المزيد...
آراء وافكار
2017/08/29 (00:01 مساء)   -   عدد القراءات: 1319   -   العدد(4008)
عراق ما قبل الانتخابات.. اصطفافات جديدة فوق رمال متحركة! |  (1-2)  |
عراق ما قبل الانتخابات.. اصطفافات جديدة فوق رمال متحركة! | (1-2) |


 د. ناجح العبيدي

هل سيكرر رئيس الوزراء حيدر العبادي، تجربة سلفه وغريمه نوري المالكي في الانتخابات المقبلة؟ هناك الكثير من المؤشرات التي ترجّح تمرد العبادي على التكتل المؤقت الذي جاء به إلى السلطة عام 2014 ودخوله الانتخابات في عام 2018 بقائمة مستقلة. في هذه الحالة سيعيد العبادي ما فعله المالكي عام 2010 عندما تشجع بتحسن شعبيته في ولايته الأولى، وتجرأ على إدارة ظهره للتحالف الشيعي ودخول الانتخابات بائتلاف دولة القانون. صحيح  أن تفوق قائمة إياد علاوي على قائمة المالكي بمقعدين أفسد فرحة المالكي وأربك حساباته، لكن ذلك لم يقلل كثيراً من صواب تكتيكه، لا سيما وأنه سرعان ما عاد إلى أحضان التحالف الشيعي ليضمن الولاية الثانية.
الآن يقف العبادي أمام هذا الخيار. صحيح أنه ينفي علناً عزمه خوض الانتخابات العامة المقررة في أبريل/ نيسان 2018 بقائمة منفصلة، ولكنه يشدد في الوقت نفسه على أنه لن يفكر بالانتخابات "إلا بعد إكمال تحرير جميع الأراضي العراقية من قبضة داعش " الأمر الذي يعني ضمنياً عدم رفض الفكرة مبدئياً وإنما تأجيلها حتى الوقت المناسب. من هنا يبدو أن العبادي يميل لدخول الانتخابات بعيداً عن وصاية حزب الدعوة وأمينه العام المالكي. ولا يشجعه على مثل هذه الخطوة هيبة المنصب فحسب، وإنما أيضاً الإنجازات العسكرية الأخيرة. وإذا كان المالكي قد استفاد كثيراً في انتخابات عام 2010 من ضربه جيش المهدي فيما دعي حينها بصولة الفرسان في البصرة ووظّف نجاحات الصحوات ضد تنظيم القاعدة في المحافظات الغربية وانهمار أموال النفط على الميزانية العراقية في تلميع صورته، فإن العبادي سيسعى لدخول الانتخابات برأس يحمل "أكاليل غار" انتصارات استعادة الموصل وتكريت والفلوجة وغيرها. وإضافة إلى ذلك يحظى العبادي بدعم سياسي ومالي قوي من الخارج، وخصوصاً من الولايات المتحدة ودول غربية عديدة التي ترى في حكومة العبادي عاملاً مهماً لضمان الاستقرار في بلد تعصف به رياح التمزق والتقسيم.
في المقابل تبدو حظوظ غريمه المالكي ليست قوية جداً. فهو يحمل وزر ضياع الموصل وتكبد الجيش العراقي هزيمة مذلة قبل أكثر من ثلاثة أعوام. صحيح أن المالكي يحاول أن يظهر بأنه لا يزال يمسك بخيوط اللعبة من خلف الستار مستفيداً من منصبه الرسمي كنائب لرئيس الجمهورية ومن موقعه الحزبي كأمين عام لحزب الدعوة، لكن ائتلاف دولة القانون، الذي كان يتميز بتماسك صفوفه النسبي مقارنة بالقوائم الأخرى، تعرض لهزات قوية أدت إلى تفككه إلى كتل عدّة. ومن دون شك فإن أي نجاح للعبادي سيكون على حساب المالكي بالدرجة الأولى لأن كلاهما يعتمد أساساً على القاعدة الشعبية ذاتها. لكن العبادي ولكي يضمن الفوز بولاية ثانية بحاجة إلى حلفاء أقوياء داخل "البيت الشيعي" وخارجه. وهنا بالذات لم يفصح العبادي حتى الآن عن خياراته ويتجنب ذكر أسماء محددة محاولاً الإبقاء على كل الاحتمالات مفتوحة وانتظار الوقت المناسب للإعلان عن حلفائه المقبلين. والعبادي ليس السياسي الوحيد الذي لا يفضّل اللعب بأوراق مكشوفة، فجميع التيارات والأحزاب تكتفي بمحاولة جس نبض القوى الأخرى عبر الحديث العام عن إقامة "مشروع دولة المواطنة" أو تشكيل "كتلة عابرة للطائفية"، ولكن دون الدخول في اتفاقات ملزمة.ظاهرة احتدام المنافسة والتشتت والانقسام طالت أيضاً أطرافاً أخرى في "البيت الشيعي". ضمن هذا السياق يأتي الانسحاب المفاجئ لعمار الحكيم من المجلس الأعلى الإسلامي وتأسيسه تيار الحكمة. بهذه الخطوة يتوّج الحكيم تمرده على القيادات المخضرمة في المجلس الأعلى الذي عانى في السنوات الماضية من تراجع واضح في شعبيته. ومن الواضح أن عمار الحكيم لا يعول على القيادة الشابة لإيقاف هذا التراجع فحسب، وإنما يأمل أيضاً في جذب الناخبين الشباب للتصويت لتياره، لا سيما وأن الشباب يشكلون غالبية سكان العراق. وستبين الأيام ما إذا كان هذا القرار "حكيماً" بالفعل.
بدوره يستشعر التيار الصدري خطر التهميش بعد أن فقد الحظوة لدى إيران لصالح أطراف أخرى وانحسر دور الميليشيات التابعة له في الحشد الشعبي مقابل بروز فصائل أخرى معروفة بعدائها للتيار الصدري. كما لم تثمر محاولات زعيمه مقتدى الصدر توظيف الحراك الشعبي المناهض للفساد ونظام المحاصصة لقلب المعادلة داخل الصراع الشيعي-الشيعي على السلطة عن نتائج حاسمة. إزاء هذا الخطر يواصل الصدر إرسال إشارات متضاربة على المستوين الداخلي والخارجي. ضمن هذا "النهج" يندرج الحديث عن تحالف مع إياد علاوي أو مغازلة التيار المدني، وكذلك زيارته للمملكة العربية السعودية ولدول خليجية أخرى. ولا يسعى الصدر لضمان دعم عربي لتياره فقط وإنما أيضاً لبعث رسالة إلى طهران مفادها أنه قادر على كسب حلفاء إقليميين جدد.
لا تختلف الصورة كثيراً على الجانب السني، حيث يتربص الجميع بالجميع وسط حالة من من التزاحم والتنافس والصراع، غير أن القوى السنية تواجه تحديات من نوع خاص، وفي مقدمتها تمزق وتشتت جزء كبير من قاعدتها الجماهيرية نتيجة الحرب على داعش وموجة النزوح التي طالت الملايين في المناطق ذات الأغلبية السنية. ودون التوصل لحل معقول لهذه المأساة سيفتح المجال للتشكيك بشرعية الانتخابات في هذه المناطق. كما أن اندلاع الأزمة الخليجية بين السعودية وقطر وتفاقمها وضع القيادات السنية العراق في وضع صعب، لأن الدولتين الثريتين وفرّتا في السنوات الأخيرة أهم مصادر الدعم المالي والسياسي. وبهذا لم يعد بالإمكان اللعب على الطرفين واستغلال الخلافات بينهما على النفوذ الإقليمي للحصول على مزيد من الدعم. وفي ظل هذه المتغيرات المحلية والإقليمية جرت وتجري محاولات إعادة ترتيب البيت السني وسط صعوبات بالغة. وهذا ما ظهر في المؤتمرات التي عقدتها القوى السنية في بغداد وأربيل واسطنبول، حيث لم ينجح الإعلان عن انبثاق تحالف القوى الوطنية العراقية في إنهاء الصراعات على الزعامة والمناصب بين مختلف الشخصيات. وعلى الرغم من تردد أسماء كثيرة، تبقى المنافسة المحمومة بين سليم الجبوري رئيس مجلس النواب وأسامة النجيفي النائب الثالث لرئيس الجمهورية العنصر الحاسم في هذا الصراع. ومن دون شك فإن سليم الجبوري يعتبر حتى الآن الفائز الأكبر في الصراعات داخل المعسكر السني. ويبدو أن أحد أسرار نجاح الجبوري يكمن في أن الكثيرين، وبما فيهم منافسوه، أساءوا تقدير خبرته السياسية وإمكاناته على المناورة والتحرك بحذر وسط "الألغام" الكثيرة المزروعة في المشهد السياسي العراقي. وهذا ما أثبته نجاحه في إفشال محاولة إقالته من رئاسة مجلس النواب في ربيع عام 2016 على خلفية الاتهامات الخطيرة التي وجهها له وزير الدفاع المقال خالد العبيدي. الآن يحاول الجبوري من خلال الإعلان عن تأسيس ما دعي بـالتجمع المدني للإصلاح إبعاد "الصبغة الإسلامية" عنه على خلفية التدهور المريع في سمعة الإسلام السياسي في العراق جراء تفشي الفساد وانتشار شعار "باسم الدين باكونا الحرامية".
 يتبع



