آراء وافكار
2017/09/14 (16:51 مساء)   -   عدد القراءات: 597   -   العدد(4017)
جبهات الرفض وخيار العقلانية
جبهات الرفض وخيار العقلانية


 سليم سوزه

يرجع جزءٌ كبير من المشكلة العراقية إلى الجهل المفرط بحقائق المصطلحات والسياق المعرفي الذي أنتجها. منذ سقوط نظام صدام وشعبنا يعاني من انقسامات اجتماعية حادّة تظهر في أشكال متعددة حسب ما تفرضه طبيعة الجدل والحدث المحفّز له.
في هذه الأيام ، ونحن على أعتاب انتخابات برلمانية جديدة، يتجلى الجدل العراقي هذه المرّة في الانقسام الحاد بين جبهتين رئيستين ، جبهة العلمانيين من جهة، والإسلاميين من جهة أخرى، بعد أن خفتت حدّة الصراع بين الإسلاميين الشيعة والإسلاميين السنّة أنفسهم، هؤلاء الذين كانوا يديرون لعبة الموت الطائفية في العراق دون هوادة.
دعونا نتحدث عن أصل المشكلة والتي هي باعتقادي تتمحور حول المفاهيم أكثر منها مشكلة واقعية. فالنقاش الحاد الآن بين مؤيدي خيار الدولة الدينية وخيار الدولة العلمانية في العراق، أخذ شكلاً فضائحياً لدرجة أن ثمة خلطا رهيباً، متعمداً أو غير متعمد ، يحصل حول مصطلح العلمانية.
هناك مَنْ يعتقد أن العلمانية حزب شمولي لديها أجوبة على كل أسئلة الحياة المعقّدة، وأنها نظام حكم متكامل يعطي رأياً في كل تفصيلة من تفصيلات السياسة والإدارة والاقتصاد، وأي فشل للعلمانيين في دولةٍ ما هو فشل للعلمانية ذاتها.  
هذا غير صحيح. العلمانية ليست حزباً شمولياً كما يحاول بعضهم إيهام البسطاء ، بل فكرة تنظّر لفصل الدين عن السياسة، ظهرت نتيجة الورطة الاجتماعية التي سقطت فيها المجتمعات الأوربية إبان تدخلات الكنيسة في الحياة السياسية وقتئذ. كانت مشروعاً يهدف لوضع حد بين تداخل الخاص بالعام وإنتاج دولة ثيوقراطية لا يعارضها إلّا "المهرطقون الكفرة".   
تحيرني طبيعة المقارنات التي يعقدها عدد غير قليل من العراقيين حين يتم الحديث عن فشل الإسلاميين في العراق ، وهو فشل، للأمانة، لا يمكن إرجاعه كلياً الى ايديولوجيا أحزاب الاسلام السياسي إن اعتقدناه فشلاً إدارياً بحتاً. فالفساد مثلاً وقلّة الخبرة في إدارة الدولة، لا يتصلان غالباً بالايديولوجيا وإنما بطبيعة الشخص الموضوع في موقع المسؤولية بصرف النظر عن عقيدته وايديولوجيته.
ينبغي هنا التوضيح أن فشل ايديولوجيا الأحزاب الإسلامية لا يُقصد به الفشل الإداري وإنما فشلها في عدم قدرتها على استيعاب التنوع الاجتماعي داخل العراق، وحين الحديث عن هكذا نوع من الفشل، يهرع مؤيدو الأحزاب الإسلامية الى عقد مقارنة مغلوطة مع تجارب حكم علمانية فشلت هي الأخرى في ذات الموضوع. هذه المقارنة تضع الاسلام السياسي قبالة العلمانية، متجاهلين أن الأولى ايديولوجياً وطريقة حياة كاملة تنظّم حياة الفرد من دخوله الحمام حتى قبره، في حين العلمانية لا تتصدى لهكذا تفصيلات ولا تعطي رأياً معيناً في شكل إدارة الدولة سوى نظامها فقط، النظام الذي لا يسمح للدين بركوب السياسة ولا السياسة توجيه الدين. مهمة العلمانية صياغة تسوية عقلانية بين الدين والسياسة ألّا تتغوّل إحداها على الأخرى فقط.
فشل الإسلاميين ، مع الاعتراف هنا بتعدد نسخ الاسلام السياسي، هو فشل لايديولوجيتهم بالضرورة، لأنها ايديولوجيا شاملة لها فلسفتها الخاصة في كل تفصيلة من تفصيلات حياة الفرد والدولة. بينما لا يمكن اعتبار فشل العلمانية في دولةٍ ما فشلاً لها لأنها، ببساطة شديدة، فكرة لا تحمل فلسفة معينة لإدارة الدولة إلّا من خلال الايديولوجيات التي تلتصق بها. ففشل الشيوعية في الاتحاد السوفيتي سابقاً، أو فشل الأحزاب القومية في البلدان العربية مثلاً لا يعني فشل العلمانية وإنما فشل الشيوعية والقومية كفكرتين شموليتين لم تكن لهما القدرة على استيعاب الحريات داخل مجتمعاتهم المتنوعة.
بالمقابل، ثمة افتراض خاطئ إن العلمانية تقتضي الحرية ضمناً، وإنها بذاتها مجال خصب لإنتاج الحريات في المجتمع. يكفي أن تقول الحكم علماني لتعرف أن الحرية هنا جوهرٌ أصيل له.
هذا افتراض غير صحيح هو الآخر ، فالكثير من الأفكار العنصرية والاقصائية قد تظهر على جرف العلمانية إن لم تقترن العلمانية بمحددات معرفية معينة. لا يمكن تخيّل نظامٍ علمانيٍ عادلٍ ومشجعٍ  للحريات دون شرط التعدّدية بمفهومها المؤسساتي. ولأن التعددية جوهر الليبرالية، لا مجال لتخيّل حكمٍ علمانيٍ ناجحٍ في استيعاب التنوع الاجتماعي دون شرط الليبرالية. الليبرالية بوصفها نظرية ثقافية هنا وليست بالضرورة المبدأ الاقتصادي المرتبط ميكانيكياً بالرأسمالية. هذا موضوع معقد ويحتاج شرحاً مطولاً لا مجال لذكره الآن.
أخيراً ، تأتي الديمقراطية كوسيلة اختيار فردية للأفكار التي تسوّق لها سوبرماركت "التعدّدية" ، فالفرد مسؤول عن اختياره بناءً على ما يراه مناسباً وممثلاً لقناعاته، وبدون الديمقراطية تفقد التعدّدية هي الأخرى جوهرها وتصبح كمكتبة كتب متعددة لا يستطيع القارئ اقتناء ما يريده منها، بل ما يفرضه صاحب المكتبة نفسها فقط.
العلمانية الديمقراطية الليبرالية التعدّدية، خيار عقلاني للمجتمعات المتنوعة، مع الأخذ بالحسبان ثقافاتها المحلية وسياقات ظروفها الاجتماعية، وبغير هذه العلمانية "الكاملة" تقع هذه المجتمعات ضحيّة نزاعات جبهات الرفض، وما أكثرها في مجتمعاتنا العربية والإسلامية اليوم.



