المزيد...
سينما
2017/09/07 (00:01 مساء)   -   عدد القراءات: 3118   -   العدد(4011)
"بحبال الهوا".. "روابط قريبة".. "في الغابات .. ثلاث تجارب.. ثلاث رؤى
"بحبال الهوا".. "روابط قريبة".. "في الغابات .. ثلاث تجارب.. ثلاث رؤى


عبد الكريم قادري

استطاع مهرجان شرم الشيخ للسينما العربية والأوروبية خلال دورته الأولى التي عُقدت من 5 إلى 11 مارس/ آذار 2017، أن يستقطب إلى مسابقته الرسمية مجموعة من الأفلام المهمة والجديدة، خاصة في مسابقة الفيلم القصير التي شكّلت في مجملها 17 فيلماً قصيراً، عكست جغرافيات مختلفة من أوروبا والعالم العربي، تنوعت "ثيماتها" في المجمل.

واقتربت من الهمّ الإنساني وما يعيشه العالم اليوم من هجرات جماعية، بسبب ويلات الحروب وما ترتب عنها، كحال الفيلم السلوفيني "منزل جديد"، للمخرجة زيجا فريك، والفيلم السوري/ الفرنسي "ماريه نوستروم" 13 دقيقة، للمخرج رنا كزكز وانس خلف، وفيلم "الساطور" 17 دقيقة، للويس روز، من المملكة المتحدة، حتى فيلم "الببغاء" لأمجد الرشيد ودارين سلام، الذي يحمل الجنسية الأردنية والألمانية فهو عمل آخر يحمل في طياته الهجرة وإفرازاتها على المجتمع و"الآخر" المُستقبل أو المضيف، وهو ما يجمع هذه الأفلام رغم اختلاف طريقة المعالجة والتفاصيل، أما البقية وإن اختلفت في المضمون، فإنها تلتقي في الألم والخوف، أو تغرف من الماضي كي تحذر الحاضر، أو تُنبه وتساعد في بناء المستقبل بطريقتها.

"بحبال الهوا"  تكثيف المعاني وتثبيتها
يمتلك فيلم "بحبال الهوا" للمخرجة مانون نمور،  شحنة عالية من القلق والترقب، والخوف مما حدث أو سيحدُث، وهي انفعالات عكستها عناصر الفيلم مجتمعة، بداية من اللغة البصرية القوية التي ظهرت في ملامح الممثلين وأدائهم، والمعالجة الجيدة للمخرجة لقصة العمل، بالإضافة إلى التكثيف الدرامي، ما خلق إمكانية أن ينتقل هذا الاحساس إلى المُتلقي بسهولة، لعيش الحالة ويلبسها، إذ يمكن إسقاطها بسهولة على محيط أو مجتمع كامل، وقد كانت تجربة فنية فيها  الكثير من التناقضات الأسرية، إذ عكستها المخرجة مانون في اللعب على ملامح الشخصيات وانفعالاتهم المختلفة، ولم تتغافل عن التفاصيل الصغيرة، إذ من شأن أي جزئية بسيطة يتم إسقاطها أن تحكم على العمل وتخفض في مستوى نجاحه، خصوصاً وأن المدة الزمنية للفيلم لا تتجاوز 17 دقيقة، وبمقدور المتلقي/ المشاهد، أن يحس بقلق شخوص الفيلم وتطلعهم للماضي والحاضر، واشتياقهم لضحكة ما، ربما تكون الفاصل بين الترقب والخوف، ويمكن من خلالها أن يحكم على الفيلم بأكمله، دون تناسي باقي جماليات الفيلم، التي صنعها المونتاج، وقد نجحت المخرجة نمور بعد أن لعبت على وتر الاقتصاد في الصورة واختزالها، وشحنها بجماليات جديدة أسقطت المُشاهد في الدهشة، عن طريق خيوط معنوية، أدارتها متتالية جمالية أفرزتها عناصر الفيلم المختلفة، ولّدت معاني ومشهدية قوية، ومن هذا المنطلق تم التوصل إلى شراكة بين الجهتين، المخرجة والمُتلقى، تم فيها مراعاة العديد من الجوانب الفنية، واحترام عقل المشاهد، عن طريق خلق تنوع في الاحساس، لأن الفيلم القصير لا يحتمل من صانعه أن  يغزل مشاهد عادية سبق وأن طبعت في ذهن متلقي افتراضي مهما كانت مرجعيته الثقافية.
فيلم "بحبال الهوا" عكس مفهوم وقيمة الفيلم القصير، من خلال ما سبق وذكرته، ولقد مثل فيه جملة من الممثلين الكبار، الذين ساهموا بصنع أجوائه، جورج خباز، ديامند عبود، كرستين شوبري، حسان مراد، جوزيف ساسين، جوزيف شمالي، وقد رافق الفيلم موسيقياً سيديريك قايم، ومدير التصوير منصور عون.
"روابط قريبة" حكاية العمر كلّه
الفيلم البولندي "روابط قريبة" وثائقي من 18 دقيقة، للمخرجة الشابة صوفيا كوفاليفسكا، حصد جائزة عمود الجد الفضي على هذا الفيلم العميق، الصادق والإنساني، يفسر كيف يمكن للعلاقة الزوجية أن تستمر أو تتوقف، بسبب أو بآخر، واستطاعت المخرجة أن توثق لقصتيهما وتعطيها بعداً إنسانياً عميقاً، حيث طوّعت الزوجين رغم أنهما غير ممثلين، وكبيران في السن، أي أنها شخصيتين عاديتين من المجتمع،  إلا أنها استخرجت منهما تلك الحالة الإنسانية الراقية، والبعد الذي يختبأ في كل فرد منهما، سواء الزوج أو الزوجة، وكيف يكملان بعضهما رغم الخلاف والاقتراب من حافة الانفصال، حيث أثبتت المخرجة بأنهما فردان في جسد واحد، أو جسد واحد قُسّم لشخصين، وقد منحت المخرجة صوفيا في فيلمها الأمل للمتقدمين في السن، كي يستنبطوا أجمل ما فيهم، كي تستمر الحياة، بحكم أن الغفران أحد المعادلات الأساسية التي تضمن تواصل واستمرارية البشر، وهذا ما جعل الفيلم، يضمن نقاشاً ما، فور الانتهاء من كل جلسة مُشاهدة، حيث تتوالد الأسئلة وتتكاثر، مُفرزة جملة من الأفكار والرؤى المتلاحقة بأشكالها المتعددة، سواء كانت فنية في البناء والمتن الذي اعتمد في العمل، أو المعالجة والهدف، أو فكرية فلسفية في طرح الأسئلة وتنشيط العقل، ومن هنا يجيء هذا المغزى، وتتحقق بعض المآرب التي يتم الإيمان والتمسك القوي بها، بمجرد وضع البذرة الصحيحة، في التربة المشبعة بعناصر النمو و الحيوية، وهي الأسرة التي تعتبر نواة الحياة، وقد نجحت صوفيا كوفاليسكا في إثبات هذه القيمة الإنسانية.
 
