المزيد...
آراء وافكار
2017/08/27 (00:01 مساء)   -   عدد القراءات: 1231   -   العدد(4006)
الجيل الرابع من الحركات الجهادية السلفية وستراتيجية المحطات الثلاث| (1-2) |


 حسين جاسم الخزاعي

حتى قبل انطلاقه رسميا في نيسان 2013، إمتاز تنظيم داعش بوضع آلية منظمة لالتحاق المجندين الى "أرض التمكين"، وحدد المحطات التي يجب ان يمر بها المجند المهاجر عبر عدة مناطق وصولا الى العراق وسوريا، مستغلاً التوظيف الدولي لوجوده، والتسهيلات الفائقة التي قدمتها دول داعمة عبر السنوات الماضية. وتقوم هذه الستراتيجية الهادفة الى انتقال عناصر داعش من "أرض الردة" كما يسميها التنظيم، الى "أرض التمكين"، في العراق وسوريا، عبر محطات ثلاث، هي على التوالي:
1- محطة الاستقبال: وهي البلد الوسيط الذي ينتقل اليه المجند تمهيدا لدخوله العراق أو سوريا، وهذا البلد بحكم الموقع الجغرافي والارتباط الحدودي والأدلة التي توافرت خلال السنوات الماضية لجهاز المخابرات العراقي، وتأكيدات الادارة الاميركية في أوقات متعددة والصور الجوية التي وثقتها المخابرات الروسية، هي تركيا. حيث قام تنظيم داعش باستقبال عناصره ومريديه في الاراضي التركية لنقلهم الى المحطة الثانية (سوريا)، وقد بقيت قضية توظيف تركيا لداعش في محاولتها لتغيير النظام في سوريا، مستمرة بالوتيرة ذاتها قبل أن تتراجع منذ مطلع عام 2016. فقد مثلت تركيا أهم محطة لوجيستية لداعش لتصريف المسروقات والثروات (النفط، الآثار، المصانع المفككة)، وكذلك علاج جرحى داعش، واستقرار عوائلهم، واستيراد الغذاء وباقي المصالح الحيوية اللوجيستية لإدامة عمل التنظيم.
2- محطة الاعداد والتأهيل: مثلت سوريا المعسكر الذي يتم فيه تدريب مقاتلي داعش القادمين من شتى بلدان العالم عبر تركيا، وتأهيلهم الى المرحلة اللاحقة وهي التنفيذ المباشر، وتركزت أهم المعسكرات والمكاتب الخاصة بالتدريب والتأهيل في مدينة الرقة السورية.، والتي كانت المعقل الأهم لداعش في سوريا
3- محطة التنفيذ أو القتال المباشر: وهذه المحطة تمثلت في العراق، حيث نجح داعش في تأسيس "أرض تمكين" واسعة كانت محور وجوده وعاصمة دولته المفترضة.
وقياسا على الاحداث التي شهدتها المنطقة خلال الاعوام الماضية، فقد نجحت ستراتيجية المحطات الثلاث بشكل كبير في جذب الجهاديين من عشرات البلدان الى ما يسمى بارض الخلافة، لكن هذه المحطات اهتزت بشكل كبير منذ مطلع عام 2016، ومن الممكن تأشير الاسباب المباشرة لنهاية ستراتيجية المحطات الثلاث في المنطقة، بالنقاط التالية:
أ‌- على مستوى المحطة الاولى (تركيا):
مثل تغير السياسة التركية تجاه داعش ضمن التغيرات التي شهدتها المنطقة بدخول روسيا كلاعب أساس في الحرب السورية، وملئها الفراغ الذي خلفته سياسة الرئيس باراك اوباما المترددة في هذه الحرب، التأثير الاكبر على محطة الاستقبال والدعم اللوجستي لتنظيم داعش، حيث اتخذت السلطات التركية اجراءات صارمة عكسية من خلال حملات الاعتقال المنظمة ضد عناصر داعش المتواجدين في الاراضي التركية، ومراقبة المنافذ الجوية والبحرية والبرية التركية وتدقيق القادمين من أوروبا وباقي دول العالم والتعاون في مجال تسليم المطلوبين واعادتهم الى بلدانهم، مما منع بشكل لافت عملية انتقال مقاتلي داعش من والى تركيا، وبذلك قل عدد المهاجرين من دول العالم باتجاه ارض الخلافة. فضلا عن قيام الجيش التركي بمهاجمة المدن المحتلة من قبل داعش في العمق السوري كمدينة (جرابلس) و(الباب) ومساعدة الفصائل الاخرى المقاتلة لداعش (كالجيش الحر) .
ب‌- على مستوى المحطة الثانية (سوريا) .
كان التدخل الروسي مِفصلا مهما في تغيير مسار الحرب داخل سوريا، وسببا رئيسا في تراجع دور سوريا كمحطة تدريب وتأهيل لعناصر داعش، خصوصا مع تركيز روسيا على  استهداف اهم مقرات القيادة والسيطرة لداعش، وكذلك قصف آبار النفط وباقي مصادر التمويل الضخمة التي كان يسيطر عليها التنظيم، والجهد الاستخباري الكبير الذي قدمته روسيا للحكومة السورية، فضلا عن تقدم الجيش السوري في معظم الاراضي السورية على حساب داعش، والاتفاقات التي عقدتها الحكومة السورية مع بقية الفصائل على اخلاء المدن مقابل الخروج الى مناطق اخرى يتم الاتفاق عليها. ومشاركة القوات الساندة للجيش السوري في قتال داعش، كحزب الله والمستشارين الايرانيين والقصف الجوي للتحالف الدولي لكثير من حواضن تنظيم داعش، وقتل كبار قادة تنظيم داعش، وما تسبب فيه من تخلخل كبير في هيكل الادارة التي يقوم عليها التنظيم.
ج- على مستوى المحطة الثالثة (العراق) .
تضافرت جملة من الأسباب المؤثرة التي أدت بمجملها الى ضعف ومن ثم هزيمة داعش في العراق، وخروج العراق من نطاق "أرض التمكين" الداعشية، من أبرزها إعادة تنظيم الجيش العراقي وزيادة كفاءة مؤسساته المتخصصة بمكافحة الارهاب. وظهور الحشد الشعبي العراقي كقوة عقائدية قادرة على مواجهة داعش بشراسة، مستندة على فتوى الجهاد الكفائي التي اصدرتها المرجعية الدينية في النجف، والاسناد المقدم من قبل التحالف الدولي على مستوى التسليح والتدريب والقصف الجوي وتزويد العراق بطائرات (F-16)، فضلا عن مشاركة المواطنين والقوى السنية النافذة على الأرض في محاربة داعش وتقديم المعلومات الدقيقة عن تواجد ونوايا داعش وتشخيص قياداته، وايضا، واحتراق ورقة داعش ضمن الصراعات السياسية في الداخل العراقي.
قابلية استنساخ الجيل الرابع لستراتيجية المحطات الثلاث
من الواضح أن ظهور الجيل الرابع لداعش كوريث للجيل الثالث الذي خسر أو يكاد، أرض التمكين التي صنعها خلال الاعوام الماضية، لا يعني بالضرورة انسلاخه بشكل كامل عن تجربة الحركات السلفية الجهادية. فهو في النهاية تنظيم سلفي يحذو حذو سلفه في الادبيات والطرق والأساليب والغايات والاهداف ويسعى الى تطويرها بما يتناسب مع مرحلته ويخدم اهدافه. ولهذا سيسعى بكل طاقته الى ايجاد "أرض تمكين جديدة" لاقامة دولته المفترضة عليها، وهي غاية الحلم الذي يسعى اليه.
من هنا فان من المرجح أن يعمد الجيل الرابع الى اعادة تطبيق ستراتيجية المحطات الثلاث خلال المرحلة المقبلة للانتقال الى "أرض التمكين الجديدة"، على الرغم من أن هذا لا يعني نهاية تجربة الحركات الجهادية في المشرق العربي، بل تحوله من شكل المواجهات العسكرية الثابتة والسيطرة على الأراضي وبسط النفوذ التي اتبعها الجيل الثالث (داعش)، الى أسلوب الجيل االثاني (قاعدة الزرقاوي)، وهو إحداث الخروقات الامنية كتفجير السيارات



