تحقيقات
2017/09/13 (00:01 مساء)   -   عدد القراءات: 2537   -   العدد(4016)
التلاعب بالكمرك يهدر المليارات في منفذ زرباطية الحدودي
التلاعب بالكمرك يهدر المليارات في منفذ زرباطية الحدودي


 تحقيق / محمد المحمودي

منفذ زرباطية الحدودي رئة واسط الاقتصادية ومنجم الذهب بالنسبة للمحافظة، فهو المنفذ الحدودي الوحيد للمحافظة، يتكون من دوائر عدّة تتبع كل منها الى وزارتها، المنفذ تحت إدارة وزارة الداخلية، خارج المنفذ تقع الساحة الحدودية التي تبلغ مساحتها (50) دونماً وهي جزء من منفذ زرباطية الحدودي بين العراق وايران، وتُدار من قبل مجلس محافظة واسط عن طريق لجان تقوم بجباية أجور وقوف السيارات في الساحة، تودع مبالغ الجباية هذه، في صندوق خاص يسمّى (صندوق دعم واسط)، لكن على مدار (14) عاماً ورغم توالي الحكومات المتعاقبة، كان الفساد والتلاعب واضحين فيها، أعوام عدّة مضت والساحة الحدودية مسيطر عليها من قبل شخص يدّعي أنها ملك أجداده، وبعد سجال قانوني طويل أستعادها مجلس المحافظة.


تغيير نوع ووزن أيّ حمولة
علي سالم موظف في منفذ زرباطية تحدث لـــــ(المدى) عن منظومة الفساد التي تدير المنفذ وآلية العمل فيه، هناك مجموعة من الموظفين على اختلاف مناصبهم يعملون كفريق واحد، حيث يتم  تقاسم الرشاوى يومياً. مضيفاً، تتم عمليات الفساد بطرق عديدة منها التنسيق مع التجار على تغيير جنس البضاعة بالوقت التي تكون الحمولة "حديد زاوية" مثلاً، يقوم بتحويلها الموظف المختص في بداية نقطة التبادل الى "شيش بناء" لأن الأخير معفيٌ من الكمرك أو حمولة أراكيل كمركها خمسة دولارات، يتم تحويلها الى "شيشة" التي كمركها 2 سنت. متابعاً، كما يتم التلاعب بوزن الحمولة أيضاً، فحمولة بوزن أربعين طناً تحوّل الى عشرة أطنان أو أقل.
واستطرد الموظف قائلاً: تمر البضاعة بسلسلة من المراحل حتى تتمكن من العبور، كل من يغض الطرف عن تلك البضاعة له ثمن حسب موقعه. مضيفاً، أن الإجراءات والترتيبات تتم بواسطة المُخلصين أي "المعقّبين" وهم عادةً من أهل المنطقة تربطهم معرفة مع الموظفين يتم التعامل شفهياً والدفع خارج العمل. مسترسلاً، المخلصون هؤلاء يتنقلون بكل سهولة متجاهلين كل من يحاول منعهم وتربطهم علاقات قوية مع جهات ذات نفوذ، كل موظف يحاول وضع العصا في عجلة فسادهم، يأتي كتاب نقله بسرعة البرق من دون أيّ نقاش.

50 ألف دولار فقط  
علي الذي يعمل منذ سبع سنوات في المنفذ بيّن لـ(المدى) يُدار عمل المُخلصين بواسطة مجموعة من الأقارب يسكنون قرب المنفذ، مضيفاً، في بداية عملي أتذكر إحدى تلك العوائل المتكونة من (12) شخصاً بين أخ وأبناء عم، حيث كان وضعهم المالي مزرياً، وكنا نعطف عليهم ونسمح لهم كعمال، لكن سرعان ما استطاعوا العمل كمُخلصين، فتغير جنس ووزن بضاعة تصل الى (50) الف دولار، الأمر الذي جعلهم يسيطرون أكثر ويمتد نفوذهم، حيث لا نعلم. مؤكداً أن واحداً من أهم أسباب سهولة التلاعب بالمنفذ هو عدم وجود منظومة عمل الكترونية كما هي موجودة في منافذ الدول الأخرى، فالعمل يسير بطرق بدائية، فمجرد عبورك الحدود ورؤية آلية العمل في الجانب الإيراني، ستعرف حجم الهوة بين المنفذين.
وأكد الموظف في منفذ زرباطية الحدودي، لم يُعرف بشكل دقيق حجم الفساد والسرقات إلا بعد مطالبات عديدة قمنا بها ورفع تقارير دورية، بالإضافة لدور مجلس المحافظة في مخاطبة النزاهة والوزارة، حيث تم تشكيل لجان من الوزارة وبإشراف قاضٍ من محكمة واسط. متابعاً، بالوقت الذي كانت واردات المنفذ (800) مليون دينار للشهر، اصبحت قرابة (5) مليارات دينار، بعد وصول اللجان التي أغلقت المنفذ (15) يوماً. مضيفاً، حيث أصدرت المحكمة الكمركية أحكاماً بالسجن بحق (14) متهماً بين تاجر ومُخلّص وسائق عجلة نقل البضائع، ومصادرة عجلات مع حمولتهن وانتظار اصدار الاحكام بحق (11) موظفاً حكومياً يعملون بالمنافذ الحدودية.

