المزيد...
آراء وافكار
2017/08/28 (00:01 مساء)   -   عدد القراءات: 1751   -   العدد(4007)
نهاية عصر النفط وبداية عصر الغاز
نهاية عصر النفط وبداية عصر الغاز


 عبد الحسين الهنين

 لم ينضب الفحم الحجري في كوكبنا بل انتهى عصر الفحم وتحوّل العالم الى عصر النفط بفعل التقدم التكنولوجي وعوامل الاقتصاد والبيئة وغيرها، وكذلك سوف لن نشهد نضوب النفط بل نشهد قريباً انتهاء عصر النفط والولوج في العصر الذهبي للغاز الذي سيعتبر جسراً زمنياً يتجاوز الخمسين عاماً ليدخل العالم عصر الطاقة المتجددة النظيفة الصديقة للبيئة.  
لذلك يعتقد الكثير من الأوساط الامريكية، أن الحرب في سوريا لم تكن سوى انعكاس لصراع اقتصادي حول السيادة في سوق الغاز الأوروبي تحديداً والعالمي بشكل عام بعدما تأكد أن اكبر الاحتياطات في الكوكب مستقرة في ثلاث دول هي، إيران وروسيا ثم قطر التي تشترك مع ايران بحقل بارس الممتد تحت مياه الخليج، حيث تتسابق كلتا الدولتين على استثمار أكبر كمية منه في منافسة ثنائية ودية مع روسيا، ويبدو أن محور الغاز الروسي - الإيراني قد حقّق مكاسب كبيرة خصوصاً بعد الأزمة الخليجية القطرية وانضمام قطر الى هذا المحور.
ولكي نفهم أهمية الموضوع في سوق الطاقة المرتبط بالسياسة، علينا أن ندرك أن ثلاث دول فقط تمتلك 43 % من احتياطي الغاز في العالم (تمتلك إيران وروسيا وقطر 80 ترليون متر مكعب  من إجمالي احتياطي الغاز الطبيعي في العالم البالغ 186.5 ترليون متر مكعب، بحسب بيانات شركة بريتش بيتروليوم BP) والذي يكفي لتزويد العالم بالطاقة لأكثر من خمسين عاماً على الأقل وبمعدلات تلوث قليلة جداً قياساً بالنفط والفحم الحجري.
قبل فترة بدأت قطر محادثات مع طهران لإيجاد حل وسط حول استغلال حقل غاز بارس الجنوبي المشترك، حيث اندفعت قطر بقوة لاستغلال الحقل من خلال مناقشات مع إيران حول شراكة جدية في تطوير هذا الحقل المشترك الذي يُعد الخزين الأكبر في العالم ويحتوي على 51 ترليون متر مكعب من الغاز، وفعلاً  توصلا إلى اتفاق بشأن مد خط  انابيب مشترك من إيران إلى البحر الأبيض المتوسط أو تركيا، سيحمل الغاز القطري إلى أوروبا. وما يسند خطوات قطر اعتراف بنك الشعب الصيني رسمياً بقطر كأول مركز في الشرق الأوسط لتصفية المعاملات بالعملة الصينية (يوان).
ولكل هذه الأسباب من المنتظر أن تدخل قطر عصر الغاز الذهبي بموارد هائلة وطرق انتاج متطورة تركز على تسييل الغاز الطبيعي، يقابلها في الجانب الإيراني عمل جاد وواعد في مجال الغاز، حيث  بدأت شركة توتال الفرنسية العملاقة بعقد كبير لإنتاج الغاز، تقدّر التكاليف الإجمالية للمرحلة الأولى من المشروع نحو ملياري دولار، بعد أن استمرت النقاشات لمدة 20 عاماً رغم أن الولايات المتحدة  لا تزال تفرض قيوداً تركز على منع  الشركات الأمريكية  والغربية من الاستثمار في إيران، ومازالت بعض الشركات الغربية مترددة في الاستثمار في إيران التي تواجه عقوبات تمنع الشركات من التعامل مع إيران بالدولار الأمريكي. وستمتلك "توتال" حصة قدرها 50.1 في المئة في مشروع حقل (جنوب بارس) الذي تسميه قطر "حقل الشمال"، وستمتلك CNPC  الصينية  30%، أما شركة بتروباس الإيرانية فستمتلك 19.9 في المئة.
يبدو أنه بداية عصر الغاز.. لكنْ أيّ غاز؟  
عادةً نتكلم عن الغاز الطبيعي المتوفر في حقول مستقلة وقريبة من سطح الأرض نسبياً، وهذا ما شمله كلامنا عن احتياطات الغاز المثبتة من قبل BP ، لكن المثير جداً أن هناك جانباً آخر نفذ إليه العلم في مجال كان بعيداً تماماً عن فكرة استثماره وهو (الغاز المائي) حيث توصلت اليابان بعد 12 سنة من البحوث والدراسات الى استخراج الغاز المائي من قاع البحر وهو حلم راود الباحثين اليابانيين في مجال الطاقة لعقود طويلة لأن هذا الأمر سيسهم في حل مشكلة الطاقة في العالم لمئات السنين بعد أن يصبح الانتاج على المستوى التجاري، وذلك لأن احتياطات الغاز المائي الموجودة في العالم هائلة لدرجة أنها أكبر من مجموع احتياطيات الفحم والنفط والغاز الطبيعي مجتمعةً، وتقدّر كمية الغاز الموجودة في المياه الإقليمية اليابانية بما يعادل استهلاك الغاز في اليابان لمئة سنة مقبلة، حيث تشكّل اليابان اكبر مستورد للغاز المُسال في العالم، وتتزايد حاجتها عاماً بعد آخر خصوصاً بعد حادثة مفاعلات فوكوشيما النووية، الأمر الذي دفع باليابان لتطوير هذا المصدر كي تكتفي ذاتياً من الغاز، ومن المرجّح أن يشكل التقدم الياباني في هذا المجال أكبر تهديد لصناعة الغاز في العالم، لأنه سيخفض اسعار الغاز بشكل كبير، فضلاً عن انه سيتكفل بإنهاء سطوة النفط على سوق الطاقة  تماماً،  النفط  الذي يتوقع أن تستغني اليابان عنه قريباً.  
ويتواجد الغاز المائي في ماء متجمد في أعماق البحار، كان قد توّلد نتيجة اتحاد الغاز والماء تحت ضغط وحرارة معينين، وينتشر بشكل واسع في قيعان البحار في طبقة صلبة تشبه الزجاج أو الجليد  التي تحتوي على كميات كبيرة من غاز الميثان الذي يتحرر من الماء على شكل فقاعات ضخمة متى ما تتغير عوامل  الضغط أو الحرارة أو كلاهما، وهذا بالضبط ما يفسر لنا ظاهرة (مثلث برمودا) التي تتحدث عن  الغرق المفاجئ لبعض السفن أو ابتلاع البحر إياها، سواء في مثلث برمودا أو غيره..
ويوجد الغاز المائي بكميات ضخمة في المحيطات في أعماق تتجاوز الـ 500 متر، ويتوافر تقريباً في كل مكان حول العالم، خصوصاً في المناطق القطبية نظراً لانخفاض درجة الحرارة،  وتتميز الطبقة التي تحتوي على الغاز باستجابة عالية للموجات الصوتية، الأمر الذي يساعد في عملية استكشافه بسهولة، ومن المتوقع أن يتقدم العلم بشكل يسمح باستخراج هذا النوع من الغاز مما يجعله  المصدر الأول للطاقة في العالم، وعندها سيتم اعلان انتهاء عصر النفط رسمياً، برغم المشاكل البيئية المتوقعة  والناتجة من عمليات استخراج الغاز المائي، فقد يؤدي الى تفكك الجليد، الأمر الذي قد يسبب خروج الميثان الذي هو أكثر الغازات المسببة للاحتباس الحراري، وهناك من يفسر أن الاحتباس الحراري الذي حدث في الأرض قبل آلاف السنين كان بسبب انبعاث غاز الميثان بكميات هائلة من قاع المحيطات والبحار، ومع ذلك فقد تعلمنا أن العلم في تقدم، وإن المشكلات التي تحدث اليوم، فقد يتم التغلب عليها  بعد سنين قصيرة، ولذلك يمكن القول بثقة، إن الغاز المائي سوف لن  يؤثر في أسواق الطاقة العالمية على المدى القصير فحسب، بل انه سيقلب التصورات عن سوق الطاقة ويعلن بداية عصر الغاز وانتهاء عصر النفط.
السؤال: أين نحن من ذلك؟ وهل يفكر القائمون على الشأن العام في العراق، بأن النفط سيصبح آجلاً أو عاجلاً شيئاً من التاريخ، وأنه لن يكون السلعة الأهم في سوق الطاقة، وإن بقاء اعتمادنا عليه سيضعنا أمام فكرة مرعبة  جداً، هي إفلاس دولتنا ثم انهيارها؟!