اضف تعليقك

شروط نشر التعليقات والتعقيبات في "المدى"

تود "المدى" أن تعلن لقرائها وزوار موقعها الالكتروني الكرام بان تعليقاتهم وتعقيباتهم على ما ينشر فيها يخضع لذات القواعد التي تحكم عملية النشر في الصحيفة الورقية والمتقيدة باخلاقيات الصحافة المتعارف عليها دولياً، وتؤكد انها لن تنشر ما يتعارض مع هذه القواعد وفقاً للآتي:

1 - يلتزم القراء وزوار الموقع الالكتروني بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وبعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب وهيئات الدولة والهيئات الاجتماعية وسائر الناس، بكلام جارح ونابِ ومشين ويحتوي على معلومات غير مؤكدة، ويلتزمون أيضاً بعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء.
2 – يحق لإدارة تحرير المدى ان تنقّح تعليق القارئ او الزائر بما يتناسب مع اللياقات الموصوفة اعلاه، وإطلاق الحوار البنّاء، مع الحفاظ على مضمون التعليق، أو أن تحجبه إذا كان غير مناسب أو متعارضاً مع قواعد النشر.
3 – تنطبق هذه الشروط على ما ينشر في الملاحق وسائر مواقع وإصدارات مؤسسة المدى
4 - لا تتحمل مؤسسة المدى أي مسؤولية مادية أو معنوية حيال صاحب التعليق.
الاسم:  
البريد الالكتروني:    
التفاصيل:  
رمز التحقق:
جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة المدى للاعلام والثقافة والفنون