المزيد...
آراء وافكار
2017/09/13 (00:01 مساء)   -   عدد القراءات: 863   -   العدد(4016)
لماذا لا نفعل ذلك الآن؟
لماذا لا نفعل ذلك الآن؟


 د. عماد عبد اللطيف سالم

أعلنَ البنك المركزي المصري (في 10-9-2017) أنَّ البيانات الأوليّة قد أظهرت ارتفاع إجمالي تحويلات المصريين العاملين بالخارج خلال شهر يوليو/ تموز 2017 بمعدل 43.9% لتُسجّل نحو 1.8 مليار دولار (مقابل نحو 1.2 مليار دولار خلال شهر يوليو/ تموز 2016 ).

وتأتي هذه الزيادة كإحدى أهمّ نتائج قرار البنك المركزي بتحرير سعر الصرف، حيث ارتفعت تحويلات المصريين العاملين بالخارج خلال المدة من نوفمبر/ تشرين الثاني، إلى يوليو تموز 2017/2016 بمقدار 1.9 مليار دولار لتسجّل نحو 14.5 مليار دولار (مقابل نحو 12.6 مليار دولار خلال ذات المدة من العام المالي السابق).
إنَّ استقطاب 14.5 مليار دولار، وضخّها من الخارج الى داخل الاقتصاد المصري، هو أحد النتائج المهمة لقرار الحكومة المصريّة الشجاع بخفض سعر صرف الجنيه المصري مقابل الدولار الأمريكي .
وجميعنا نتذكّر كيف ارتفعَ "عويل" الكثيرين يومها ، للتخويف من "حقيقة" (أو حماقة) اقتصادية "مُطلَقة" مفادها أنّ هذا الإجراء سيُلحِق ضرراً هائِلاً بالاقتصاد المصري المُنهَك (والذي يقف على حافّة الإفلاس)، وسيعمل على إفقار المصريّين (الفقراء أصلاً) بفعل ارتفاع معدلات التضخّم (المستوى العام للأسعار).
وبعد مرور أقل من عام على ذلك، بدأ معدّل التضخّم بالانخفاض تدريجيّاً في مصر الآن، وتمكّنَ 100 مليون مصري من التعايش مع قرار حكومي مدروس وسليم (من الناحيتين الاقتصادية والماليّة)، ومُتوافَق عليه مع "السُلطة النقدية" مُمثّلة بالبنك المركزي المصري .
أمّا لدينا في العراق، فإنّ سعر صرف الدينار مقابل الدولار الأمريكي هو "خطّ أحمر" ، وشأن "مُقدّس" من شؤون السياسة النقدية المُلتَبِسة في هذا البلد . و "الاستقرار النقدي" لدينا هو أهمّ بكثير من أعاصير الخراب متعدّد الأبعاد التي تضربُ العراقَ طولاً وعرْضاً، وهو أهمّ بكثيرٍ من إعمار هذا الخراب، وأهمّ من التنمية .
و "مزاد العملة" (أو "نافذة بيع العملة" في البنك المركزيّ) هو الآخر شأنٌ مُقدّس، ولا يجوزُ المساسُ بقدسيّتهِ لأنّهُ يحمي الاقتصاد و "قيمة الدينار"  من ("تسونامي" كتلة النقد الضخمة في التداول)، دون أن يكلّف أحدٌ نفسه مسؤولية البحث في جدوى وفاعلية البدائل المطروحة، والأقلّ ضرراً ، من هذا "المزاد" ، أو أن يعملَ بجديّة وصدق على وضع هذه البدائل (وقد أشبعها بعض الاقتصاديين العراقيين بحثاً وتحليلاً) موضع التطبيق .
وها نحنُ الآن .. نستدينُ بضع مئات الملايين من الدولارات من الدول الأخرى (كقروض أجنبيّة)، ونتحمّلُ عبء سداد اقساطها وفوائدها (نحنُ والأجيالُ اللاحقة لنا) ، في ذات الوقت الذي نبيع فيه مليارات الدولارات سنوياً من خلال تلكَ "النافذة" المفتوحةِ على وسعها (لتلبية احتياجات القطاع الخاص "التجاري"  من الدولار).
وبهذا الصدد فإنّ مبيعات البنك المركزي من الدولار الأمريكي للمصارف في عام 2016  كانت قد بلغت 33.5 مليار دولار، بانخفاض قدره  11 مليار دولار عن عام 2015 .
 غير أنّ مبيعات البنك المركزي العراقي من الدولار الامريكي خلال الربع الأوّل من العام الحالي 2017، عادتْ وارتفعتْ  إلى أكثر من ثلاثة مليارات مقارنة بالعام الماضي. وبلغت مبيعات البنك من الدولار للمصارف (منذ بداية العام الحالي ولغاية 30 آذار (2017) 10 مليارات و866  مليوناً و 666 ألفاً و 863 دولاراً". وكانت مبيعات البنك من الدولار في ذات التاريخ من العام الماضي (2016)  قد بلغت 7 مليارات و 807  ملايين و 477 ألفاً و 290 دولاراً.
وبينما يُعاني ملايين العراقيين من ارتفاعٍ غير مسبوق في مُعدّلات ودرجات الحرمانِ والفاقةِ والهشاشة والفقر متعدّد الأبعاد، فإنّ حكومتنا "تخافُ" عليهم من ارتفاع معدّلات التضخم (الذي لا يزيد حاليّاً عن 2% استناداً لأفضل التقديرات، و عن 4% استناداً لأسوأها) ، وكأنّ هؤلاء المواطنين يعيشون في بلد مُتقدّمٍ ، و مُستقّر (سياسياً واقتصادياً واجتماعياً) ، وليس في العراق المُبتلى بكلّ انواعِ المحنِ، وأكثرها فتكاً بالأموالِ والأنفُسِ والثمرات .
تُرى من جعل "استقرار" سعر صرف الدينار، و الحفاظ على قيمة الدينار "القويّ" و "الغالي" ، والدولار "الضعيف " و "الرخيص" .. و "نافذة بيع العملة"، و "تسهيلات" الاستيرادات "المُنفَلِتة".. ومعدلات التضخّم المتدنيّة جداً (حتّى بمعايير الدول المتقدّمة)، وما يرتبط بها من تدابير واجراءات نقدية ومالية وتجارية مهزوزة وغير فاعلة (أو غير مُجدية).. من جعل جميع هذه الموضوعات والسياسات والإجراءات مُقدّسةً وراسخةً الى هذا الحدّ، و غير قابلةٍ للاستبدال، رغم كلّ ما أثير حولها من تحفّظات، وشبهات فساد، وآثار اقتصاديّة غير مرغوبة؟ واذا كانت هناك جهةٌ ضاغطةٌ ما، تدفعُ لاستمرار العمل بهذه "المنظومات" ..فلماذا .. وإلى متى .. و مَن هي .. وأين؟ .
والآن .. ونحنُ على أعتاب إعداد الموازنة العامّة للدولة للسنة الماليّة 2018 ..
لماذا لا يبحث  الاقتصاديّون لدينا  في "التمويل بالتضخّم" ( كأسلوبِ طارئٍ ومؤقّتٍ واحترازيّ) ، لسد العجز في الموازنة العامة للدولة، في ظروفٍ كالتي نعيشها الآن ؟.
هل تعتقدون أنّنا قادرون الآن على تأسيس شراكات حقيقية مع القطاع الخاص المحلّي والعربي والأجنبي؟
على انفاذ قوانين وفرض سياسات قادرة على توفير بيئة جاذبة للاستثمار؟
على تقديم حوافز داعمة للصناعة الوطنيّة ، ومُعزّزة للتنافسية على المستويين الداخلي والخارجي؟
على تنويع الاقتصاد، وخلق مصادر بديلة للدخل والناتج؟
على تحويل الشركات العامة العاطلة وشبه العاطلة، الى رمزٍ من رموز القوّة الاقتصادية للدولة والقطاع الخاص معاً؟.
هل نحن قادرونَ على بَسْطِ  سُلْطة القانون على الناس .. كُلّ الناس؟
لماذا التجارةُ "المكوّناتيّة" بالتجزئة، و "المضاربات" السياسية في سوق "المُفْرَد"، بدلاً من وضع الخطط  والستراتيجيات الكفوءة والفاعلة والرصينة، التي تحوّلتْ (بفعل تكرار صياغاتها ومحاورها ومعالجاتها) الى سلسلة لا نهائيّة من البديهيّات، وضاعَ كلّ الوقت والجهد والمال الذي أُنفِق عليها، دونَ مردودٍ يُذكَر؟.
لا أعرفُ الاجابة بدقّة عن هذه التساؤلات. ولا امتلكُ القدرة على اجتراح الحلول. إنّ هذا يفوق قدراتي بكثير.. ولكن :
ماهي الخبرة والمهنيّة والأصالةُ والابتكار، وما هو الاخلاصُ والحرصُ على مصالح البلاد وأهل البلاد، إنْ لم  يكن كلّ ذلك مُكَرّساً للبحثِ في البدائل، واختيار الأفضلِ والأكفأ منها، والأكثر واقعيّةً ، في جميع المجالات؟
لقد تمّ "تجريب" كلّ شيء علينا .. وتحوّلنا من "مواطنين" الى فئران تجارب.. واستفحلت "امراضنا" المتوطّنةُ وغير المتوطّنةِ، وفتَكَتْ بنا (مُجتمعاً واقتصاداً ونظام حُكْم )..
 فما الذي ننتظرهُ بعد .. لنتغيّرَ .. و نُغيِّر؟.
ولماذا لا نفعلُ ذلك الآن ؟
لماذا لا نفعل ذلك؟
لماذا؟.



