آراء وافكار
2017/09/09 (00:01 مساء)   -   عدد القراءات: 1224   -   العدد(4012)
العراق.. وطنٌ منهوب |  (2-2)  |
العراق.. وطنٌ منهوب | (2-2) |


 د. قاسم حسين صالح *

مقاربات بين نظامين ضدين

 

توطئة
تنطلق هذه الورقة من حقيقة أن من يتسلم السلطة في العراق فإنه يمتلك الثروة ويستفرد بها،وتهدف الى اجراء مقاربات بين النظام الدكتاتوري الذي سقط في 2003 والنظام الديمقراطي الذي خلفه،  في أيهما كان أكثر نهباً للعراق وأكثر إفقاراً لأهله. ويعني (النهب) وفقاً لقاموس المحيط ،الغنيمة بلا مشقة، فيما نعني به هنا قيام الناس بأخذ أو سلب ممتلكات عامة أو خاصة، وقيام الحاكم بأخذ أموال وممتلكات تخصّ الدولة والمواطنين.
***
تناولنا في الحلقة الأولى موجز ما حصل من عمليات نهب في اثناء وخلال سقوط النظام الدكتاتوري (2003)، ونخصص هذه الحلقة لمقاربات بين حكّام النظامين (الدكتاتوري والديمقراطي) في نهب ثروة الوطن وقوت العراقيين.