"في الغابة" حياةٌ أخرى
"في الغابة" 13 دقيقة، هو فيلم وثائقي سويسري، للمخرجين كورنا شفينجروبر إليتش وتوماس هورات،  حصل على تنويه من لجنة التحكيم، وهو عمل ينقل أجواء حرفة تقطيع الخشب وجمعه، في الجبال والغابات الشاهقة فوق بحيرة "آجرى" السويسرية، تتم هذه العملية كل 4 سنوات وطوال ثلاثة أشهر في عز فصل الشتاء، إذ يتم بعدها تجميع الأشجار المقطوعة على البحيرة وتعويمها وتحويلها إلى المدينة، وحسب سياق الفيلم فإنه رغم التغييرات الاقتصادية والتكنولوجية غير أن هذه الحرفة لا تزال مستمرة، فيلم ذكي، وينعكس هذا الذكاء في الضبط الجيد للصور والكادرات، وتنوع زوايا التقاطها، بالإضافة إلى المونتاج الإيقاعي، ما ولّد ثراءً بصرياً جمالياً وشاعرياً كبيراً، إذ تحول مدير التصوير لوتسييوس فيسبه إلى مخرج الفيلم، إذ يظهر التعب الواضح الذي خاضه في هذا الفيلم الثري بصرياً، ناهيك عن المونتاج الذي قامت به كورنا شفينجروبر إليتش، من هنا صنعت التقنية وتسيرها الجيد، فيلم ينبض بالشاعرية والصفاء البصري.
على العموم جاءت الأفلام القصيرة في مجملها بمهرجان شرم الشيخ للسينما العربية والأوروبية الذي يرأسه جمال زايده ويديره فنياً الناقد أحمد حسونة، وتنظمه مؤسسة نون، متقاربة من ناحية القيمة الفنية، لهذا كانت هناك صعوبة كبيرة في اختيار الأفلام المتوّجة.



اضف تعليقك

شروط نشر التعليقات والتعقيبات في "المدى"

تود "المدى" أن تعلن لقرائها وزوار موقعها الالكتروني الكرام بان تعليقاتهم وتعقيباتهم على ما ينشر فيها يخضع لذات القواعد التي تحكم عملية النشر في الصحيفة الورقية والمتقيدة باخلاقيات الصحافة المتعارف عليها دولياً، وتؤكد انها لن تنشر ما يتعارض مع هذه القواعد وفقاً للآتي:

1 - يلتزم القراء وزوار الموقع الالكتروني بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وبعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب وهيئات الدولة والهيئات الاجتماعية وسائر الناس، بكلام جارح ونابِ ومشين ويحتوي على معلومات غير مؤكدة، ويلتزمون أيضاً بعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء.
2 – يحق لإدارة تحرير المدى ان تنقّح تعليق القارئ او الزائر بما يتناسب مع اللياقات الموصوفة اعلاه، وإطلاق الحوار البنّاء، مع الحفاظ على مضمون التعليق، أو أن تحجبه إذا كان غير مناسب أو متعارضاً مع قواعد النشر.
3 – تنطبق هذه الشروط على ما ينشر في الملاحق وسائر مواقع وإصدارات مؤسسة المدى
4 - لا تتحمل مؤسسة المدى أي مسؤولية مادية أو معنوية حيال صاحب التعليق.
الاسم:  
البريد الالكتروني:    
التفاصيل:  
رمز التحقق:
جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة المدى للاعلام والثقافة والفنون