آراء وافكار
2017/08/27 (00:01 مساء)   -   عدد القراءات: 1784   -   العدد(4006)
العراق مدني
العراق مدني


 د. لاهاي عبد الحسين

 

يحتدم النقاش بالعراق في أحايين كثيرة حول طبيعة المجتمع العراقي ما إذا كانت دينية أم مدنيّة، علمانية أم حضرية، عشائرية أم مذهبية، إلخ. وهذه توصيفات تنطبق بهذه الدرجة أو تلك عليها. ولكننا نركز هنا على أول توصيفين أريد لهما أنْ يشيعا على نطاق واسع هذه الأيام: ديني أم مدني! يلاحظ أنّه غالباً ما تطلق التسمية حسب هوى المتكلم ليكون العراق دينياً إذا كان المتكلم دينياً أو هكذا يعتقد، أو يكون العراق مدنيّاً إذا إعتقد المتكلم أنّه كذلك. ويعود الإهتمام بطبيعة المجتمع العراقي إلى دراسات الدكتور علي الوردي الرائدة مطلع خمسينيات القرن الماضي والتي خلص فيها إلى أنّ العراق موسوم بما أسماه "إزدواجية الشخصية" على أسس اجتماعية نجمت عن تأثره بنوعين متناقضين من أنواع القيم الاجتماعية، البدوية والحضرية. ولكننا اليوم نواجه بتغيرات كثيرة وظواهر مستجدة وسلوكيات - لم يسبق أنْ عبّر عنها العراقيون - تأثر بعضها بالمد الديني وتأثر بعضها الآخر بالمد المدني ذي التوجهات العلمانية والدنيوية الواقعية والمادية الملموسة. كلاهما، المد الديني والمد المدني جاءا نتيجة ضغوط ومتطلبات الحياة السياسية والاجتماعية الحديثة في عالمنا المعاصر بكل ما إكتنفها من خصومات وخلافات وتقاطعات هي أقرب إلى التطورات الطبيعية منها إلى الطفرات الشاذة وغير المألوفة. ومع إفتراض وضوح المعنى الذي تنطوي عليه مفردتي "ديني" و"مدني"، الا أنّه لا بدّ من مراجعة سريعة هنا. يعنى بالديني العودة إلى مرجعية إلهية تملك القدرة على تقديم الأجوبة الكاملة والنهائية والمطلقة بشأن أي قضية من القضايا موضوع البحث. ويأتمر المدني بمرجعية عملية وواقعية دنيوية يحددها القانون والدولة من حيث الأساس وما يترتب على ذلك من حيث نمط ومستوى أداء مؤسساتها التنفيذية والتشريعية والقضائية التي تخضع لآليات الإحتمال والنسبية والمحدودية الزمانية – المكانية. في ضوء هذه المعاني المألوفة على وجه العموم دعونا نتأمل في مواقف العراقيين وتوجهاتهم الفكرية العامة من خلال نتائج دراسة اجتماعية ميدانية قمت بها ونشرت الجزء الرئيس منها في مجلة "شؤون اجتماعية" العلمية المحكمة الصادرة في دولة الإمارات العربية المتحدة، العدد 133، عام 2017. إستهدفت الدراسة البحث في صلة الإختلافات الثقافية بمدى القدرة على إحترام وحماية حقوق الإنسان في العراق. كان لا بد والحالة هذه من التطرق إلى التوجهات العامة الأساسية للمجتمع العراقي ذات الصلة بطبيعته والتي تقدم أجوبة أولية فيما يتعلق بالجدل المحتدم بشأن دينيته أو مدنيّته وبالدليل الإحصائي الذي لا سبيل إلى دحضه إلا بمثله.
بدأنا بالسؤال عما يحمله العراقيون من تصور عن "الدول" التي تهتم حقيقة بحقوق الإنسان، بحسب ثقافتهم وتصوراتهم الشخصية الذاتية والمباشرة. في هذا المجال، صوت ما يزيد على 90% من المبحوثين المشمولين في هذه الدراسة التي ضمت عينات مختارة سحبت من أربع محافظات عراقية هي بغداد وبابل وديالى وواسط، عمر 20 – 60 سنة، على إعتبار بريطانيا وفرنسا ومن ثم السويد والنرويج فالولايات المتحدة الأميركية بإعتبارها من الدول التي تتقدم على غيرها من حيث درجة الإهتمام بحقوق الإنسان. وجاءت لبنان ومن ثم الأردن ومصر فسوريا والعراق، آخراً وبفارق كبير عن الدول الأوروبية والأميركية المذكورة. لم يصوت هؤلاء الأشخاص على الدول المعنية بحسب مرجعياتها الدينية المختلفة، بوضوح، أو بحسب نظمها الاقتصادية والسياسية المتنوعة والمختلفة أيضاً وإنّما صوتوا بحسب معارفهم ومداركهم لمدى أهلية هذه الدول لرعاية وحماية وإحترام حقوق الإنسان فيها تجاه مواطنيها، وليس غير. ولعل في هذا مؤشر قوي على مدنيّة المجتمع العراقي وليس دينيته من حيث أنّ الدول المشار إليها مدنيّة، بجلاء. وعندما سئلوا عن "مصدر الحقوق في الحياة والعالم" في محاولة لتعقب مرجعياتهم الفكرية والفلسفية وضع هؤلاء المبحوثون "القانون والحكومة" أولاً وثانياً وجاء "الدين" ثالثاً مما يشير بوضوح إلى توجهاتهم المدنيّة، بالتأكيد. فهم