الاعمدة
2017/08/28 (21:01 مساء)   -   عدد القراءات: 1080   -   العدد(4008)
تلويحة المدى
التراث بمعالجات حداثيّة؟
شاكر لعيبي




 

اليوم نقرأ معالجات حديثة، بل "حداثوية" وأخرى تتابع الدُرْجَة الاصطلاحية والشبابية، وهي تتناول التراث الإسلاميّ، في كلّ مكان، لا سيما في وسائط التواصُل الاجتماعيّ. فهل المنهجيات المستخدمة دقيقة، وكيف يمكن أن يُناقش هذا التراث؟ النقاط الواردة إدناه منهج عمل وليس عقيدة، وهي تخرج من الملاحظة والقراءة:أولاً: الباحثون والكتاب المنطلقون من أيديولوجيات ثابثة ونوايا تشويهية وقومانية (من هنا وهناك) لثقافة وتاريخ أمة وجمهور، هي مناقشة مريبة للتراث.ثانياً: يُقرأ التراث وفق النسبيات التاريخية والحضارية، والمقاربات الموضوعية. لا يمكنك مثلاً اتهام هذا التراث بأنه غير عادل بشأن حقوق المرأة (مُنطلِقاً من مبادئ النسوية الحالية) بينما لم تنشأ النسوية إلا في وقت متأخر. مثال آخر، لا يمكنك الانتقاص من الفن الإسلاميّ التشخيصيّ أنه لا يعرف المنظور، بينما المنظور في فن الرسم لم يُكتشَف إلا في عصر النهضة، نهاية القرن الرابع عشر الميلاديّ.ثالثاً: يُعالج التراث عبر الدرس المُقارَن للأساطير والخرافات والتديّن الجماهيريّ المشوب بالأوهام والسحر، وهي عناصر حضرتْ في تراث العالم قاطبة (المعاصر للتراث الإسلاميّ)، قبل النقد الحديث لها في الفكر المعاصر. ولم تكن حكراً على تراث بعينه. فلا يجوز عقلاً التشكيك بالحقيقة العميقة لشخصيات في التراث الإسلاميّ أو منحها طابعاً متضخّماً سلباً وإيجاباً، وطبيعة أسطورية، أو تشويهها، دون دليل قويّ، لا سيما وأنت تعرف أن الظاهرة المعالجة موجودة نفسها في تراث الثقافات الأخرى التى ذهبت أكثر من التراث الإسلاميّ حدّ اختراع سلالات أسطورية وملوكاً لا وجود لهم كالشعوب الإسكندنافية، وملكات لا براهين ملموسة على وجودهنّ كـ "الكاهنة" البربرية في ثقافة شمال أفريقيا.رابعا: يُعالَج بالمعرفة العميقة المدققة في علم التاريخ. فلا يكفي أن "يجيء في بالك" مناقشة النبي محمد أو مسيلمة الكذاب كيفما اتفق، من دون مراجع معترف بها، لتنطلق بما تقرر أنه بداهة وحقيقة تاريخية نهائية. قراءة التراث ليست قراءة تأملية وميتافيزيقية.خامساً: لا يمكن الحديث عن التاريخ (دون همزة على الألف) بلا تأريخ (بهمز الألف)، أعني دون تواريخ دقيقة، وذلك لوضع الأمور في سياقاتها. ذكر السنوات (سنة كذا وسنة كذا)، مفيد وضروريّ لرؤية التسلسل الزمني وتقييم السابق بالنسبة للاحق في الثقافة نفسها، وبينها وبين الثقافات الأخرى. عدا ذلك فسنتحصل على إطلاقية (فوق تاريخية) غير مُستحبّة أو تفكير زائف بمظهر موضوعيّ.سادساً: لا يمكن مناقشة القضايا الكبرى في التراث دون وثيقة، إضافة للتأريخ (بهمزة). والتدقيق بالوثيقة من الخارج والداخل. لذا يكون علم الأركيولوجيا (الآثار) مُستَنَدَاً كبيراً لقراءة التراث أو بعض جوانبه، كتطور الكتابة وأسماء العلم وغير ذلك.سابعاً: الموضوعية التي يزعم الجميع أنها أداته قد تكون محض ذاتية، عندما لا تتوفر شروط التأريخ والوثيقة المفحوصة والتشبث بالأيديولوجيا الثابتة. إن (وهْم الموضوعية) المتفشّي ليس (الموضوعية).ثامناً: التخلي (ولو مؤقتاً، وهذا صعب) عن كلّ إيمان دينيّ خاصة، وطائفي وعقائدي عند مناقشة التراث. بعض البحوث الموضوعية، زعْماً، تفوح برائحةٍ دينية وعقائدية في الحقيقة، من جانب الدينيين كما الماركسيين.تاسعاً: لا توجد (نتائج) و(خلاصات) حاسمة ونهائية وتبسيطية، بل رجوحية في النتيجة والخلاصة. أما مغامرة الكاتب وخصوصية شخصيته وجرأته فهي ضرورة جوار ذلك، دون أية مُفارَقة.عاشراً: ثمة ضرورة لقراءة ومراجعة باحثين عرب وأجانب ناقشوا تراثنا أو تراثهم، وفق هذه الأدوات أو بعضها، وما يشابهها، لرؤية مقدار رجوحيتهم وتواضعهم ودقتهم. لن نستشهد هنا بمنجهية ومعارف ماسينيون ودقائق بحثه عن الحلاج أو كوربان عن التصوف الإسلاميّ إلا من أجل تقييم السرعة والاستخفاف والخفة بين ظهرانينا، في وسائط تواصُل ودور نشر بعينها.
هناك أدوات أخرى لا مجال لها هنا.

