آراء وافكار
2017/09/09 (00:01 مساء)   -   عدد القراءات: 685   -   العدد(4012)
الحاكم والتنوع الاجتماعي!
الحاكم والتنوع الاجتماعي!


 غالب حسن الشابندر

العراق بلد التنوع الديني والمذهبي والعرقي، ولم تكن هذه الظاهرة طارئة على العراق  بل هي قديمة قدم العراق، كل مكون من مكونات الشعب العراقي يملك تأريخه الفكري والسياسي والتراثي واللغوي، فلا المسلمون طارئون على العراق،  ولا المسيحيون، ولا غيرهم من الملل والنحل. كذلك لم يكن عرب العراق غرباء على الجسم العراقي، ولا أكراده، ولا تركه، ولا  أيّ قومية من القوميات التي تشارك في تكوينه.. فهذا هو العراق منذ زمن، مساحة مذهلة من التنوع  ....

يرى الكثير من الباحثين وعلماء الاجتماع، أن التنوع الديني والمذهبي والعرقي لأيّ مجتمع من المجتمعات البشرية دليل عافية وقوة ومنعة، لأن كل نحلة وكل قومية وكل مذهب عبارة عن تأريخ، عبارة عن ثقافة، وعبارة عن خبرة، وبالتالي، فإن وجود كل هذه الخبرات ، وكل هذه الثقافات، وجود بعضها إلى بعض، قد يوفر أروع فرصة للتلاحم الفكري، ويهيئ مجالاً عظيماً للتزود المتبادل بالفكر والتجربة والعطاء، ومن ثم خلق مجتمع  خلاق، مجتمع يتحدى الفناء، ويتغلب على الجدب الفكري والروحي .
الحقيقة أن هذا التنوع لا يمكن أن يكون مصداقاً لما يقوله هؤلاء العلماء، إذا لم تتوفر مصفوفة من الشروط، والمستلزمات، فالتنوع وحده طاقة محايدة تحتاج إلى أسباب من خارجها، تجعلها فعّالة نشطة، معطاء، ومن أبرز هذه الشروط هي الحرية والعدالة.
الحرية الفكرية والدينية والروحية ، والعدالة الاجتماعية بكل ما تعنيه من تساوٍ في الحقوق والواجبات بين كل أبناء الوطن الواحد . ولذا ليس غريباً أن يرى بعضهم أن التنوع الاجتماعي في نطاق الوطن الواحد قد يتحول إلى خطر يهدد وحدة الوطن، وقد يكون مدعاة خلق الكثير من المتاعب، بما في ذلك حروب أهلية، التي هي من  أسوأ ما تصاب بها المجتمعات المتنوعة عرقياً ودينياً ومذهبياً، وأمامنا التجربة اللبنانية كمثال حي على ذلك، فقد حولت الحرب الأهلية لبنان إلى آتون لا يطاق، وما زال  اللبنانيون يتوجسون خوفاً من عودة تلك الحرب اللعينة، بسبب ما جرته عليهم من ويلات ومصائب يشيب لها الولدان .
أن التنوع الروحي والديني والفكري والقومي يتحول إلى قوة دافعة إلى الأمام، فيما إذا ساد العدل بين طوائفه وقومياته ومذاهبه، كما أن الحرية للجميع شرط صميمي لتواصل كل هذه الطاقات في مسيرة متوحدة، تهدف البناء والتقدم في شتى المجالات والميادين.
تأصيل العدالة بين الطوائف والقوميات والمذاهب قضية حتمية لكل مجتمع متنوع يريد العيش بسلام، ويريد أن يطور من وجوده، ومن هنا نقول، وبتركيز ، أن سلامة العراق، وتطور الشعب العراقي، يعتمد إلى حد كبير على وجود نظام سياسي عادل، يؤمن بالحرية، فإن كلا البعدين، يؤسس لمجتمع متنوع فاعل وخلاق، وبغير ذلك تنتظرنا الكارثة.
إن الطائفة المظلومة اقتصادياً، أو القومية المحرومة من حقها الثقافي، أو المذهب المحارب، كل هذه المقتربات تتحول  إلى عالة على الوطن، شوكة مضرة في جنب المجتمع الذي تنتمي إليه، فيما لو سادت العدالة الاجتماعية كل أبناء الوطن، على اختلاف أديانهم ومذاهبهم، وقومياتهم، وفيما إذا كانت الحرية من حق الجميع، حيث لكل قومية الحق في إحياء تراثها، ولكل مذهب  الحرية في العمل بتراثه وتصوراته من دون مضايقة أو تسفيه... في مثل هذه الحالة نكون قد وفرنا فرصة لكل  فرد من أفراد المجتمع أن  يكون عنصراً فاعلاً، بنّاءً، وليس إلى عنصر عاطل عن الخلق والعطاء والإبداع .
هنا ، ومن هذه النقطة بالذات تتحدد بعض معالم القيادات التي نتطلع إليها في قيادة العملية السياسية في العراق،  في الحكومة، أو في الجمعية الوطنية، أو في الأحزاب، أو في القضاء، أو في أي مجال من مجالات قيادة البلد وصنع قراره السياسي والاقتصادي والقانوني  ، أن قيادة العراق تعني قيادة أكثر من انتماء ديني، وأكثر من انتماء قومي، وأكثر من انتماء مذهبي ... قيادة كل هذا التنوع  في سياق وحدة وطنية حقيقية، وتماسك شعبي قوي، وبالتالي، نرى أن من أبرز ما نحتاجه هنا، قيادات تؤمن بالحرية،  تؤمن بالعدالة الاجتماعية، متزودة بثقافة وطنية، تسمو فوق كل انتماء آخر .
إن التنوع الاجتماعي سلاح ذو حدين، نعمة أو نقمة، وكل ذلك يتوقف على توفير هذين المبدأين الجوهريين، أي الحرية من جهة، والعدالة من جهة أخرى، على أن نفهم ليست الحرية هنا هي حرية فرد، ولا العدالة الاجتماعية هنا هي أنصاف هذا وذاك من أبناء العراق من ثروة العراق، بل حرية وجود أكبر، حرية مكونات، مكونات عرقية ودينية ومذهبية، تتصل بالتكوين الثقافي والروحي والديني والتراثي واللغوي لهذه المكونات، حيث يتحول العراق إلى فسيفساء متنوعة ظاهراً، كل القوميات وكل الأديان وكل المذاهب تمارس حقوقها بحرية مكفولة، بحرية واثقة من نفسها ، كما أن العدالة هنا تستوجب في بعض الأحيان إنصاف طائفة أو دين أو قومية بأكملها، لأن هناك ظلماً طائفياً وقومياً للأسف الشديد .
إن قيادات سياسية وفكرية تؤمن بهذه اللغة كفيلة أو من العوامل الرئيسة التي يمكن أن تسهم في خلق شعب عراقي متماسك، شعب عراقي يؤمن بالتوحد، ويؤمن بالمصير الواحد .
إن قيادات سياسية تمتلك حسّاً وطنياً مشبعاً بحب الوطن، ولم تمارس من قبل سياسة بطش باسم القومية أو باسم الدين، قيادات سياسية متسلحة بروحية سامية، تتطلع إلى المثل العليا، رغم إيمانها واعتزازها بانتمائها الديني والمذهبي والقومي، مثل هذه القيادات هي التي نحتاجها اليوم في قيادة وصناعة وتوجيه وتصميم العملية السياسية في العراق، وإلا سيكون الطوفان.
وفي الحقيقة الجمع بين الانتماء القومي والديني والمذهبي من جهة، وانتهاج سياسة وطنية، تقوم على حب الوطن، والعمل على رقيه  من جهة أخرى،  تعد من أبرز الإشكالات التي تواجهها العملية السياسية في البلدان المتعددة القوميات والأديان والمذاهب، فقد كانت الحروب الأهلية من أهم ما ابتلت بها هذه البلدان، سواء في أفريقيا وآسيا، بل وحتى في بعض مناطق أوربا، حيث كانت هناك مجازر التطهير العرقي والديني، ولم يكن ذلك إلا بسبب فقدان القيادات الناضجة التي جعلت من الانتماءات العرقية والدينية والمذهبية هي المقياس، لا يعني هذا أننا نطالب بقيادات مثالية، متجردة من انتماءاتها العرقية والدينية والمذهبية، فذلك مطلب خيالي، بل تعطيل لمسيرة الحياة، ولكن نطالب بقيادات قادرة على الجمع بين هذه المقتربات، الجمع بين مسؤولية الوطن بحسٍ عالي الهمة، وبين اعتزاز بباقي الانتماءات، وهنا تكمن عبقرية وحنكة القيادة السياسية في بلد مثل العراق .إن مثل هذه القيادات لا تنبع من فراغ، بل من تجربة فكرية مضنية، من تجربة ثقافية عميقة وواسعة، ولذا، وتبعاً لما قلناه ، فإن العراق اليوم في أمسّ الحاجة لمثل هذه القيادات، القيادات التي تملك رصيداً عالياً من الثقافة والاطلاع .إن التنوع الاجتماعي نعمة من الله تعالى على بعض البلدان، وها هي أوربا، على عظمة تراثها، وعلى  ما تملك  من قدرات علمية وتقنية هائلة ، تسعى لخلق مجتمع متعدد الثقافات، فيما يجيش الشرق، والعراق في المقدمة بثقافات وأديان ومذاهب وقوميات متعددة، غنية، عريقة، ولكن نحتاج إلى القيادات التي تقدر القيمة المعنوية لهذا التعدد، لكي نخلق عراقاً جديداً، يموج بالحياة الناضجة النشطة المعطاء.