 



اضف تعليقك

شروط نشر التعليقات والتعقيبات في "المدى"

تود "المدى" أن تعلن لقرائها وزوار موقعها الالكتروني الكرام بان تعليقاتهم وتعقيباتهم على ما ينشر فيها يخضع لذات القواعد التي تحكم عملية النشر في الصحيفة الورقية والمتقيدة باخلاقيات الصحافة المتعارف عليها دولياً، وتؤكد انها لن تنشر ما يتعارض مع هذه القواعد وفقاً للآتي:

1 - يلتزم القراء وزوار الموقع الالكتروني بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وبعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب وهيئات الدولة والهيئات الاجتماعية وسائر الناس، بكلام جارح ونابِ ومشين ويحتوي على معلومات غير مؤكدة، ويلتزمون أيضاً بعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء.
2 – يحق لإدارة تحرير المدى ان تنقّح تعليق القارئ او الزائر بما يتناسب مع اللياقات الموصوفة اعلاه، وإطلاق الحوار البنّاء، مع الحفاظ على مضمون التعليق، أو أن تحجبه إذا كان غير مناسب أو متعارضاً مع قواعد النشر.
3 – تنطبق هذه الشروط على ما ينشر في الملاحق وسائر مواقع وإصدارات مؤسسة المدى
4 - لا تتحمل مؤسسة المدى أي مسؤولية مادية أو معنوية حيال صاحب التعليق.
الاسم:  
البريد الالكتروني:    
التفاصيل:  
رمز التحقق:
جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة المدى للاعلام والثقافة والفنون