اعتماد النظم الالكترونية
جمال هشام سائق مركبة حمل بيّن لــ(المدى) لا وجود للقانون هنا، فالفوضى تصل الى أن يُفرض على كل يوم رسم، وتحت أي مسمّى المهم هو استحصال الأموال بأيّ طريقة، ونحن لا نملك سوى التنفيذ، فمطالبتك لهم بمسوغ قانوني أو امتناعك عن الدفع كفيلٌ بتأخيرك أياماً. مردفاً كلامه بالقول، ندفع من أجرتنا، فالتاجر غير مسؤول عن تلك الرسوم التي تفرض بمزاجية موظفي المنفذ. مبيناً أن بعضهم يقول، "هذه تعليمات المدراء ونحن مطلوب منا مبلغ محدد لا سبيل سوى فرض هذه الرسوم".
فيما نوّه ابراهيم محيسن سائق تريلة، الى أن العمل في منفذ زرباطية يتم وفق معايير خاصة تعتمد على الدفع والعلاقات. لافتاً الى غياب الرقابة الحكومية على اغلب الموظفين والعاملين الذين يعملون وفق اجتهادات خاصة. مؤكداً على اهمية أن تكون هناك لجان مراقبة من قبل الحكومتين المحلية والمركزية، داعياً الى العمل بالأنظمة الالكترونية الحديثة كما هو معمول في دول عدّة منها الجانب الايراني..
في حين دعا عدد آخر من السائقين الى ضرورة الحدّ من التلاعب بأرقام الوصول الى الساحة، مع ضرورة وضع آلية تنظيم مرور الشاحنات بدل الانتظار لأيام في ساحة وقوف تفتقد الى وسائل مريحة، ناهيك عن غياب الخدمات الصحية والطبيّة. مشيرين الى اهمية أن تكون هناك آلية عمل معينة في المنفذ تسهم في تسهيل عملية دخول الشاحنات واستحصال مبالغ الكمرك بشكل عادل.

تطوير خدمات منفذ الساحة الحدودية
عن تطوير المنفذ، تحدث المهندس محسن الشمري لـــ(المدى) رغم إيرادات المنفذ وما يشكّله من دخل مالي كبير للبلد، لكن الحكومة لم تقم بأيّ خطوة تطويرية من أجل الارتقاء بالعمل والتقليل من الفساد الذي يحصل بسبب آلية العمل البدائية، بالإضافة الى التأخير والروتين اللذين يعاني منهما التجار وأصحاب العجلات في تخليص بضائعهم. مضيفاً، إذ يجب تسليم المحافظة حصتها من واردات المنفذ حتى يكون لها دافع في فحص وتدقيق السلع والبضائع وفرض الكمرك بشكل قانوني، مستطرداً، أن استخدام المنظومة الالكترونية في تحديد كمرك كل سلعة وتحديد الوزن بدقة بدل العمل اليدوي والذي كثيراً ما يكون فيه مجاملات مدفوعة الثمن تأتي بأموال أكبر.
 وأردف الشمري قائلاً، إن تحديد نسبة من قيمة المواد المخالفة المضبوطة للجان التدقيق المختصة تكون حافزاً لهم بالعمل والكشف عن تلك البضائع. موضحاً أن التقليل من سيطرات تفتيش البضائع والتي غالباً ما تكون مصيدة لابتزاز سائقي العجلات والاكتفاء بلجنة فحص السلع والبضائع سيسهمان بانسيابية العمل ويقللان من الفساد. مشيراً الى التقليل من الروتين في إنجاز تصاريح الدخول، خصوصاً للبضائع الاستهلاكية من الخضروات والألبان التي تكون سريعة التلف من شأنها أيضاً رفع انتاجية المنفذ والحدّ من الفساد فيه. مستغرباً تجاهل المسؤولين لحال المنفذ، خصوصاً وهم على زيارات مستمرة مع البلدان المجاورة ورؤيتهم لمنافذها والعمل فيها.