المقاربة الأولى: الفساد
   تعود بداياته الى العام 1980 داخل المؤسسة العسكرية تحديداً، بين ضباط وميسوري الحال من المجندين كانوا يدفعون رشاوى و «هدايا» الى آمريهم للحفاظ على حياتهم أو الحصول على إجازة يمارسون فيها أعمالاً تدرّ عليهم رزقاً أوفر من رواتبهم. الى جانب «شراء» قادة عسكريين بمنحهم أوسمة شجاعة ومكافآت مالية ضخمة وأراضي، خلقت منهم فئة ثرية جداً، ولّدت لدى الضباط الآخرين الشعور بالحيف فأخذوا «حقهم» من الدولة بالرشى والاختلاس، ما نجم عنه «تطبيع نفسي» مهّد للانزلاق الى الفساد.
‎وجاء الحصار الذي اضطر أساتذة جامعات ومدرسين لأن يعملوا (سواق أجرة،وجلاّس «بسطيات») لبيع السجائر، فدخل الفساد المؤسسات التربوية المسؤولة عن بناء الأخلاق ليلوّث الضمائر الفتية ويهيئها لمرحلة القبول حين تصبح شابة، لينتقل «التطبيع» الذي مارس عملية «ترويض الضمير» ثماني سنوات، الى حالة  "القبول" المبرر نفسياً لثلاث عشرة سنة حصار، عمد فيها كثيرون الى اعطاء ضميرهم الاخلاقي (اجازة) حين رأوا رعاة القوم ينعمون، فيما أطفالهم شاحبون وزوجاتهم يتحسرون على ثوب جديد.
تلك حيثيات عملت على إشاعة الفساد في زمن النظام الدكتاتوري. غير أن ما حصل في 2003 هو أن التغيير أطاح بالنظام ولم يطح بالفساد. بل أنه وجّه طعنة في الظهر تقابل الطعنة التي سددها النظام السابق الى صدر المنظومة القيمية والأخلاقية للمجتمع العراقي.. وكانت أوجعها بيد برلمان 2005 التي التف بها على مبدأ الحلال والحرام وطرحه أرضاً (بشرعنة قانونية)..افضى، بعد أن توسع في مؤسسات الدولة، الى توليد انطباع عام لدى الناس هو أن الحكومة غير جادة في محاربة الفساد، بنوعيه(الشرعنة) والنهب. فالمسؤولون الكبار  نهبوا  ملايين الدولارات ولم يحاسبوا، مما أثار الشك عند الناس بأن صمت الحكومة عنهم يعني أنها شريكة معهم. وجاءهم الدليل من المسؤول الأول في الدولة السيد نوري المالكي الذي اعترف علناً بأن لديه ملفات فساد لو كشفها لأنقلب عاليها سافلها، فصار المواطن مقتنعاً بأنه لا يمكن لحكومة فاسدة أن يكون رئيسها نزيهاً. وازداد خيبة، أن حكومة السيد حيدر العبادي تخلت عن وعدها بمحاسبة الفاسدين، وازداد احباطاً بتبادل التهم بين معممين ومدّعين بالزهد والنزاهة، أوصله الى أن يردّ على ضميره: (إذا كان قدوتي يرتكب هذا الفعل.. فأنا لست بأحسن منه، وإذا كان حراماً.. فلأضرب ضربتي.. ثم أذهب الى الحج واستغفر ربي.. والله غفور رحيم!).
ومن غرائب أمور العراق، إن رئيس الوزراء السيد نوري المالكي، قال في عام 2009، إنه تم تخصيص: (18 مليار دولار للزراعة،25 مليار دولار لبناء وحدات سكنية،25 مليار دولار لبناء السكك الحديدية والمطارات،4 مليارات دولار لبناء المدارس)، وإن السيد رئيس الوزراء حيدر العبادي تساءل في 2014، أين ضاعت هذه الثروة الضخمة؟، وهل مقبول أن تضيع على البذخ..،؟. والمفارقة، أن كليهما من حزب الدعوة! الذي أوصل الحال الى أن يضطر الحكومة نفسها الى الاعتراف بأن الفساد صار وباءً، فضلاً عن القوى السياسية والناس والمرجعية الدينية، التي وصفت الحكومة بأن فيها حيتاناً ولصوصاً، والتقارير المحلية والعالمية التي أجمعت على أن العراق صار في الزمن الديمقراطي، ثاني أفسد دولة عربية ورابعها في العالم، وما كان يعدّ من الدول الفاسدة مالياً في الزمن الديكتاتوري.. وبها يسجل العراق الجديد ثلاث مفارقات عالمية غريبة،
الأولى: أن النظام الديمقراطي يمكن أن يكون أكثر فساداً من النظام الدكتاتوري.
الثانية: أن الغرب الذي وصم الإسلام بـ(الإرهاب)،أضاف له  قادة أحزاب الإسلام السياسي في العراق وصمة جديدة بأنه الأكثر فساداً في كل الأديان!.
والثالثة: مع أن الشعب في النظام الديمقراطي يمكن أن يسقط فاسداً في حكومة، فإنه لا يستطيع أن يطيح بكبار الفاسدين اذا كان طائفياً، حتى لو كان اكثر من نصفه ناقماً على حكامه.
وقضية علمية أخرى غفلها كثيرون، هي أن الأحداث في عراق الزمن الديمقراطي جادت على علماء النفس والاجتماع  بما يمكن عدّه نظرية ( أو قانوناً اجتماعياً)، خلاصتها:
(اذا زاد عدد الأفراد الذين يمارسون تصرّفاً يعدّ خزياً،
وغضّ الآخرون الطرف عن إدانته اجتماعياً أو  وجدوا له تبريراً،
وتساهل القانون في محاسبة مرتكبيه.. تحول الى ظاهرة
ولم يعدّ خزياً كما كان).
المقاربة الثانية: الاستيلاء على ممتلكات الدولة والناس
في زمن النظام الدكتاتوري، كان حزب البعث هو الحاكم، وكان يعدّ مؤسسات الدولة ملكاً له، لكنه كان يعتمد القانون في عائدية الملكية. ومع أن صدام حسين بنى ما يزيد على ستين قصراً، فإن الوثائق كشفت بأنه لم يسجلها بأسمه الشخصي. وباستثناء خاله (خير الله طلفاح) الذي استولى على احياء بمنطقة جميلة في بغداد، فإنه لم يجرؤ أحد في عهده على أن يتجاوز على ملكية تخص الدولة أو عقاراً يعود الى مواطن، لأن القانون كان هو السائد، وإن الناس كانوا يخافون جبروت الطاغية الذي يعد نفسه هو الدولة. وما حصل في زمن الحكم الديمقراطي، إن القانون انتهك وحصل نهب لممتلكات الدولة والمواطنين لم يشهده العراق حتى في تاريخه العثماني. فالمسؤولون الجدد احتلوا القصور الرئاسية وتقاسموها فيما بينهم، وأحزاب الاسلام السياسي استولت على عقارات تخص الدولة، يتصدرها حزب الدعوة ، ليس في العاصمة بغداد فقط، بل وفي المحافظات أيضاً. ففي مدينة الديوانية مثلاً، استولى حزب الدعوة على مبنى يعود لوزارة الثقافة واتخذه مقراً له، رافضاً مطالبة الوزارة بإخلائه التي أقامت عليه دعوى قضائية. ومن طريف ما يذكر، أن عدداً من كادر حزب الدعوة لا يؤدون الصلاة في هذا المكان لأنهم يرونه (مغتصباً)!.ويعدّ السيد عمار الحكيم من اكثر قادة الاسلام السياسي استيلاءً على ممتلكات الدولة والأشخاص، بالإكراه أو بالإغراء.. إذ استولى على مناطق كبيرة في أجمل وأغلى أحياء بغداد الواقعة على نهر دجلة، من الجسر ذي الطابقين في الكرادة الشرقية الى ساحة الأندلس، فضلاً عن احياء واسعة في مدينة النجف.. ليشهد العراق اوسع عملية استيلاء على ممتلكات الدولة والمواطنين لاسيما المسيحيين، ما حصلت في تاريخه، وإن الذين اغتصبوها، هم حكام ومسؤولون  بينهم ملتحون ومعمّمون يعلنون عن انفسهم بأنهم دعاة مسلمون ملتزمون بمبادئ الدين الاسلامي وسنّة نبيه وأخلاق أهل بيته!.