لم يقدموا "الدين"، كما يفترض دعاة دينية المجتمع العراقي بل قدموا "القانون والحكومة". وفي معرض السؤال عن الحقوق الأهم بالنسبة إلى الإنسان عموماً – برأيهم - تقدمت الرغبة في "المساواة أمام القانون" فـ "العيش الكريم" على "الحق في الإعتقاد الديني". وفي هذا تأكيد مهم آخر على مدنيّة المجتمع العراقي وليس دينيته التي تثبت بالتصريح على إستمارة الإستبيان المصممة علمياً وبعيداً عن التظاهر أمام الناس وتحت ضغط منهم أنّهم إلى المدنيّة وليس الدينية، أقرب. وفي السؤال عن أهم الحقوق التي يرون أنّها الأهم بالنسبة إليهم كأفراد وبحسب منظورهم الشخصي وضعوا "الأمان" أولاً، ثم جاءت "الحرية والكرامة" فـ"العيش الرغيد"، تالياً. وقد يستدل من هذا على أنّ هؤلاء المبحوثين ممن يأتون من محافظات متنوعة من حيث الخلفيات المذهبية والعشائرية لا يرون في الدين هاجساً ربما لكونه مضمون ولا قلق عليه الا إنّ المشكلة تظهر بالنسبة إليهم في توفير مستلزمات الحياة اليومية والواقعية والتي تستحوذ على اهتمامهم الرئيس كونهم طلاب حياة، من حيث الأساس، والحياة تتطلب خدمات وإحتياجات من الضروري توفيرها.
من جانب آخر، أظهر هؤلاء المبحوثون مواقف متحفظة على عدد من القضايا التي يمكن أنْ تُرد إلى الأعراف والتقاليد الاجتماعية السائدة أكثر منها بسبب المواقف الدينية والعقائدية الثابتة التي يتسمون بها. على سبيل المثال، أظهر هؤلاء أنّهم منحازون جندرياً لصالح الأولاد على حساب البنات وإنْ لم يكن ذلك بفوارق كبيرة من حيث مقدار ممارسة الضغوط لضبط السلوك والإلتزام بسقف المقاييس الأخلاقية والأدبية المقبولة. كما أقروا بأنّ للإختلافات الفسيولوجية بين الذكور والإناث دور مهم في ممارسة مثل هذه الضغوط. وأظهروا رغبة في الضغط على البنات لإرتداء الحجاب ودعم هيمنة كبار السن في العائلة وعدم تخطي حدودهم. وإهتموا بخصوصية العائلة والنفرة من تدخل الخارجين عنها بما في ذلك الجهات الرسمية مثل مراكز الشرطة والشرطة المجتمعية أو المحاكم ومنظمات المجتمع المدني على إختلافها إحتراماً لوحدة العائلة ورغبة في المحافظة على تماسكها وعلى إفتراض أنّها قادرة على حل مشاكلها بآلياتها الذاتية. كما أظهروا ميلاً واضحاً لإحترام سلطة الحكومة وعدم التجاوز على شخص "الرئيس" فيها. إلا إنّهم من جانب آخر، عبروا عن التمرد بنسبة تزيد على 50% على بعض الثوابت الاجتماعية التي تسمح بتزويج الفتيات وفقاً لمنظومة الإعتقادات والأعراف الاجتماعية والدينية السائدة. ورفضوا بنسبة 70% فكرة إجبار الأولاد والبنات على الزواج مؤكدين ضرورة إحترام رغباتهم وأهواءهم الذاتية المهمة على هذا الصعيد. وفي الوقت الذي أظهر فيه المبحوثون الميل لعدم التجاوز على شخص "الرئيس" كرمز للسلطة وهيبة البلاد إلا أنّهم دعموا وبقوة فكرة التظاهر والإحتجاج للمطالبة بالخدمات وفرص العمل وتحسين مستوى الأداء الأمني. وتظهر التوجهات المدنيّة لهؤلاء الأشخاص في التعبير عن الخوف من التهديد بالإعتداء أو التصفية الجسدية الذي يحول بنظرهم دون التقدم لرفع الدعاوى القضائية ضد من تجاوز على حقوقهم وإنتهك فضاءاتهم. بل إنّ القلق الدائم من إحتمال إنتهاك حقوقهم كبشر بحد ذاته أصبح هاجساً شبه دائم لدى الكثير منهم. وتنتصب مواقف من هذا النوع على الضد من الشعور بالهدوء والدعة والسكينة التي يفترض أنْ يحظى بها الإنسان المتسم بموقف ديني أو يعيش في ظل أجواء دينية آمنة. وعليه، يمكن أنْ نختم بالقول إنّ وصف المجتمع العراقي بأنّه مجتمع مدني لا يأتي إعتباطاً وإنّما يستند إلى حقائق عبّر عنها هؤلاء المبحوثين بوضوح مما يستدعي مزيداً من الدراسات لتسليط الضوء على جوانب أخرى لا تقل أهمية. ليس في هذه النتائج ما يدل على دحض وتفنيد التوجه الديني وإنّما العكس. أنْ تكون مدنيّاً لا يعني بالضرورة أنْ تكون غير ديني وبخاصة إذا ما شعرت بالطمأنينة على حقك في ممارسة طقوسك الدينية وإحتفظت بمعتقداتك وأفكارك حراً بلا قيود. فالدين لا يمثل مشكلة في مجتمع يحترمه من حيث الجوهر كونه من المسلمات ولكنّ المشكلة تتبدى في تلبية متطلبات الحياة الدنيا بعدالة وإنصاف وهذا ما تعنيه المدنيّة، ببساطة وإختصار.

