الاعمدة
2017/09/08 (21:01 مساء)   -   عدد القراءات: 499   -   العدد(4012)
باليت المدى
البحث عن لوحة فنسنت
ستار كاووش




من خلال نافذة الباص الأحمر، شاهدت بشكل خاطفٍ ملصقاً كبيراً طبعت عليه لوحة فنسنت فان غوخ وهو يربط جانب وجهه بضمادة كبيرة، عندها عرفت بأنني قد تجاوزت المكان الذي يجب عليَّ النزول فيه. توقف الباص في الجهة الاخرى من نهر التايمز قرب المسرح الوطني، فهبطت خارجاً، لأعود أدراجي قاطعاً جسر واترلو بإتجاه متحف (كورتلد غاليري)، عند نهاية الجسر عطفت نحو اليمين بمحاذاة النهر لأجد نفسي وسط باحة قصر (سومرست هاوس) الذي يعود بناؤه لسنة ١٨٠٠. اخترقت النافورات الكبيرة التي تجمع عندها عدد كبير من الناس، لأتوقف بعد دقيقتين متأملاً ملصق فنسنت من جديد قرب باب المتحف. دخلت الى المتحف الذي يَضُّمُ واحدة من اكبر واهم المجموعات الفنية للأعمال الانطباعية ومابعد الانطباعية، والذي قام بتأسيسها في هذه البناية الجميلة، جامع اللوحات صموئيل كورتلد سنة ١٩٣٢،الذي كان عاشقاً للوحات الانطباعيين وما بعد الانطباعيين ويمتلك مجموعة هائلة من أعمالهم.
كنت ابحث عن لوحة فان غوخ التي وُضِعَت على الملصق، لكني فوجئت بلوحة أدوارد مانيه (حانة فولي بورجير) امامي، وكأن الفتاة النادلة التي تضع يديها على مسند البار تسألني عن شرابي المفضل، حيث إصطفت أمامها قناني الشمبانيا والنبيذ الفاخر. لوحة مليئة بالحياة والضوء والمتعة، نسيت كل شيء وبقيت اتابع التقنية واللون وحركة الفرشاة التي كان صاحب (غداء على العشب) يسحبها بعناية وحساسية فوق هذه القماشة التي تحولت الى أعجوبة فنية فريدة. لوحة أخرى وُضِعَتْ بجانب هذه اللوحة، وهي (الشرفة) للعبقري الآخر رينوار، تظهر فيها امرأة باريسية بملابس السهرة المترفة وهي تتابع عرضاً مسرحياً من خلال الشرفة، بينما الرجل الذي معها يراقب العرض من خلال منظار مقرب. ولكي تكتمل الأجواء الباريسية الأنيقة، ها هُن راقصات ديغا يتمايلن مثل بجعات بيض وهن يؤدين بعض الحركات الراقصة، وهذا الموضوع كان مفضلاً لهذا الرسام الذي تناوله في عشرات اللوحات الخالدة. هناك اعمال أخرى عظيمة ومهمة في تاريخ الفن ضمها هذا المتحف، مثل لوحات جورج سوراه التنقيطية التي رسم فيها ضفاف نهر السين وبعض المناظر الباريسية، كذلك لوحات سيزان التي مهد من خلالها للتكعيبية وبشر بها وهو يضع لمساته التي تتقاطع مع بعضها ببناء قوي ومحكم ليرسم جبل سانت فكتور. أتجول وسط اللوحات، فتتبين لي واحدة من عاريات موديلياني، تميل برأسها نحو الأسفل بينما جسدها يميل الى الامام ويوحي بأنها قد صحت تواً من خدر النوم. استرسلُ مع اللوحات لأتوقف عند لوحة شيخ الانطباعيين بيسارو التي رسم فيها عملاً أخّاذاً اقترب من التجريد، حيث يظهر الناس وعربات باريس تحت تأثير الضباب الذي غلف كل شيء وغطى ملامح وتفاصيل المدينة.
قبل أن اخرج سحبت نفسي لأقف بصمت امام لوحة فنسنت فان غوخ التي رسمها لنفسه في حالة درامية مؤلمة، واعني لوحتة التي رسمها بعد قطع أذنه بوقت قصير حيث يلتف الضماد على وجهه الصامت ونظراته الحزينة وملامحه التي تثير الكثير من التساؤلات، يضع على رأسه قبعة غريبة الشكل تذكرنا بالقبعات الروسية، ويرتدي سترة خضراء ثَبَّتَ زرها الأعلى فقط كإشارة لعدم الاهتمام واللامبالاة. وجه يميل الى اللون الأصفر مع خلفية صفراء يظهر عليها واحداً من الرسوم اليابانية التي كان يعلقها في مرسمه. ليس هناك دراما أكثر مما نراه في هذا البورتريت، انها قفزة مبكرة نحو التعبيرية التي مهد لها هذا الفنان، وهي خطوة كبيرة تخطوها الانطباعية نحو فن اكثر قوة وطليعية.
بقي هاجس فان غوخ يشغل عاطفتي وأنا أسير خارجاً من المتحف، لأتوقف بعد مئة متر تقريباً عند مقهى نيرو، نظرت الى واجهته الزجاجية ودخلت حيث امتلأ المكان بكراسي خشبية بلون بني يميل الى الأحمر، فتوجهت الى طاولة البار الدائرية المصنوعة من المرمر، لأطلب فنجان قهوة من النادلة التي استقبلتني بابتسامة ودودة، وانا مازلت أفكر بفنسنت الذي غيَّرَ الرسم رغم انه لم يبع أية لوحة حين كان على قيد الحياة.



اضف تعليقك

شروط نشر التعليقات والتعقيبات في "المدى"

تود "المدى" أن تعلن لقرائها وزوار موقعها الالكتروني الكرام بان تعليقاتهم وتعقيباتهم على ما ينشر فيها يخضع لذات القواعد التي تحكم عملية النشر في الصحيفة الورقية والمتقيدة باخلاقيات الصحافة المتعارف عليها دولياً، وتؤكد انها لن تنشر ما يتعارض مع هذه القواعد وفقاً للآتي:

1 - يلتزم القراء وزوار الموقع الالكتروني بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وبعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب وهيئات الدولة والهيئات الاجتماعية وسائر الناس، بكلام جارح ونابِ ومشين ويحتوي على معلومات غير مؤكدة، ويلتزمون أيضاً بعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء.
2 – يحق لإدارة تحرير المدى ان تنقّح تعليق القارئ او الزائر بما يتناسب مع اللياقات الموصوفة اعلاه، وإطلاق الحوار البنّاء، مع الحفاظ على مضمون التعليق، أو أن تحجبه إذا كان غير مناسب أو متعارضاً مع قواعد النشر.
3 – تنطبق هذه الشروط على ما ينشر في الملاحق وسائر مواقع وإصدارات مؤسسة المدى
4 - لا تتحمل مؤسسة المدى أي مسؤولية مادية أو معنوية حيال صاحب التعليق.
الاسم:  
البريد الالكتروني:    
التفاصيل:  
رمز التحقق:
جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة المدى للاعلام والثقافة والفنون