استنتاج ختامي
إن العراق وطن منهوب، ثروة وأرضاً، من حكّامه الدكتاتوريين والديمقراطيين. وإن النهب في زمن النظام الديمقراطي كان أوسع وأبشع مقارنةً بالنظام الدكتاتوري. ولا يمكن حالياً استعادة المنهوب من حكّام استفردوا بالسلطة ويشعرون بالخوف من شعب افقروه وأذلّوه. وإن التظاهرات المطالبة بالإصلاح ومحاكمة الفاسدين من سبع سنوات، واسترداد ما يعادل ميزانيات ست دول عربية نهبوها.. لن يستجيبوا لها ما لم يكن هنالك توجّه جديد يوحّد القوى الوطنية والمدنية والعلمانية والدينية المنفتحة لتخليص الوطن من حضن ناهبيه.
* مؤسس ورئيس الجمعية النفسية العراقية



اضف تعليقك

شروط نشر التعليقات والتعقيبات في "المدى"

تود "المدى" أن تعلن لقرائها وزوار موقعها الالكتروني الكرام بان تعليقاتهم وتعقيباتهم على ما ينشر فيها يخضع لذات القواعد التي تحكم عملية النشر في الصحيفة الورقية والمتقيدة باخلاقيات الصحافة المتعارف عليها دولياً، وتؤكد انها لن تنشر ما يتعارض مع هذه القواعد وفقاً للآتي:

1 - يلتزم القراء وزوار الموقع الالكتروني بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وبعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب وهيئات الدولة والهيئات الاجتماعية وسائر الناس، بكلام جارح ونابِ ومشين ويحتوي على معلومات غير مؤكدة، ويلتزمون أيضاً بعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء.
2 – يحق لإدارة تحرير المدى ان تنقّح تعليق القارئ او الزائر بما يتناسب مع اللياقات الموصوفة اعلاه، وإطلاق الحوار البنّاء، مع الحفاظ على مضمون التعليق، أو أن تحجبه إذا كان غير مناسب أو متعارضاً مع قواعد النشر.
3 – تنطبق هذه الشروط على ما ينشر في الملاحق وسائر مواقع وإصدارات مؤسسة المدى
4 - لا تتحمل مؤسسة المدى أي مسؤولية مادية أو معنوية حيال صاحب التعليق.
الاسم:  
البريد الالكتروني:    
التفاصيل:  
رمز التحقق:
جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة المدى للاعلام والثقافة والفنون