سينما
2017/08/31 (00:01 مساء)   -   عدد القراءات: 2906   -   العدد(4010)
السينما الممسّرحة والمسرح المؤفّلم
السينما الممسّرحة والمسرح المؤفّلم


 د. جواد بشارة

 كان الشغف الأول في طفولتنا  البائسة والجميلة في الوقت ذاته، هو السينما. كنا نشاهد فيلمين أو ثلاثة كل أسبوع حسب إيقاع تغيير عناوين العروض في صالات السينما المتوفرة في المدينة آنذاك، في سنوات الستينات والسبعينات من القرن الماضي. كان المسرح يقتصر على بعض الفنانين المبدعين في مدينتي ممن درسوا المسرح على أصوله العلمية وتخرجوا من معهد الفنون الجميلة قسم المسرح.

وكنت أهتم به نظرياً وثقافياً من خلال القراءة  والإطلاع على تاريخ المسرح ونظرياته وجمالياته ومدارس الإخراج فيه وعن عباقرة التمثيل في المسرح العراقي والعربي والعالمي. لغاية عام 1965 لم أشاهد مسرحية واحدة في صالة مسرح حقيقية ، فقط ما يعرضه التلفزيون من مسرحيات مصرية أغلبها كوميدية لنجوم المسرح والسينما المصريين، وبعض المسرحيات العراقية الجادة بما فيها الكثير من التراجيديا والكوميدياً على حد سواء. لم يكن أمامنا، إذا أردنا أن نمارس مهنة الفن  الدراماتيكي، سوى المسرح ومن ثم الإذاعة والتلفزيون، فلم تكن هناك سينما عراقية نشطة ووفيرة الإنتاج على غرار ما يحدث في مصر هوليود الشرق كما كانوا يسمونها آنذاك. وهناك طريق واحد لا غير لسبر أغوار هذا العالم المدهش والولوج إلى عالم الاحتراف فيه، ألا وهو الانتساب إلى معهد الفنون الجميلة أو أكاديمية الفنون الجميلة عبر المرور باختبارات صعبة وجادة لاختيار الموهوبين الذين يستحقون مقاعدهم الدراسية، فالجدية والأصالة والموهبة  والمعرفة الأولية هي المعايير المطلوبة للقبول والتخصص . وفي بداية السبعينات افتتح قسم متواضع للسينما في معهد الفنون الجميلة ودخل فيه كوكبة من الشباب المثقف والمندفع والطموح، وأغلبهم أصبح من اقرب وأعز أصدقائي فيما بعد، وذلك على يد كوكبة من السينمائيين الشباب آنذاك ممن عادوا من دراساتهم في الخارج لفن السينما في معاهد مرموقة كمعهد الدولة للسينما في موسكو " الفغيك" مثل عباس الشلاه وعزيز حداد وعبد الهادي الراوي وطارق عبد الكريم وعبد الوهاب الدايني وجعفر علي حميد محمد جواد. كنت منعزلاً في عشقي للسينما التي ألتهمت كل ما وقع بين يدي عنها وشاهدت كل ماعرض منها على شاشاتنا الفضية وفي التلفزيون وفي المراكز الثقافية الأجنبية، الفرنسية والبريطانية والألمانية. وبعد إطلاعي الواسع وثقافتي السينمائية المتينة ولم أكن قد تعديت العشرين من عمري بعد أن تعرفت على تاريخ السينما العالمية وجمالياتها ومدارسها الفنية والإخراجية واللغة السينمائية وكبار المخرجين العالميين وأهم الأفلام التي تشكل آثاراً فنية لاجدال فيها، قررت أن أرحل إلى أرض السينما الحقيقية وعاصمتها الخالدة باريس، لدراسة هذا الفن والتخصص فيه أكاديمياً، رغم فقري وأمية والدي ومعارضتي للنظام السياسي القائم آنذاك، أي كنت محروماً من أية فرصة للحصول على زمالة دراسة أو بعثة دراسية على حساب الدولة، ولا إمكانية الاعتماد على تمويل الأهل لتكاليف دراستي للسينما والتي هي بنظرهم عار وفضيحة أخلاقية، ومع ذلك غامرت ورحلت لمقابلة جان ميتري الذي سبق لي وأن أرسلت له نصّاً عن فيلمه التجريبي باسفيك 231 نصاً تحليلياً لفيلم هيروشيما حبيبتي بالانكليزية، بالطبع لأني لم  أكن أعرف الفرنسية بعد. وكان معلمي وأبي الروحي الذي قادني ووجهني وأشرف على أطروحتي جان ميتري المؤرخ والمنظّر والأستاذ الجامعي ومؤسس المعهد العالي للدراسات السينمائية الإيديك للدراسات التقنية والمهنية  في مختلف الاختصاصات السينمائية، وقسم السينما في جامعة باريس للدراسات النظرية العليا في جماليات السينما ولغتها، وعلاقتها بالفنون الأخرى، لا سيما بالمسرح والفن التشكيلي والموسيقى والتصوير الفوتوغرافي وعلم النفس، وتبيان أوجه التداخل والتفاعل المشترك بينهم، هو الذي احتضنني ورعاني ووجهني. وأتذكر مقولته المؤثرة المحفورة في ذاكرتي :" يابني لاتقتحم السينما  ولا المسرح قبل أن تكتشف شكسبير وتقرأه بإمعان وتعمق فهو الجسر الواصل بين العالمين، فهو ليس فقط مصدر نصوص للإعداد السينمائي لمسرحياته فحسب، بل هو مصدر إلهام جمالي لازم وحتمي لبنية  الحلم البشري، وما عليك سوى التعرف على جان كوكتو ومارسيل بانيول وساشا غيتري وروجيه بلانشون وآريان منوشكين وأنطونين آرتو وأرسون ويلز وغيرهم، فهم فرسان هذين الفنين. فهناك المسرح المصوّر سينمائياً  والمسرح المؤفّلم أي المُعدّ فيلمياً، وهناك الأفلام التي حوّلت إلى مسرحيات والسينما الممسّرحة أو الأفلام التي تتبع الصيغ المسرحية في العرض والتمثيل، وسوف تكتشف كل ذلك وتتعرف عليه من خلالهم وأفلامهم ومسرحياتهم وعروضهم الفنية، أي سوف تكتشف السحر المصور أي سعيهم للشعر السينمائي".