اضف تعليقك

شروط نشر التعليقات والتعقيبات في "المدى"

تود "المدى" أن تعلن لقرائها وزوار موقعها الالكتروني الكرام بان تعليقاتهم وتعقيباتهم على ما ينشر فيها يخضع لذات القواعد التي تحكم عملية النشر في الصحيفة الورقية والمتقيدة باخلاقيات الصحافة المتعارف عليها دولياً، وتؤكد انها لن تنشر ما يتعارض مع هذه القواعد وفقاً للآتي:

1 - يلتزم القراء وزوار الموقع الالكتروني بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وبعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب وهيئات الدولة والهيئات الاجتماعية وسائر الناس، بكلام جارح ونابِ ومشين ويحتوي على معلومات غير مؤكدة، ويلتزمون أيضاً بعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء.
2 – يحق لإدارة تحرير المدى ان تنقّح تعليق القارئ او الزائر بما يتناسب مع اللياقات الموصوفة اعلاه، وإطلاق الحوار البنّاء، مع الحفاظ على مضمون التعليق، أو أن تحجبه إذا كان غير مناسب أو متعارضاً مع قواعد النشر.
3 – تنطبق هذه الشروط على ما ينشر في الملاحق وسائر مواقع وإصدارات مؤسسة المدى
4 - لا تتحمل مؤسسة المدى أي مسؤولية مادية أو معنوية حيال صاحب التعليق.
الاسم:  
البريد الالكتروني:    
التفاصيل:  
رمز التحقق:
جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة المدى للاعلام والثقافة والفنون