آراء وافكار
2017/08/29 (00:01 مساء)   -   عدد القراءات: 1506   -   العدد(4008)
العراق.. وطن منهوب
العراق.. وطن منهوب


 أ. د. قاسم حسين صالح *

 

مقاربات بين نظامين ضدين

 

توطئة
تنطلق هذه الورقة من حقيقة أن من يتسلم السلطة في العراق فإنه يمتلك الثروة ويستفرد بها، وتهدف الى اجراء مقاربات بين النظام الدكتاتوري الذي سقط في 2003 والنظام الديمقراطي الذي خلفه،  في أيهما كان أكثر نهباً للعراق وأكثر إفقاراً لأهله. ويعني (النهب) وفقاً لقاموس المحيط،الغنيمة بلا مشقة،فيما نعني به هنا قيام الناس بأخذ أو سلب ممتلكات عامة أو خاصة، وقيام الحاكم بأخذ أموال وممتلكات تخص الدولة والمواطنين.
***
كانت أول عملية نهب  في العراق الجديد قد حدثت قبل سقوط النظام الدكتاتوري بيوم واحد، وتحديداً في (8 نيسان 2003).أقول هذا بوصفي شاهد عيان لما جرى. فقد كانت شقتي تقع بشارع حيفا مجاور وزارة البلديات ومقابل وزارة العدل التي يقع تحتها مصرف حكومي. وكنت أراقب ما يجري بعين الباحث لأوثّق للتاريخ ما حصل. ففي صباح ذلك اليوم، بدأ أفراد قليلون التوجه نحو وزارة العدل، بينهم امرأة محجبة حملت حقيبتين حديديتين،ورجل حمل أربع إطارات حديثة،والتفت يساراً، حيث كانت تقف تحت تمثال الملك فيصل الأول، أربع دبابات امريكية وثمانية جنود.. يريد أن يعبر باتجاه علاوي الحلة،وجاءته الإشارة من أحد الجنود أن أعبر.
وكان الجنود الاميركان في الأيام الأولى التي تلت التاسع من نيسان 2003، يشجعون النهّابين على القيام بنهب ممتلكات المؤسسات العامة،أما ضمنياً بالسكوت، أو بشكل صريح بأن يومئوا لهم بأيديهم للدخول،فيما سمعت أحدهم يقول
(come on Ali Baba take it its yours)..مع انه ما كان يعرف حكاية (علي بابا) التي تشبه قصة(روبن هود) في الأدب الأنكليزي حين تحاورت معه.
كان الآخرون بعيدين يرقبون فازداد عددهم تدريجياً واقتحموا البنك ونهبوا ما فيه. وكنت احمل كاميرتي بيدي، وحين عبر احدهم وهو يجرّ كيساً كبيراً من النقود،عمدت الى تصويره،اطلق نحوي رصاصة ارتطمت بجدار شباك شقتي. ولا أعلم من أوصل الخبر الى مراسلة صحيفة امريكية لتأتي هي وزوجها الى شقتي، وحين شاهدت الفيلم تركت مكانها وجلست على الأرض قبالة شاشة التلفزيون.. وأجرت معي لقاءً صحفياً لتحليل ما يحصل.
وللتاريخ، فإن ما يقرب من 90% من الذين قاموا بهذه الأعمال هم جيل العنف من المولودين  في زمن النظام السابق، وأحد أهم الأسباب يعود الى تخلخل مصادر تشكيل المنظومات القيمية لديهم،وما احدثته الحروب التي عاشوها من تغير في سلّم القيم، لتصعد في الصدارة القيم المتعلقة بالحاجة للبقاء المصحوبة بالقلق من المستقبل،الذي يدفعهم لنهب الممتلكات العامة في وطن ينهار فيه نظام حكم اعتبر الوطن ملكاً له، ويبررونه  بأنه استرداد لحق مسلوب وشفاء لغليل من حيف. لكن النهب تجاوز (استرداد الحق) الى (فرهود) ثروة هرب سارقوها وتركوها نهباً للناس، ظهرت بينهم فئة اطلق عليهم في حينه اسم (الحواسم) نهبوا البنوك وممتلكات الدولة ونطوا من الحضيض الى القمة،وقيل أن بينهم من اصبح بين المسؤولين في النظام الديمقراطي.
وللتاريخ أيضاً، فإن تصرف القوات الأمريكية التي احتلت بغداد توجهت لحماية مؤسستين فقط:القصر الجمهوري ووزارة النفط،وتركت المؤسسات الأخرى دون حماية،لأكثر من غرض:
إن اميركا أرادت أن تقدم للعالم في لحظات الزمن الحاسم، أدلة مادية عبر القنوات الفضائية بأن النظام في العراق قد أنهار، ولتثبت أيضاً بأن النظام كان يحتكر الثروة وترك الناس في اغنى بلد نفطي فقراء ينهبون الكراسي (سألت احدهم كان يحمل كرسياً نهبه من دار الإذاعة،لماذا؟ فأجابني:حصتي من النفط!). وإنها (امريكا) أرادت أن تعطي صورة عن الشعب العراقي توحي للعالم بأنه متخلف و(غوغائي) يستدعي بقاء القوات الأمريكية سنوات لتحويل العراق الى إنموذج للديمقراطية في الشرق الأوسط.
وبوصفي شاهد عيان، فإن الذين  شاركوا في عمليات النهب كان معظمهم قد جاء من احياء فقيرة انهكهم الجوع والحرمان. فبعد أن أحرق نفط العراق في حربين مدمرتين، دخل العراقيون حرباً اقتصادية هي الأقسى والأطول في حصار امتد ثلاث عشرة سنة.
وكان النظام الدكتاتوري عمد في منتصف سبعينيات القرن الماضي الى اعادة توزيع الثروة وبدأها بأن وضع اليد على المحال التجارية في (الشورجة)التي كان يسيطر عليها التجار الشيعة، وعمد الى اجراء مزايدة علنية لها حصرها بين اشخاص غالبيتهم من صلاح الدين والموالين للنظام. واستولى قادة الحزب وكبار المسؤولين على افضل الأراضي وحولوها لمزارع خاصة..وعاشوا في عالم خيالي وتركوا معظم العراقيين يتضورون جوعاً في عالم من المآسي..ومن يكون حاله هكذا فإن نهب الممتلكات الخاصة والعامة يكون مشروعاً يرى فيه الفقراء انهم يستردون حقاً كان النظام هو البادئ بنهبه.