أصابني الذهول وأنا اسمع كلام أستاذي ولم أكن قد اتقنت اللغة الفرنسية بعد فكان يحدثني ويعيد ترجمة ما يقوله بانتظام إلى الإنكليزية. فالسينما ترسم الناس كما هم في حين يصيغهم المسرح كما يجب أن يكونوا عليه. تعلمت كذلك أن لافائدة تجنى من مقارنة السينما بالمسرح أو المفاضلة بينهما، فالنتيجة دائماً زائفة ومفتعلة، فقبل أن نقوم بذلك علينا أن نعرف عن أي سينما نتحدث وأي مسرح نقصد. فأغلب منظّري السينما يمتلكون نظرة أحادية مسبقة وصنمية جامدة عندما يتحدثون عن المسرح دون أن يعيشوا المسرح على حقيقته ومتعته المتجددة في كل مساء، حيث يأخذ العرض حلّة أخرى جديدة، فهو حي ومتحرك ومتعدد كما هي السينما. فالمسرح أثر على السينما وأثراها ورفدها بمبدعين خلّدهم التاريخ، والسينما لم تنافس المسرح أو تنهيه، فكل واحد منهما قلد الآخر وانتهل منه مفرداته ومكوناته خاصة بعد ظهور السينما الناطقة. كان العظيم آيزنشتين قد أدرك هذه العلاقة الديالكتيكية بين الفنين لاسيما اللقاء بين مسرح الكابوكي الياباني والمحاولات المتجددة الجريئة للمسرح الحديث عندما يتوقف في لحظة ما عن أن يكون مسرحاً محض ويغدو سينما من نوع آخر، قطعاً ليست السينما التقليدية الشعبوية التي نعرفها. هي نوع يمكننا تسميته بالــ  - سين – م – سرح أو السينما المسرحية أو المسرح السينمائي، مثلما دمج العظيم الآخر آينشتين المكان والزمان في وحدة عضوية واحدة أسماها – الزمكان – فكلاهما يحتاج للمكان ومكوناته وتكويناته – ممثلين، ديكور ، إنارة، والزمان وإيقاعاته ومدته وجريانه ونقلاته ، وكلاهما يتوسل الملهاة والمأساة ، الكوميديا والتراجيديا، الدراما والميلودراما وكلاهما يخضعان لسلطان الميزانسين ــ أي الإخراج ــ  والسينوغرافيا وينهلان من التاريخ ومن عالم الكتابة والكتاب.  
بعض الفنانين المبدعين كانوا يشكلون حلقة الوصل بين الفنين المسرحي والسينمائي، فإما أن يكونوا مسرحيين مهتمين بالسينما أو العكس سينمائيين يهتمون بالمسرح ويتابعون تطوره ونشاطاته ويتعاطون معه بطريقة أو بأخرى كالمخرج السينمائي الراحل المبدع الكبير آلان رينيه، الذي كان يرتاد صالات العرض  المسرحي بانتظام ويعد بعض المسرحيات للشاشة ويختار ممثليه في أفلامه من مثلي المسرح ويدربهم على العمل أمام الكاميرا السينمائية وهو أسلوب يختلف تماماً عن التمثيل على خشبة المسرح كما هو معلوم. بعض رجال المسرح المشهورين في فرنسا وفي أوروبا وأمريكا تحولوا إلى السينما وأصبحوا من السينمائيين الذين يشار لهم بالبنان مثل مارسيل بانيول وجان كوكتو وساشا غيتري وجان آنوي وأنطونين آرتو ومارسيل آشار وباتريس شيرو  وبيتر بروك وبرتولد بريخيت وآنغمار برغمان.    
فجان آنوي على سبيل المثال كاتب مسرحي معروف تقدم مسرحياته باستمرار على مدار العام في الكثير من المسارح الفرنسية وقد قام بنفسه بإعداد مسرحيته الشهيرة "مسافر بلا متاع" للشاشة الفضية سنة 1952 وكتب السيناريو  لكن الفيلم لقي نكسة تجارية رغم مستواه الفني الرفيع وفشل فشلاً ذريعاً جماهيرياً، كما كتب حوار فيلم كريستيان جاك " Dégourdis de la onzième  سنة 1936 ، وحوار فيلم ريشار بوتييه  " كارولين العزيزة" سنة 1950، وكان حاضراً بقوة في فيلم المخرج جان غرميون الأقدام البيضاء" سنة 1948 وكان قد كتب سيناريو وحوار فيلم مارسيل دوفيفييه " آنا كارنين، كما أعد مسرحيته الشهيرة " بيكيت" للشاشة ومثل البطولة في الفيلم النجمان الشهير ريتشارد بيرتون وبيتر أوتول وإخراج بيتر غلينفيل. يقول  الفنان العبقري الغريب الأطوار أنطونان آرتو عن السينما، التي مثل فيها دور البطولة في فيلم "آلام جان دارك" إخراج كارل دراير، " أنها تغتال فينا الانعكاسات والتأملات" ، وكان يعشق أفلام ماكس براذر، كما عبر صاحب مسرح القسوة بالقول إن، شعر وفعالية وكفاءة المسرح التي لا تنفذ ولا تستهلك بسرعة ولا تستنفد لأنها تتقبل الفعل المتحرك المنفعل والفارض لنفسه ولا يعيد تكرار نفسه مطلقاً، المسرح بمثابة آلة علاج الوخز بالأبر الصينية للروح البشرية فهو، أي المسرح، لايستسلم للسرد لكي يتدخل في صميم اللحظة المسرحية  لكي يفجرها ويبعثرها كما هي الرمانة الناضجة، في حين أن السينما لا تتدخل على هذه الشاكلة بل تتكشف فحسب". لا يوجد من وجهة نظر صاحب المسرح وقرينه، فيلم يكون مصدراً للنار أو الطاعون الذي يحلم به آرتو كما عبر عنه في نظريته عن مسرح القسوة . وكلنا يتذكر الجدل الذي أثاره في أوساط اليسار الثر الفني الملتزم الذي قدمه فيرناردو سولاناس تحت عنوان "ساعة الأفران" والاستخدام العنيد للاقتباس الأحادي لــ "المتفرج الجبان" ولا يمكنه مسّ المعنيين المتماهين مع الممثلين ويوجهون انتقامهم لشخص ثالث كأن يكون جاراً أو أحد المارة، ويقيمون للشهداء نصباً متخيلاً أو خيالياً كما هو الحال مع تجشؤات غودار الذي يتمتع بتمسيح أو تملق متفرجين زبائن متواطئين مسبقاً أو مشاركة عملاء مكسوبين سلفاً . ومهما كانت صيغ آرتو خصبة في إطار مقاربات جديدة  لتقنيات الإخراج فإن صيغ آرتو كالتداخلات غير المبرهنة التي تحمل شكوى مماثلة من عدم القدرة على الهروب من دائرة ضيقة من الهواة  فلا يمكن للأبوكاليبس ـ أو نهاية العالم ـ أن ينقسم على نفسه أو ينشطر لأنه  ذو مصير واحد مشترك للجميع.

