحرام، هذا يعني أنني ابتعد عنه ثلاثة ايام في السنة فقط، ومنذ خمسين عاماً وأنا في السوق من الصباح الى المساء .  أما بائع الأقمشة رعد التميمي 50 سنة، فقال، لكل واحد من اصحاب الدكاكين الذين تراهم على طول السوق قصة مميزة. فمنهم من تعرف على مهنته عن طريق الصدفة ومنهم من ورث كل شيء من الآباء ومنهم من تزوج بسبب السوق ومنهم من صار غنياً يحسب له ألف حساب، انه بركة للجميع، فيه آمالنا تحققت والتي ننتظر أن تصل حلاوتها لأولادنا أيضاً. أما رشيد الموسوي 45 سنة، صاحب محل لبيع الملابس النسائية فقد آثر أن يقوم بتقديم الضيافة لنا من شربت حسان المعروف لدى اهالي المدينة صغاراً وكباراً على الرغم من انتقال حسان الى الآخرة منذ عدّة سنوات، وتحولت ادارة محله الى أولاده الذين لم يغيروا من طريقة عمل شربت الزبيب رغم المتغيرات التقنية ودخول مختلف العصائر والمشروبات الغازية الى السوق، نكهة شربت حسان لدى اهالي مدينة الحي لها طعم آخر، وكأن ذلك الشربت يستمد نكهته اللذيذة من السوق أو ربما كان السوق يختط لمريديه دروباً من البقاء والشهرة كخلوده وإصراره على الاستمرار .

سجادة حياوية تتصدر معرض لايبزك الدولي
 استرسلت بالمسير الى عمق السوق وكأنني اقرأ كتاباً أو استمع لأجمل قصيدة شعرية من اشعار اهالي مدينة الحي التي تنافس جودتها وحلاوتها رائحة العباءة المميزة التي تُحاك في السوق وبمختلف النوعيات والاسعار والالوان  .توقفت أمام سجادة معروضة بشكل جميل أمام أحد محال باعة السجاد الذي يجاور محال الصاغة، لم تكن صدفة هذه الجيرة ولكن للسجاد في سوق مدينة الحي أهمية كما اهمية الذهب والمعادن الثمينة الأخرى، صباح عبود 45 سنة، تاجر سجاد قال: لا تندهش فقد فاز السجاد الحياوي بالمرتبة الأولى في معرض لايبزك الدولي، وأضاف عبود 51 سنة : السوق الذي تراه لايمكن أن يبدأ يومه والسجاد ليس فيه، لذلك أصبحنا نحن والسجاد والسوق ذاكرة يومية نختزن فيها كل الأشياء مهما كانت. لا أدري ماذا اعتراني وأنا أصل الى سوق الحدادين (الحداحدة) كما يطلق عليه اهالي المدينة، كان المنظر ملفتاً أمام دكان باسم الحداد، أكوام من الحديد، فرن النار، الادوات التي يستخدمها، باسم الذي يعرف كل شيء يخطر على البال، خلطة عجيبة من الفن والابداع والصبر والابتكار عند الحداد باسم، متفوق في الرياضة والخط والشعر وألعاب الدومينو والطاولة وورق اللعب، لم يخسر بأي لعبة من تلك الألعاب قط، حتى صار يدعى "باسم الخبيث" حين توّج بطلاً للمدينة بكرة المنضدة، كأنني أرى وجوهاً راحلة نحو السماء وأخرى تقترب بكل عنفوان تكاد تلامس كبد الأشياء بكل مافيها من تنوع واختلاف، ربما تكون الذكريات والأحزان والصور والخطوات المتتالية بكل رشاقة وجمال قد استمدت من السوق الكبير كما يسميه أهالي مدينة الحي سر بقائها واستمراريتها رغم كل شيء لتعج في الذاكرة الى الأبد .  لملمت أوراقي ولم استطع استنشاق ذرات العطر المنبعثة مع ذاكرتي كما يجب، عدت أردد اسماء المحال القديمة في سوق الحي "دكان فضيلة، دكان بيت كردس، دكان السادة اهل الدبس، دكان شهيد الخياط، قهوة حمص، سوق النجاجير، محال بيت كبيش، دكان حجي يابر، دكان اسيود، دكان بيت بادي، دكان ابو العكل، صياغة بيت كزار، دكان سويلم ابو البطيخ، توقفت في الطولة مكان إعدام الشيوعي عطا والشيوعي علي بعد إلقاء القبض عليهما عام 1956، راجعت تلك التفاصيل واستعدت بعضها أكثر من مرة وانتابتني مشاعر لا أعرف ماهي وأنا اتناول الشاي في قهوة فايق المقابلة لمطعم كباب حجي كريم كما يُطلق عليه،  صرت أحمل كلماتي ومشاهداتي كأنني ربيع حزين يغادر بلا وداع .



اضف تعليقك

شروط نشر التعليقات والتعقيبات في "المدى"

تود "المدى" أن تعلن لقرائها وزوار موقعها الالكتروني الكرام بان تعليقاتهم وتعقيباتهم على ما ينشر فيها يخضع لذات القواعد التي تحكم عملية النشر في الصحيفة الورقية والمتقيدة باخلاقيات الصحافة المتعارف عليها دولياً، وتؤكد انها لن تنشر ما يتعارض مع هذه القواعد وفقاً للآتي:

1 - يلتزم القراء وزوار الموقع الالكتروني بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وبعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب وهيئات الدولة والهيئات الاجتماعية وسائر الناس، بكلام جارح ونابِ ومشين ويحتوي على معلومات غير مؤكدة، ويلتزمون أيضاً بعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء.
2 – يحق لإدارة تحرير المدى ان تنقّح تعليق القارئ او الزائر بما يتناسب مع اللياقات الموصوفة اعلاه، وإطلاق الحوار البنّاء، مع الحفاظ على مضمون التعليق، أو أن تحجبه إذا كان غير مناسب أو متعارضاً مع قواعد النشر.
3 – تنطبق هذه الشروط على ما ينشر في الملاحق وسائر مواقع وإصدارات مؤسسة المدى
4 - لا تتحمل مؤسسة المدى أي مسؤولية مادية أو معنوية حيال صاحب التعليق.
الاسم:  
البريد الالكتروني:    
التفاصيل:  
رمز التحقق:
جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة المدى للاعلام والثقافة والفنون