آراء وافكار
2017/08/28 (00:01 مساء)   -   عدد القراءات: 1230   -   العدد(4007)
الجيل الرابع وستراتيجية المحطات الثلاث | (2-2) |


 حسين جاسم الخزاعي

ألقت مرحلة الربيع العربي بظلالها على مناطق واسعة في العالم العربي، معظمها في قارة افريقيا، مما تسبب في تخلخل أمني غير مسبوق في بعض البلدان العربية مثل مصر وليبيا وعدد من الدول المجاورة لهما، وبناءً على هذا، فإن الأوضاع في هذه البلدان قد ولدت بيئة خصبة لنمو وتطور تجربة جديدة للحركات الجهادية السلفية.
لهذا كله، من المرجّح أن تنتقل تجربة داعش في العراق وسوريا الى افريقيا، بكونها الأرض المؤهلة لمثل هذا التطور قياساً الى التحولات والفراغات الأمنية التي شهدتها خلال السنوات الست الماضية. فالأهمية الجيوسياسية لأفريقيا مغرية جداً بالنسبة للحركات السلفية الجهادية،  إذ أن موقع هذه القارة يشكل القلب من العالم، كما أن سواحله المتفرعة الاتجاهات والمواقع شرقاً وغرباً وجنوباً وشمالاً، قد لا تتوفر في قارة أخرى كما هو الحال عليه في افريقيا. كما أن قرب أفريقيا من العدو البعيد كأوروبا واسرائيل، والعدو القريب كالسعودية وحكومات الخليج العربي ومصر وتونس والجزائر والمغرب وغيرها، تمثل عاملاً مهماً في المقاسات الجهادية والرمزية، وطرق الاتصال عبر مناطق افريقيا، بالإضافة للحالة السياسية والاجتماعية غير المستقرة لمعظم شعوب هذه البلدان، مثل انتشار الفقر والجريمة المنظمة والمشاكل السياسية والتنويع الاثني والطائفي وغيرها من العوامل، وكلها تمثل بيئة خصبة للاستقطاب والكسب.
ويشير هذا المبحث الى مجموعة دول مرجحة لأن تكون جزءاً من المحطات الثلاث (الاستقبال، التدريب والتأهيل، التنفيذ)، فوفقاً للمعطيات الاستخبارية التي رشحت للأجهزة الأمنية والاستخبارية العراقية جنباً الى جنب مع الأجهزة الدولية الأخرى، هناك امكانية كبرى لتطبيق سيناريو الجيل الرابع لستراتيجية المحطات الثلاث وعلى الشكل التالي:
أولاً- محطة الاستقبال: والمرجح أن تكون السودان هي محطة الاستقبال المستقبلية للجيل الرابع، فالسودان كانت من اوائل الدول التي تعاطت مع تنظيم القاعدة من حيث الاستقبال والإيواء، كما كان عليه الأمر عام 1993 حين استقبلت أهم أقطاب تنظيم القاعدة، بضمنهم زعيم التنظيم أسامة بن لادن، وقد مارس قادة القاعدة كامل حريتهم حتى في التبادل التجاري والعمل الاستثماري داخل الأراضي السودانية، وقد دفعت السودان جراء هذه الضيافة ثمناً باهظاً تمثل في حصار اقتصادي تجاوز العقدين ومازال مستمراً حتى الآن، كما اتهمت السودان بأنها من الدول الراعية للإرهاب والتي تنتهج ممارسات لا إنسانية ضد الأقليات، وصدرت مذكرة قبض دولية بحق رئيس السودان عمر البشير. كما أن السودان دخل منذ نحو عقد ونصف العقد، في حالة عدم استقرار شاملة تضمنت انفصال الجزء الجنوبي منها وظهور حركات مسلحة متعددة أدخلت العديد من مدن البلاد في أزمات وحروب داخلية، مثل قضية دارفور وكوردفان وغيرها من المناطق التي لم تشهد استقراراً حتى اللحظة.
