آراء وافكار
2017/09/14 (10:53 مساء)   -   عدد القراءات: 764   -   العدد(4017)
الوحدة الوطنية تتطلب الابتعاد عن خطاب الكراهية
الوحدة الوطنية تتطلب الابتعاد عن خطاب الكراهية


 د. علي كاظم الرفيعي

الشيخ مهدي الخالصي الذي عاد الى العراق منذ فترة بعد رحلة طويلة قادته منذ سبعينات القرن الماضي الى ايران وسوريا ليحطّ رحاله في بريطانيا البلد العلماني الأوربي، عاد ليمارس دوره كداعية إسلامي مهتم بالوعظ وتقديم النصح والإرشاد الى المسلمين في العراق بدعوتهم الى توحيد الصفوف ضد الدعوات التي تفرّق شملهم، وهي دعوة مباركة، إلا أنه تجاهل في خطبته في الكاظمية الأسبوع المنصرم، حقيقة أن العراق يضمّ الى جانب المسلمين، وهم الأغلبية، اتباع ديانات أخرى يقر الإسلام بعضها.
 المرحلة الصعبة التي يعيشها العراق تتطلب توحيد صفوف العراقيين من المسلمين وغيرهم، وتحتّم أن يكون الخطاب الديني معتدلاً متصفاً بروح التسامح والتركيز على مبدأ المواطنة التي تعزز انتماء الفرد العراقي لوطنه الذي يتعرض لهجمة بربرية شرسة من قبل تنظيم يتخذ من الاسلام غطاءً له يسعى الى مسخ التأريخ الانساني والحضاري لبلاد وادي الرافدين الذي عاشت في واديه شعوب وديانات مختلفة قبل الإسلام وبعده .
نتفق مع الشيخ الخالصي بأن الذين رفعوا شعار الإسلام من احزاب سياسية تولت السلطة أساءت الى العراق وشعبه وأوصلت غالبية العراقيين وبخاصة الشباب منهم، الى حالة من اليأس والنفور من الدعوات الدينية بسبب فشلهم وفسادهم. هذا الواقع يتطلب في المقابل تقديم بديل من ساسة ورجال دين مخلصين لبلدهم ولدينهم من الذين لم تلوث أيديهم بالفساد مسلمين كانوا أم غيرهم .
الذين تظاهروا في مدن العراق ضد فساد قيادات في احزاب الاسلام السياسي من مدنيين وعلمانيين وطالبوا بدولة مدنية أغلبهم من المسلمين ولم يرفعوا شعارات ضد الدين ولم يتأثروا بدعوات الكفر والإلحاد. المطالب كانت خدمة عادلة تهدف الى اصلاح الوضع الاقتصادي والسياسي في البلاد. هذه حقيقة لابد لي كأحد دعاة الدولة المدنية أن اتطرق إليها وإن كان الشيخ الخالصي قد تجاهلها .
أما العلمانية التي قال إنها "مصدّرة من الغرب" وانها تعني "الكفر والإلحاد" فهي كمفهوم دخل مجال الفكر في العصر الحديث في المجتمع الاوربي اختلفت النظرة إليه، وبالتالي اختلف التطبيق العملي لها في دول الغرب ولم يحسم أمرها بصورة نهائية، لكنّ الطرح الرئيس لها تمحور على فصل الدين عن الدولة، ولهذا الطرح أسباب تاريخية ارتبطت بالتاريخ عاشته أوربا لقرون عديدة، حيث اكتوت بتسلط الاقطاع والكنيسة المسيحية التي امتزجت بين السلطة الدينية والسياسة وعاشت شعوب أوربا في جهل وتخلف حتى قيام الاصلاح البرلماني في انكلترا ليبدأ عصر الديمقراطية، وجاءت بعد ذلك الثورة الفرنسية التي تبنّت شعارات الاخوة والمساواة وأخذت مفهوم العلمانية وأنهت حكم
الكنيسة.
ونفس الحال عاشت الشعوب الإسلامية في ظل حكم الأمويين ومعظم فترة حكم العباسيين وكذلك فترة التخلف التي تميز بها الحكم العثماني، لا نريد الخوض في هذا الجانب الذي يتطلب مساحة أوسع ووقتاً أكثر لسنا بصدده حالياً.  
زعم الشيخ الخالصي في خطبته آنفة الذكر، أنّ العلمانية مصدّرة من الغرب الى العراق، وإنها تعني "الكفر والإلحاد"، ثم يقول إن العلمانية في الغرب تعني "الحرية الشخصية"، وبودنا أن نسأله وهو الذي عاش فترة طويلة لاجئاً ومقيماً في بريطانيا: هل شاهد أو لمس في هذا البلد العلماني اعتداءً أو مساساً بالحريات الدينية وهي من مقومات الحرية الشخصية التي أشار إليها الشيخ الخالصي؟ وما هو عدد المساجد والحسينيات والمراكز الوعظية ومراكز البحوث الاسلامية في هذا البلد؟ وهل تم التعرض للكنائس والمراكز الدينية للديانات الأخرى غير المسيحية؟ ولماذا تكون العلمانية في الدول الغربية وبريطانيا من اهمها هي الحرية الشخصية واحترام الرأي الآخر، لكنها حينما تكون في بلدان أخرى كالعراق مثلاً تكون كفراً وإلحاداً ؟؟ ، العلمانية التي تبنّت مفهوم فصل الدين عن الدولة تحترم حقوق الإنسان ومعتقداته وتحترم إرادة الشعوب في اختياراتها الدينية والسياسية والاقتصادية عبر الأساليب الديمقراطية .
إن الخطر الذي يواجه المسلمين حالياً هو التطرف الديني والمذهبي الذي تعانيه حالياً دول الشرق الأوسط والذي امتد الى الدول الغربية، يضاف إليه في الدول الاسلامية الطائفية السياسية (المحاصصة) التي أدت الى الفساد المالي والإداري وبمستويات عالية جداً .
لا ينبغي أن نعود بالعراق الى فترة الستينات من القرن الماضي، الفترة التي شهد فيها العراق صراعاً سياسياً واقتتالاً بذرائع مختلفة دينية وقومية – الشيخ الخالصي عاش تلك الفترة – فترة هدر فيها الدم العراقي ظلماً وعدواناً نتيجة تبني مواقف سياسية غير ناضجة كالعداء للسلام .
إن محاربة الكفر والإلحاد يتم من خلال التوعية الدينية الصحيحة وبأساليب تتماشى ومتطلبات العصر الحالي من خلال الحوار الفكري واعتماد العلم واحترام الرأي الآخر، لا بطروحات تثير العداء والكراهية وتؤدي بالنتيجة الى تمزيق الصف الوطني الذي نحن بأمسّ الحاجة الى تدعيمه أكثر من أيِّ وقت مضى، وهذا ما دعت إليه المرجعية الدينية في النجف الأشرف على لسان ممثلها الشيخ مهدي الكربلائي، حين دعا في خطبة الجمعة المنصرمة 8 أيلول الحالي الى تعزيز أسس المواطنة لدى أبناء الشعب. 