اضف تعليقك

شروط نشر التعليقات والتعقيبات في "المدى"

تود "المدى" أن تعلن لقرائها وزوار موقعها الالكتروني الكرام بان تعليقاتهم وتعقيباتهم على ما ينشر فيها يخضع لذات القواعد التي تحكم عملية النشر في الصحيفة الورقية والمتقيدة باخلاقيات الصحافة المتعارف عليها دولياً، وتؤكد انها لن تنشر ما يتعارض مع هذه القواعد وفقاً للآتي:

1 - يلتزم القراء وزوار الموقع الالكتروني بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وبعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب وهيئات الدولة والهيئات الاجتماعية وسائر الناس، بكلام جارح ونابِ ومشين ويحتوي على معلومات غير مؤكدة، ويلتزمون أيضاً بعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء.
2 – يحق لإدارة تحرير المدى ان تنقّح تعليق القارئ او الزائر بما يتناسب مع اللياقات الموصوفة اعلاه، وإطلاق الحوار البنّاء، مع الحفاظ على مضمون التعليق، أو أن تحجبه إذا كان غير مناسب أو متعارضاً مع قواعد النشر.
3 – تنطبق هذه الشروط على ما ينشر في الملاحق وسائر مواقع وإصدارات مؤسسة المدى
4 - لا تتحمل مؤسسة المدى أي مسؤولية مادية أو معنوية حيال صاحب التعليق.
الاسم:  
البريد الالكتروني:    
التفاصيل:  
رمز التحقق:
جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة المدى للاعلام والثقافة والفنون