وتسببت كل هذه الأحداث في وجود  فراغ أمني واسع في حدود هذا البلد، سواء من ناحية الحدود مع اثيوبيا أو مع ليبيا، وفي الوقت الحاضر، تمثل السودان واحدة من أكبر خطوط تهريب البشر، حيث يتوافد وبشكل يومي عشرات المهاجرين من الصومال وارتيريا وجيبوتي واثيوبيا، متخذين من الحدود الليبية وجهةً لهم ليتم بعد ذلك تهريبهم الى اوروبا عبر البحر الأبيض المتوسط، في ظل غياب كامل للرقابة الأمنية وعدم الوقوف بوجه هذه الأفواج الزاحفة من المهاجرين الى أوروبا، وهي تجارة مربحة تدر الكثير من الأموال على المهربين وضباط الحدود الفاسدين في ذلك البلد.
ثانياً: التدريب والتأهيل: ومقوماتها الرئيسة متوافرة في ليبيا، إذ يشبه الوضع في ليبيا الوضع السوري الى حد بعيد، فعلى سبيل المثال، أصبحت ليبيا منذ عام 2011 من أكبر مخازن الأسلحة غير المسيطر عليها في العالم، وتحولت ثروتها النفطية الى ثروة مقسّمة بين قوى محلية نافذة تحكم ضمن حدود إدارية منفلتة وخاضعة لتأثيرات الفاعلين الدوليين في كل تحركاتها وصراعاتها الدخيلة. وبيئة مثل هذه، لا يمكن أن يتركها الجيل الرابع وراء ظهره إذا ما أراد العمل على اقامة دولة الخلافة المقبلة. وإذا ما قام الجيل الجديد بالتفكير بتطبيق ستراتيجية المحطات الثلاث في افريقيا، فإن أنسب محطة للإعداد والتأهيل ستكون ليبيا، لأنها يمكن أن تكون اكبر معسكرات لتدريب الجهاديين السلفيين الوافدين الى هذه الأرض، وفي السياق، فقد سبق وأن أرسل ابو بكر البغدادي موفده المدعو (وسام عبد زيد) والمكنّى (ابو نبيل)، الى ليبيا ليقوم بتدريب مجاميع التنظيم التي تشكلت في ليبيا، وكان هذا الرجل ضابطاً في أجهزة الأمن في النظام العراقي السابق، وانتمى الى القاعدة ثم تنظيم داعش وتسلم مناصب عسكرية مهمة في التنظيم، إذ كان والياً على ما يسمّى ولاية صلاح الدين في تنظيم داعش، وقد أسّس قبل مقتله بقصف طائرة امريكية، معسكرات عدة للتدريب، وقام بتدريب عناصر سلفية جهادية أصبحت فيما بعد بمثابة قيادات للتنظيم في ليبيا، وقد عاود البغدادي إرسال أشخاص عدة الى ليبيا من اجل تدريب الجهاديين بعد مقتل (ابو نبيل). وهذا يدلّل على الاهمية التي توليها الحركات الجهادية السلفية الى ليبيا، كجزء أساس من ستراتيجية المحطات الثلاث.
ثالثاً: محطة التنفيذ (أرض التمكين): والمرجّح أن تكون مصر، خصوصاً أن الأوضاع الأمنية في مصر بعد تغيير نظام الحكم لأكثر من مرة خلال ست سنوات، وظهور حركات متطرفة وصراع داخلي، فضلاً عن توجه اعداد كبيرة من مواطني الدول العربية الافريقية وغيرها عبر الأراضي الليبية ومنها الى سيناء للعمل "الجهادي" فيها، هي إشارات واضحة الى الخطر الذي يتهدد مصر خلال الفترة المقبلة.