اضف تعليقك

شروط نشر التعليقات والتعقيبات في "المدى"

تود "المدى" أن تعلن لقرائها وزوار موقعها الالكتروني الكرام بان تعليقاتهم وتعقيباتهم على ما ينشر فيها يخضع لذات القواعد التي تحكم عملية النشر في الصحيفة الورقية والمتقيدة باخلاقيات الصحافة المتعارف عليها دولياً، وتؤكد انها لن تنشر ما يتعارض مع هذه القواعد وفقاً للآتي:

1 - يلتزم القراء وزوار الموقع الالكتروني بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وبعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب وهيئات الدولة والهيئات الاجتماعية وسائر الناس، بكلام جارح ونابِ ومشين ويحتوي على معلومات غير مؤكدة، ويلتزمون أيضاً بعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء.
2 – يحق لإدارة تحرير المدى ان تنقّح تعليق القارئ او الزائر بما يتناسب مع اللياقات الموصوفة اعلاه، وإطلاق الحوار البنّاء، مع الحفاظ على مضمون التعليق، أو أن تحجبه إذا كان غير مناسب أو متعارضاً مع قواعد النشر.
3 – تنطبق هذه الشروط على ما ينشر في الملاحق وسائر مواقع وإصدارات مؤسسة المدى
4 - لا تتحمل مؤسسة المدى أي مسؤولية مادية أو معنوية حيال صاحب التعليق.
الاسم:  
البريد الالكتروني:    
التفاصيل:  
رمز التحقق:
جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة المدى للاعلام والثقافة والفنون