آراء وافكار
2017/08/31 (00:01 مساء)   -   عدد القراءات: 1179   -   العدد(4010)
قضية للمناقشة:لا مقايضة على الحريات
قضية للمناقشة:لا مقايضة على الحريات


 فريدة النقاش

 تواكبت الذكرى الثالثة لرحيل المحامي المدافع عن حقوق الإنسان "أحمد سيف الإسلام" والذي كان من أنشط المناضلين في صفوف المجتمع المدني، ومن أعلى الأصوات في ميدان الدفاع عن الحريات العامة.. تواكب مع قرار الإدارة الأمريكية بحجب جزء من المعونة المدنية والعسكرية لمصر، وهي المعونة التي كانت قد تقررت مكافأة "للسادات" على توقيع اتفاقيات كامب دايفيد ثم معاهدة الصلح مع إسرائيل.
وقالت الإدارة الأمريكية إن، قرار الكونغرس هو عقاب لمصر بسبب سجلها في مجال حقوق الإنسان وحدد بعض الإعلاميين إصدار قانون الجمعيات الأهلية في مصر كسبب أولي للقرار الأمريكي .
وأياً كانت الأسباب التي تسوقها الإدارة الأمريكية لحجب المعونة والأهداف الأمريكية الخاصة من هذا الإجراء، فإن كلاً من الحكومة المصرية والقوى الديموقراطية في البلاد، لابد أن تتوقف طويلاً أمام الانتهاكات المتزايدة لهذه الحقوق في كل من القانون والممارسة، ولعل اضطرار أسرة المحامي " أحمد سيف الإسلام" لإقامة الاحتفال بذكرى رحيله الثالثة ـ بينما يقبع ابنه "علاء " في السجن محكوماً عليه طبقاً لقانون منع التظاهر ـ فى مقر إحدى منظمات المجتمع المدني ـ  المبادرة المصرية للحقوق الشخصية "أقول لعلّ ذلك أن يكون علامة دالة على التدهور الذي طال كلاً من حركة حقوق الإنسان مع تفاقم ممارسات التعذيب والاضطهاد ، وتحويل الحبس الاحتياطي إلى عقوبة، وانتهاك الدستور الذي خصص باباً كاملاً لقضية الحريات، وهو انتهاك يتم جهاراً نهاراً مما يجعلنا نتوقف بشكل إضافي أمام  المبررات  الامريكية لحجب جزء من المعونة ونرفض كل ما تسوقه الأبواق الحكومية من إدعاءات، ومن نفي كاذب لممارسات التي تقع في السجون في تناقض مع الدستور ومع المعايير الدولية لحقوق الإنسان، وهي ممارسات رصدتها منظمات وجماعات مصرية ودولية. ويلاحظ المتابعون للجدل ـ الهامشي للأسف ـ الذي يدور في الساحة العامة المصرية حول هذه القضية، عودة للمقولة البائسة التي ترى أن الالتزام بحقوق الإنسان والمعايير الدولية هو ترف لا تقدر عليه دول العالم الثالث الغارقة في الأزمات، وإننا لابد أن نعرف الفارق بين الديموقراطية في دول الغرب وفي بلادنا .
بل إن هناك أصواتاً تدعو ضمنياً إلى منهج المقايضة الذي سبق وأن اتبعه النظام الناصري بين بعض الحقوق الاقتصادية والاجتماعية للطبقات الشعبية و الديموقراطية والحريات العامة . وحدث العكس ـ جزئياً ـ في ظل نظام "السادات" الذي قام بعدوان منظم على المكتسبات الاقتصادية والاجتماعية في مقابل توفير بعض الحريات واستخدام هذا القدر الهزيل من الحريات في الدعاية السوداء ضد كل ما كان النظام الناصري قد أنجزه .
ويتبلور الآن ببطء منهج جديد يقوم على المقايضة بين الحريات العامة المنصوص عليها في الدستور والمشروعات التنموية الضخمة، ويتضمن المنهج الدعوة لتأجيل مطلب الحريات العامة حتى يتم القضاء على الإرهاب، وإنجاز المشروعات الكبيرة في هدوء، وهكذا جرت عملية إغلاق المجال العام، وملاحقة الأصوات المعارضة حتى في الإعلام الخاص، وإسكات أي نقد للسياسات الحكومية التي تتوجه في غالبيتها لخدمة الأغنياء بينما تغرق البلاد في الديون، وكأننا نسينا تجربة الخديوي إسماعيل وما آلت إليه من كوارث . ومما يزيد الطين بلة ـ كما يقال ـ إن القوانين المنظمة للدستور لم تصدر، ومع ذلك تنطلق دعوات لتعديله في اتجاه يهدد كل ما انتزعه المصريون من حقوق بعد موجتين كبيرتين من موجات الثورة، وقد انتزعوا هذه الحقوق في الواقع لا في القانون، لأن ترسانة القوانين المقيدة للحريات لم تتغير، بينما تكاتفت أجهزة الأمن والقوى المعادية للثورة وباسم مكافحة الإرهاب لملاحقة شباب الثورة، والزج بهم في السجون، واسكات أصوات الأحزاب والنقابات والتنكيل بالمجتمع المدني .
وأخذت القوى الديموقراطية وهي تتلقى الضربات وتعد العدّة لاتقائها تتعامل مع قضية الحريات وحقوق الإنسان بالقطعة وحسب الظروف .
ولعلّ الضربة الأمريكية الأخيرة للسياسة المصرية في ما يتعلق بالحريات وحقوق الإنسان أن تكون مناسبة للأحزاب والنقابات وقوى المجتمع المدني لتتكاتف فيما بينها لإطلاق حملة شاملة لتفعيل الدستور، وإصدار القوانين المنظمة، ودعوة أجهزة الإعلام لتثقيف المجتمع بما يتضمنه هذا الدستور من مواد تصون الحريات وحقوق الإنسان، في مواد غير مسبوقة في تاريخنا وتحصن هذه الحريات والحقوق ضد أي عدوان عليها، وكذلك عليها أن تفضح فساد منهج المقايضة وهي تضع أهداف ثورة الشعب المصري نصب عينيها عيش ـ حرية ـ عدالة اجتماعية ـ كرامة إنسانية ـ دولة مدنية لا دولة دينية.