 



تعليقات الزوار
الاسم: نجاح العنزي - الرياض
حضرة الأخ الفاضل شاكر لعيبي وفقك الله أوافق حضرتك في كل ما ذكرت في المقال. لكن هناك تعقيب بخصوص الفكرة الأساسية حول تناول التراث الإسلامي عند العامّة -أو الجماهير- الذي أصبح اليوم هو البلاء المبين في الأمة. كيف السبيل إلى رفعه هذا هو السؤال المطروح اليوم. وقد تم بحثه في مقالتك أفقيا في سرد الملاحظات الممتازة. ولكن البحث الرأسي هو الأهم -في رأيي- لأن وعي العامة هو تمثيل معنوي لهذا "المجموع الفكري والسياسي والاجتماعي" المنبثق عن الإطار الفكري المرجعي الإسلامي تاريخيا. والبحث الرأسي يقول: لماذا تصدّى العامة لهذه المجادلة رغم افتقار العامّة أو القاعدة الشعبية أو الجماهيرية - على مستوى العموم لا الخصوص- لأبسط الأدوات العلمية البسيطة والمتقدمة الواردة في هذا المستوى من التناول في الوصف والتحليل،...الخ. مثل: التعريفات المتفق عليها، منطق الظاهرة والعلل، المنهج العلمي. أين هو دور عامل الجامعات والمؤسسات التعليمية، أين هو دور عامل المناظرات العلمية والدينية المتخصصة في هذه القضايا، أين هو دور عامل المؤتمرات البحثية والعلمية،...الخ. لماذا هذا التناول الفكري للتراث الإسلامي يمارس حيث الفضاء والعشوائية غير الإحصائية واللاحدود حتى ما كان منها فنيا وتقنيا لأبسط الأغراض في الحديث عن الظواهر والأسئلة! ما هو السبب وراء ذلك؟ بالتأكيد هناك أجوبة متحركة لا تستقر سكونيا لضبط سلوكها!! ومن المهم إبقاء عيوننا مفتوحة إلى حد الدهشة والذهول من انخفاض مستوى مساهمة الخطاب العلمي والأكاديمي في تحديد الظواهر وإقامة جسور الحوار بين المكونات المادية والاجتماعية -وهذه وجهة نظري- فما زال لدينا رهط من الأكاديميين مولعون بالديني والمدني والفجوة بينهما رغم أن تاريخنا كان إحداثيا ومرتبا على التعامد الديني والمدني ولكن لا يبصرون. أنا لا أقول لا يوجد لدينا خطاب علمي في المعارف الإنسانية والفيزيائية، ولا أقول لا سبيل لدينا للوصول إلى مناقشات متفوقة للجدليات القائمة، ولكني أقول إن الخطاب العلمي المعاصر الخاص بنا بشروطه الحالية وموضوعاته وأسئلته ومحدداته لا يستطيع الصمود وإثبات استحقاقه النسبي مع الخطابات الأخرى -ناهيك عن الهيمنة- في التفسير والتحليل والاستنتاج والإثبات والنفي بدليل تجريبي ومعياري صارم ومقنن بافتراض الاستقلال المعرفي والمؤسسي أمام الخطابات السياسية والإعلامية والوعظية. فهذه الخطابات الأخيرة -عمليا- تقوم مقام الخطاب العلمي في شتى أدواره وعلاقاته المفاهيمية والنظرية والتجريبية!! معظم مناقشات اليوم في التراث الإسلامي تتم في غير أمكنتها الطبيعية وهذا هو مصدر الخيبة لجميع حواراتنا. وفي التحليل النهائي كما أننا لن نقبل في مسألة رياضية علمية إلا شيخ علماء الرياضيات ليس ليفتي فيها فحسب إنما من أجل العرض العلمي لمسيرة البحث عن الحل -إذا ما أردنا التعميم لمثل هذا الحل في ظروف موضوعيه- بافتراض شروط عدالة منهجية ومؤسساتية، وهذا الافتراض سيظل متواصلا مثلا في كوننا أيضا لن نرفع توصية بالاستناد والإشارة في مسائل الخلاف في التاريخ إلا لعلماء ومشيخة التاريخ وعلم الإنسان أيضا لينظروا للزمكانية من حيث شروطها؛ وليس لإنهاء الخلاف أو تحجيمه بغير برهان، وإنما حتى يثبت نفسه بنفسه أو يذهب للجحيم! فإذا كان هذا هو شأننا في النظر والمعرفة الدنيوية أو الظاهرية؛ فكيف بالتراث الذي هو عمران بشري واجتماع إنساني متراكم ومتعاضد ومترابط بعضه فوق بعض؟ كيف لا يخجل المرء في الحديث عن التراث الإسلامي بالشطط والإيحاءات والعصبيات والخيالات والأمجاد الاستثنائية والقصص الفريدة من نوعها. بل وجدت من يتحدث عن التراث الإسلامي في مواقع التواصل الاجتماعي أسفل عنوان" كذبة إبريل"!! هذه ظاهرة يجب تتبعها بعمق.. لماذا هذا الطفح المتهيج لجسد الأمة الذي يبدو كعرض من أعراض مرض وجداني في قلب التاريخ والحاضر حيث لا ينبئ عن أي معالم اتفاق ومقدمة لما بعد، أو جدولة اختلاف، وتخصيص إما حاشية له، أو تذييله كهامش معلوم ومرموق.. هل العولمة في قفص الاتهام لا أعتقد ذلك في رأيي. تبدو العولمة كطائر سجين اختار الهرب إلى الأمام. هل أخطأت العولمة عندما كانت المرآة التي تعكس أبعادنا في زوايا حادة فنقطع أيدينا، أو منفرجة فنهتف بشدة!!! شكرا جزيلا لبلوغكم هنا سالمين!
اضف تعليقك