اضف تعليقك

شروط نشر التعليقات والتعقيبات في "المدى"

تود "المدى" أن تعلن لقرائها وزوار موقعها الالكتروني الكرام بان تعليقاتهم وتعقيباتهم على ما ينشر فيها يخضع لذات القواعد التي تحكم عملية النشر في الصحيفة الورقية والمتقيدة باخلاقيات الصحافة المتعارف عليها دولياً، وتؤكد انها لن تنشر ما يتعارض مع هذه القواعد وفقاً للآتي:

1 - يلتزم القراء وزوار الموقع الالكتروني بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وبعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب وهيئات الدولة والهيئات الاجتماعية وسائر الناس، بكلام جارح ونابِ ومشين ويحتوي على معلومات غير مؤكدة، ويلتزمون أيضاً بعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء.
2 – يحق لإدارة تحرير المدى ان تنقّح تعليق القارئ او الزائر بما يتناسب مع اللياقات الموصوفة اعلاه، وإطلاق الحوار البنّاء، مع الحفاظ على مضمون التعليق، أو أن تحجبه إذا كان غير مناسب أو متعارضاً مع قواعد النشر.
3 – تنطبق هذه الشروط على ما ينشر في الملاحق وسائر مواقع وإصدارات مؤسسة المدى
4 - لا تتحمل مؤسسة المدى أي مسؤولية مادية أو معنوية حيال صاحب التعليق.
الاسم:  
البريد الالكتروني:    
التفاصيل:  
رمز التحقق:
جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة المدى للاعلام والثقافة والفنون