 



اضف تعليقك

شروط نشر التعليقات والتعقيبات في "المدى"

تود "المدى" أن تعلن لقرائها وزوار موقعها الالكتروني الكرام بان تعليقاتهم وتعقيباتهم على ما ينشر فيها يخضع لذات القواعد التي تحكم عملية النشر في الصحيفة الورقية والمتقيدة باخلاقيات الصحافة المتعارف عليها دولياً، وتؤكد انها لن تنشر ما يتعارض مع هذه القواعد وفقاً للآتي:

1 - يلتزم القراء وزوار الموقع الالكتروني بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وبعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب وهيئات الدولة والهيئات الاجتماعية وسائر الناس، بكلام جارح ونابِ ومشين ويحتوي على معلومات غير مؤكدة، ويلتزمون أيضاً بعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء.
2 – يحق لإدارة تحرير المدى ان تنقّح تعليق القارئ او الزائر بما يتناسب مع اللياقات الموصوفة اعلاه، وإطلاق الحوار البنّاء، مع الحفاظ على مضمون التعليق، أو أن تحجبه إذا كان غير مناسب أو متعارضاً مع قواعد النشر.
3 – تنطبق هذه الشروط على ما ينشر في الملاحق وسائر مواقع وإصدارات مؤسسة المدى
4 - لا تتحمل مؤسسة المدى أي مسؤولية مادية أو معنوية حيال صاحب التعليق.
الاسم:  
البريد الالكتروني:    
التفاصيل:  
رمز التحقق:
جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة المدى للاعلام والثقافة والفنون