 



اضف تعليقك

شروط نشر التعليقات والتعقيبات في "المدى"

تود "المدى" أن تعلن لقرائها وزوار موقعها الالكتروني الكرام بان تعليقاتهم وتعقيباتهم على ما ينشر فيها يخضع لذات القواعد التي تحكم عملية النشر في الصحيفة الورقية والمتقيدة باخلاقيات الصحافة المتعارف عليها دولياً، وتؤكد انها لن تنشر ما يتعارض مع هذه القواعد وفقاً للآتي:

1 - يلتزم القراء وزوار الموقع الالكتروني بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وبعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب وهيئات الدولة والهيئات الاجتماعية وسائر الناس، بكلام جارح ونابِ ومشين ويحتوي على معلومات غير مؤكدة، ويلتزمون أيضاً بعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء.
2 – يحق لإدارة تحرير المدى ان تنقّح تعليق القارئ او الزائر بما يتناسب مع اللياقات الموصوفة اعلاه، وإطلاق الحوار البنّاء، مع الحفاظ على مضمون التعليق، أو أن تحجبه إذا كان غير مناسب أو متعارضاً مع قواعد النشر.
3 – تنطبق هذه الشروط على ما ينشر في الملاحق وسائر مواقع وإصدارات مؤسسة المدى
4 - لا تتحمل مؤسسة المدى أي مسؤولية مادية أو معنوية حيال صاحب التعليق.
الاسم:  
البريد الالكتروني:    
التفاصيل:  
رمز التحقق:
جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة المدى للاعلام والثقافة والفنون