الساحة الحدودية إلى مستثمر
وبشأن الساحة الحدودية والعمل فيها، رحيم سوادي رئيس اللجنة القانونية في مجلس محافظة واسط تحدث لـــ(المدى) قائلاً : دخل المجلس في صراع قانوني مع وزارة المالية والحكومة الاتحادية بعد اعتراض ديوان الرقابة المالية لعدم وجود تشريع قانوني للجباية واستحصال الرسوم من قبل مجالس المحافظات الى أن شرع قانون في 2009 من المحكمة الاتحادية سمح بموجبه لمجالس المحافظات باستحصال الرسوم بوصولات رسمية. متابعاً، تُدار الساحة الحدودية من قبل لجان مختصة تابعة لمجلس المحافظة تقوم بإيداع الأموال في حساب خاص تحت اسم صندوق دعم واسط .
وأردف سوادي قائلاً، يتم صرف تلك الأموال من خلال عرض الموضوع في جلسات المجلس والتصويت عليها، مؤكداً أن هناك تبويباً لكل صرف، للصحة والشباب والرياضة وللشهداء ومعالجة جرحى القوات الأمنية وإرسال الحالات المستعصية الى خارج العراق، بالإضافة لتغطيتها عددا كبيرا من موظفي المجلس والدوائر الأخرى. مبيناً أن هناك دراسة لإحالة الساحة الى مستثمر.
الى ذلك كشفت وثيقة صادرة من مصرف الرشيد/ فرع واسط، عن قرار لوزارة المالية بسحب أرصدة منفذ زرباطية الحدودي من مجلس المحافظة وتحويلها الى الوزارة. وجاء في الوثيقة، "اشارة الى كتاب وزارة المالية/ مكتب المفتش العام/ الشؤون القانونية والتحقيقات ذي العدد 7924 في 23/7/2017 يرجى سحب الأرصدة من الحسابات المرقمة (368) المفتوح لدى فرع واسط بإسم مجلس محافظة واسط و (10038) المفتوح لدى فرع الوفاء باسم مجلس محافظة ميسان وتحويلها إلى حساب وزارة المالية / دائرة المحاسبة المرقم (53082) المفتوح لدى فرعنا الرئيسي وبالسرعة الممكنة مع تزويدنا بنسخ من اشعارات التحويل".

واردات العام 9 مليارات فقط!
 وبلغت ايرادات الساحة الحدودية للعام الماضي أكثر من (9) مليارات دينار، فيما خصص مجلس محافظة واسط قسماً منها لتغطية بعض مستلزمات الأدوية وعلاج جرحى الحشد الشعبي وعلاج المرضى خارج وداخل العراق. وصرّح قائممقام قضاء بدرة "جعفر عبد الجبار ملا محمد" أمس، بسيطرة الفساد المالي والإداري على منفذ زرباطية الحدودي مع إيران، بمحافظة واسط.
وقال ملا محمد في تصريح صحفي له، إن إدارة بدرة المحلية - وبالتعاون مع الحكومة المحلية - أحالت (38) متهماً بين موظف وتاجر، إلى هيئة النزاهة للتحقيق معهم بقضايا فساد متعلقة في دائرة الكمرك المدني، بمنفذ زرباطية الحدودي مع إيران. مضيفاً أن الإدارة المحليّة تتابع الإشكاليات التي وردت عن طريق شكاوى ومناشدات المواطنين بشكل سرّي... وأكثر من (11) متّهماً هارباً صدرت بحقّهم أوامر قبض من الجهات الأمنية.



اضف تعليقك

شروط نشر التعليقات والتعقيبات في "المدى"

تود "المدى" أن تعلن لقرائها وزوار موقعها الالكتروني الكرام بان تعليقاتهم وتعقيباتهم على ما ينشر فيها يخضع لذات القواعد التي تحكم عملية النشر في الصحيفة الورقية والمتقيدة باخلاقيات الصحافة المتعارف عليها دولياً، وتؤكد انها لن تنشر ما يتعارض مع هذه القواعد وفقاً للآتي:

1 - يلتزم القراء وزوار الموقع الالكتروني بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وبعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب وهيئات الدولة والهيئات الاجتماعية وسائر الناس، بكلام جارح ونابِ ومشين ويحتوي على معلومات غير مؤكدة، ويلتزمون أيضاً بعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء.
2 – يحق لإدارة تحرير المدى ان تنقّح تعليق القارئ او الزائر بما يتناسب مع اللياقات الموصوفة اعلاه، وإطلاق الحوار البنّاء، مع الحفاظ على مضمون التعليق، أو أن تحجبه إذا كان غير مناسب أو متعارضاً مع قواعد النشر.
3 – تنطبق هذه الشروط على ما ينشر في الملاحق وسائر مواقع وإصدارات مؤسسة المدى
4 - لا تتحمل مؤسسة المدى أي مسؤولية مادية أو معنوية حيال صاحب التعليق.
الاسم:  
البريد الالكتروني:    
التفاصيل:  
رمز التحقق:
جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة المدى للاعلام والثقافة والفنون