استنتاج (1)
مع أن (النهب) في العراق يمتد تأريخه الى ما قبل نهب ممتلكات اليهود في اربعينيات القرن الماضي، مروراً بسقوط النظام الملكي 1958 وما تلاه،لكن أبشعه هو الذي حدث عند سقوط النظام الدكتاتوري 2003،وما تبعه خلال حكومات النظام الديمقراطي. ما يعني أن سيكولوجيا النهب تحكمت لدى من تهرأت لديه منظومات القيم ومعيار الحلال والحرام. والمفارقة أن العدالة الاجتماعية واعادة بناء المنظومات القيمية الأصيلة ينبغي أن تكون من اولويات النظام الديمقراطي، غير أن ما حصل هو النقيض.. وتلك مهمة القسم الثاني في مقاربات بين النظامين الضدين في العراق.
* مؤسس ورئيس الجمعية النفسية العراقية

 



اضف تعليقك

شروط نشر التعليقات والتعقيبات في "المدى"

تود "المدى" أن تعلن لقرائها وزوار موقعها الالكتروني الكرام بان تعليقاتهم وتعقيباتهم على ما ينشر فيها يخضع لذات القواعد التي تحكم عملية النشر في الصحيفة الورقية والمتقيدة باخلاقيات الصحافة المتعارف عليها دولياً، وتؤكد انها لن تنشر ما يتعارض مع هذه القواعد وفقاً للآتي:

1 - يلتزم القراء وزوار الموقع الالكتروني بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وبعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب وهيئات الدولة والهيئات الاجتماعية وسائر الناس، بكلام جارح ونابِ ومشين ويحتوي على معلومات غير مؤكدة، ويلتزمون أيضاً بعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء.
2 – يحق لإدارة تحرير المدى ان تنقّح تعليق القارئ او الزائر بما يتناسب مع اللياقات الموصوفة اعلاه، وإطلاق الحوار البنّاء، مع الحفاظ على مضمون التعليق، أو أن تحجبه إذا كان غير مناسب أو متعارضاً مع قواعد النشر.
3 – تنطبق هذه الشروط على ما ينشر في الملاحق وسائر مواقع وإصدارات مؤسسة المدى
4 - لا تتحمل مؤسسة المدى أي مسؤولية مادية أو معنوية حيال صاحب التعليق.
الاسم:  
البريد الالكتروني:    
التفاصيل:  
رمز التحقق:
جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة المدى للاعلام والثقافة والفنون