فالتنظيمات الجهادية السلفية المسلحة، لا تتخذ أيّ منطقة لتنفيذ أعمالها ومحاولة التمكن منها بشكل دائمي ومؤثر، إلا إذا كانت هذه المنطقة تحمل محورية واهمية فائقة من النواحي الجيوسياسية والرمزية التأريخية والدينية، كما أنه لا يخطط للنزول بها على نحو التمكين وزرع مجاميع النكاية فيها، إلا إذا توفرت بوادر الضعف والفراغ الأمني سواء في داخل المدن أو في المناطق الحدودية الهشّة، فعامل الظروف المؤاتية هو أهم ما تبحث عنه الحركات الجهادية، كما انها تبحث في الوقت نفسه عن عامل التقبّل، أو ما نسميه "خلق البيئة الحاضنة". واذا ما أردنا تتبع الأسباب التي ستدفع الجيل الرابع الى محاولة اتخاذ مصر كأرض للتمكين مستقبلاً، يمكن أن نورد التالي:
- الرمزية الجهادية لمصر، بكونها من المحطات الأولى لولادة فكرة الجاهلية المجتمعية وتكفير المجتمعات وتعزيز فكرة الهجرة والتكفير ورسوخ أفكار سيد قطب.
- وجود الطرف الآخر، أو ما تسميه الحركات الجهادية في أدبياتها "فسطاط الكفر" ممثلاً بالحكومة العلمانية في مصر، والأقباط الذين كان من السهل على التنظيمات السلفية تنفيذ عمليات نوعية ضدهم خلال السنوات الماضية، أودت بحياة المئات منهم. فضلاً عن استهداف الكنائس وأماكن العبادة المسيحية في العديد من المدن المصرية.
- توفر المناطق الرخوة، ممثلة بصحراء سيناء التي أصبحت الآن ملاذاً آمناً للمسلحين الجهاديين ومخازن لأسلحتهم ومنطلقاً لعملياتهم.
- استمرار الأزمة السياسية المصرية وتحولات الهيمنة على مقاليد الحكم بين الاخوان وقيادات الجيش، وانقسام المجتمع المصري بالولاء ما بين هذين الخطين، وهذا يمثل حالة مغرية بالنسبة لتنظيمات مسلحة هدفها بث الفرقة والانقسام من اجل تكوين بيئة حاضنة تناسب عملها، وتضمن ديمومتها في الداخل المصري.
- الموقع الجيوسياسي لمصر بالغ الأهمية بالنسبة للحركات الجهادية السلفية، فالموقع الجغرافي المميز لمصر وموقعها كرابط بين البحرين الأبيض والأحمر، وقربها من الأردن والسعودية وقطاع غزة واسرائيل وليبيا والسودان ومناطق أخرى، يتيح للحركات الجهادية ادخال اطراف متعددة في صراع اقليمي وربما عالمي شبيه بما حدث في سوريا. مع إمكانية ربط المنطقة بالصحراء، وبالتالي ربطها بغرب افريقيا من أجل العمل على توسيع مساحة أرض التمكين.
- القدرة على سرعة التأثير في الموارد الاقتصادية الحيوية لمصر، كالسياحة وأنابيب الغاز والمعامل وخطوط الطيران المدني وغيرها.
- امكانية حصول التنظيم على تمويل ضخم لإدارة عمليات السيطرة والتوسع، مثل تجارة المخدرات والأسلحة وتهريب البشر وغيرها من الأساليب التي كانت سائدة في صحراء سيناء حتى قبل ظهور حركات جهادية قوية في المنطقة.
النتائج المتوقعة لتطبيق ستراتيجية المحطات الثلاث من قبل الجيل الرابع:
وفقاً لهذه القراءة، يمكن استخلاص جملة من النتائج لتطبيق الجيل الرابع ستراتيجية المحطات الثلاث، أبرزها:
-  ان الحكومة المصرية ستعاني من إرباك أمني كبير وواضح، وستضطر الى طلب المساعدة من الدول الغربية والعربية، وحتى من روسيا اذا اقتصى الأمر.
- في المقابل، قد تؤدي الأزمة القائمة بين محور مصر والسعودية والبحرين والإمارات، ومحور قطر، والتي يبدو انها ستحدد جزءاً كبيراً من مستقبل المنطقة، قد تؤدي الى دخول القدرات السياسية والمالية والاستخبارية لكلا المحورين في لعبة صناعة الجيل الرابع، أسوة بما حصل إبان مرحلة صناعة الجيل الثالث في سوريا والعراق.