شروط نشر التعليقات والتعقيبات في "المدى"

تود "المدى" أن تعلن لقرائها وزوار موقعها الالكتروني الكرام بان تعليقاتهم وتعقيباتهم على ما ينشر فيها يخضع لذات القواعد التي تحكم عملية النشر في الصحيفة الورقية والمتقيدة باخلاقيات الصحافة المتعارف عليها دولياً، وتؤكد انها لن تنشر ما يتعارض مع هذه القواعد وفقاً للآتي:

1 - يلتزم القراء وزوار الموقع الالكتروني بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وبعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب وهيئات الدولة والهيئات الاجتماعية وسائر الناس، بكلام جارح ونابِ ومشين ويحتوي على معلومات غير مؤكدة، ويلتزمون أيضاً بعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء.
2 – يحق لإدارة تحرير المدى ان تنقّح تعليق القارئ او الزائر بما يتناسب مع اللياقات الموصوفة اعلاه، وإطلاق الحوار البنّاء، مع الحفاظ على مضمون التعليق، أو أن تحجبه إذا كان غير مناسب أو متعارضاً مع قواعد النشر.
3 – تنطبق هذه الشروط على ما ينشر في الملاحق وسائر مواقع وإصدارات مؤسسة المدى
4 - لا تتحمل مؤسسة المدى أي مسؤولية مادية أو معنوية حيال صاحب التعليق.
الاسم:  
البريد الالكتروني:    
التفاصيل:  
رمز التحقق:
جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة المدى للاعلام والثقافة والفنون