اضف تعليقك

شروط نشر التعليقات والتعقيبات في "المدى"

تود "المدى" أن تعلن لقرائها وزوار موقعها الالكتروني الكرام بان تعليقاتهم وتعقيباتهم على ما ينشر فيها يخضع لذات القواعد التي تحكم عملية النشر في الصحيفة الورقية والمتقيدة باخلاقيات الصحافة المتعارف عليها دولياً، وتؤكد انها لن تنشر ما يتعارض مع هذه القواعد وفقاً للآتي:

1 - يلتزم القراء وزوار الموقع الالكتروني بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وبعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب وهيئات الدولة والهيئات الاجتماعية وسائر الناس، بكلام جارح ونابِ ومشين ويحتوي على معلومات غير مؤكدة، ويلتزمون أيضاً بعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء.
2 – يحق لإدارة تحرير المدى ان تنقّح تعليق القارئ او الزائر بما يتناسب مع اللياقات الموصوفة اعلاه، وإطلاق الحوار البنّاء، مع الحفاظ على مضمون التعليق، أو أن تحجبه إذا كان غير مناسب أو متعارضاً مع قواعد النشر.
3 – تنطبق هذه الشروط على ما ينشر في الملاحق وسائر مواقع وإصدارات مؤسسة المدى
4 - لا تتحمل مؤسسة المدى أي مسؤولية مادية أو معنوية حيال صاحب التعليق.
الاسم:  
البريد الالكتروني:    
التفاصيل:  
رمز التحقق:
جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة المدى للاعلام والثقافة والفنون