- وبسبب التداعيات الأمنية المحتملة، قد يضعف الى حد كبير الوضع الأمني في المناطق الحدودية النائية في مصر، وهذا ما يتيح للجيل الرابع تعميم تجربته في (فوضى التوحش) لتفكيك اجزاء من البلاد تمهيداً للهيمنة عليها، وهذا من أهم الاهداف الستراتيجية للجيل الرابع في مصر.
- كما أن الجنوب المصري المحاذي للسودان قد يتحول الى مناطق تمكين راسخة للجيل الرابع، خصوصاً قابليته على استيعاب جهاديين مصريين وسودانيين بطريقة أسرع من باقي مناطق مصر.
- بالنسبة لحركة الاخوان المسلمين، وهي حركة تمتلك قدرات واسعة في مصر والمنطقة عموماً وحافظت على هذه القدرات على مدى عقود، فمن المرجّح انها ستدفع بجزء منها كمناصرين للحركات الجهادية، وربما تشكيل فصائل وجماعات مسلحة جهادية تدعم تنظيم الجيل الرابع على الرغم من عدم الالتقاء الكامل بينهم وبين الجهاديين السلفيين، لأن هذا لن يكون متعلقاً فقط بالرغبة في الانتقام من حكومة الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي أو القوات المسلحة المصرية، بل ايضاً، وأساساً، باستعادة الحركة الاخوانية لسطوتها وقدرتها في التأثير على الحاضر والمستقبل المصري والإقليمي.
ختاماً، قد لا يتمكن الجيل الرابع من تطبيق ستراتيجية المحطات الثلاث بالطريقة نفسها التي طبقها تنظيم داعش، فالمتغيرات الدولية قائمة، والاحلاف الاقليمية ما زالت غير واضحة المعالم، والدور الامريكي والروسي ما زال حتى اللحظة ملتبساً ويشوبه الكثير من المحاذير حول أي القوتين سيكون لها حق تقرير مصير الشرق الأوسط، وشكل هذا المصير، لكن المؤكد، انه أياً كانت المتغيرات والتحولات المحلية والدولية والعالمية، فسيكون للجيل الرابع من الحركات الجهادية وجود خطير ومؤثر في المرحلة المقبلة، وستأخذ اجزاء متعددة من ستراتيجية المحطات الثلاث التي عرضناها أعلاه، طريقها الى التطبيق، والمرجح انها بدأت الآن فعلاً.



اضف تعليقك

شروط نشر التعليقات والتعقيبات في "المدى"

تود "المدى" أن تعلن لقرائها وزوار موقعها الالكتروني الكرام بان تعليقاتهم وتعقيباتهم على ما ينشر فيها يخضع لذات القواعد التي تحكم عملية النشر في الصحيفة الورقية والمتقيدة باخلاقيات الصحافة المتعارف عليها دولياً، وتؤكد انها لن تنشر ما يتعارض مع هذه القواعد وفقاً للآتي:

1 - يلتزم القراء وزوار الموقع الالكتروني بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وبعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب وهيئات الدولة والهيئات الاجتماعية وسائر الناس، بكلام جارح ونابِ ومشين ويحتوي على معلومات غير مؤكدة، ويلتزمون أيضاً بعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء.
2 – يحق لإدارة تحرير المدى ان تنقّح تعليق القارئ او الزائر بما يتناسب مع اللياقات الموصوفة اعلاه، وإطلاق الحوار البنّاء، مع الحفاظ على مضمون التعليق، أو أن تحجبه إذا كان غير مناسب أو متعارضاً مع قواعد النشر.
3 – تنطبق هذه الشروط على ما ينشر في الملاحق وسائر مواقع وإصدارات مؤسسة المدى
4 - لا تتحمل مؤسسة المدى أي مسؤولية مادية أو معنوية حيال صاحب التعليق.
الاسم:  
البريد الالكتروني:    
التفاصيل:  
رمز التحقق:
جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة المدى للاعلام والثقافة والفنون