 



اضف تعليقك

شروط نشر التعليقات والتعقيبات في "المدى"

تود "المدى" أن تعلن لقرائها وزوار موقعها الالكتروني الكرام بان تعليقاتهم وتعقيباتهم على ما ينشر فيها يخضع لذات القواعد التي تحكم عملية النشر في الصحيفة الورقية والمتقيدة باخلاقيات الصحافة المتعارف عليها دولياً، وتؤكد انها لن تنشر ما يتعارض مع هذه القواعد وفقاً للآتي:

1 - يلتزم القراء وزوار الموقع الالكتروني بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وبعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب وهيئات الدولة والهيئات الاجتماعية وسائر الناس، بكلام جارح ونابِ ومشين ويحتوي على معلومات غير مؤكدة، ويلتزمون أيضاً بعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء.
2 – يحق لإدارة تحرير المدى ان تنقّح تعليق القارئ او الزائر بما يتناسب مع اللياقات الموصوفة اعلاه، وإطلاق الحوار البنّاء، مع الحفاظ على مضمون التعليق، أو أن تحجبه إذا كان غير مناسب أو متعارضاً مع قواعد النشر.
3 – تنطبق هذه الشروط على ما ينشر في الملاحق وسائر مواقع وإصدارات مؤسسة المدى
4 - لا تتحمل مؤسسة المدى أي مسؤولية مادية أو معنوية حيال صاحب التعليق.
الاسم:  
البريد الالكتروني:    
التفاصيل:  
رمز التحقق:
جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة المدى للاعلام والثقافة والفنون