عام
2017/09/14 (17:01 مساء)   -   عدد القراءات: 490   -   العدد(4017)
الشاعرفاضل عباس هادي.. ورّاق فرنسي الهوى
الشاعرفاضل عباس هادي.. ورّاق فرنسي الهوى


 جمال العتّابي

يشيّد الشاعر ، الفنان ، عالماً صغيراً جميلاً وممكناً بيده ، غير أنه يحاول أكثر من مرة أن يتعلم كيف يرعاه قبل أن يجعله جزءاً من حياته ، ثم يجد له الكثير من المسوغات ليصبح في وضع يقنع الآخرين بأنه إنما يفعل ذلك ليشركهم معه في فرحة الخلق ، كما هو شعوره إزاء ما يفعل ، وهكذا يصبح الصدق وسيلة للوصول إلى أعمق اللحظات التي تسكن فيه .     هذا ما يحاوله الشاعر فاضل عباس هادي عبر قصائده وكتاباته ، ولقطاته الفوتوغرافية ، فمنذ أن قدّم نفسه كأحد الأصوات الستينية ، بعد ان نشر قصيدته ( قدح من الدموع المجففة إلى أوديت ) في العدد الثاني من مجلة شعر69، وهو يمضي في رحلته التي تضيء وتشفّ من وراء أمسه الذي غاب ، الأحداث التاريخية أنضجت وعي الحداثة لدى فاضل ، وشكّلت الكتب التي (يلتهمها ) باللغة الإنكليزية ، منطلقه الإبداعي ، غادر مدينته الجنوبية (الناصرية ) ، ودرس في معهد اللغات العالي، وعمل في الصحافة ، عمّق ( حفل )إعدامات علنية في ساحة التحرير عام 69، إحساسه بالهروب ، وبه توق نحو الإستكشاف ، وحلم أوربا ، مغامراً وحده بلغته الخاصة التي إكتشفها ، وبمفرداته التي تحمل ألواناً ورموزاً جديدة .
        في كتابه ( لمسات ورّاق فرنسي الهوى ) ، الصادر في لندن عام 2017 عن دار شبّر ، يريد فاضل أن يمنحنا الفرصة للمقارنة بين ثقافتين مختلفتين ( الإنكليزية والفرنسية ) ، في العادات والسلوك واللغة والتاريخ والعمران ، والسياسة والإنتاج .ويبدو فاضل ساخطا على ( الإنكليز ) منذ صفحات الكتاب الأولى ، على الرغم من انه يعيش في إنكلترا منذ ثلاثين عاما ، ويحظى برعايتهم .هنا لايقتلونك فحسب ، إنما يمثلون بجثتك أيضا !!كما ان اكثر الكتب إنتشاراً هي كتب الجريمة والجرائم ، وفاضل لايشعر بمتعة في القراءة باللغة الإنكليزية ، ويفضل عليها الفرنسية ، لأنها تضفي على النص الانكليزي جمالاً هو على الاغلب غير موجود ، الا نادراً، انها لغة لاتعرف الحياء ولا العواطف الانسانية ، يقول : كلما هممت بقراءة شكسبير تهيأ لي اني ، انما أكسر جمجمة نمر بفأس راسكولينكوف .  يعيش فاضل في لندن مفعما بالتداعيات ، وبالود الصافي لذكريات أليفة نسجها هواه عن باريس التي لم يمكث فيها سوى سنوات قليلة ، الآراء التي تبدو أكثر إثارة للجدل ، تلك التي تتناول التراث الأدبي والثقافي الانكليزي برمّته ، وإنحيازه المطلق للثقافة الفرنسية التي يتحدث عنها بلغة العاشق الولهان ، يقول : مئات الكلمات ، تتأبطها خيراً ، تمشي جنبك ، تحملها معك ، تشد عليها بيدك كمنديل من حرير ، ترافقك الى الابد بالسلامة ، لاتخذلك ولاتخونك ، كلمات تجمع بين الشحنة العاطفية والصوتية ، أندريه بريتون رفض تعلم الانكليزية لئلا تفسد عليه جمال فرنسيته ، والسريالية والانكليز لايلتقيان ولايتصافحان  ، السريالية مزاج فرنسي أصيل  .مسرحيات شكسبير دموية ، بلاإنسانية ، أبطاله ( الملك لير ، هاملت ،ماكبث ، يحملون سيوفهم المستقيمة الطويلة ، ذات المقبض المتصالب الكريه معهم دائما ، ومن الأفضل أن يكون ملطخاً بالدم ،    كيف يتسنى لفاضل أن يجعلنا قادرين على فهم أفكاره ؟ وهو الذي يقول صراحة : لست موضوعياً ولست عقلانياً ، ولدت محصناً ضد التحليل والديالكتيك .فالكتّاب العرب الذين درسوا في إنكلترا أوتأثروا بالثقافة الانكلو – سكسونية  ، المصريون منهم ( بإستثناء سلامة موسى ) والعراقيون ، بما فيهم عبد الواحد لؤلؤة ، متخشبون وشرايينهم الروحية متصلبة ، والإبتسام على ما يبدو فارق كتاباتهم منذ زمن طويل ، لاأستطيع قراءتهم على الإطلاق ، طه حسين طرب لسماع صوت رفيقته الفرنسية ووقع في حبها وتزوجها  . يتحدث عن تجاربه العاطفية  ، يقول : كلما تعرفت على فتاة بريطانية أكتشف انها سحاقية ، مثلية ،الانكليز في نظر فاضل بلا عطر أو نبيذ  ، ولا لغة حب ، لغتهم لغة المال والحروب .
   فاضل لايكتفي بنسف الثقافة الانكليزية ، بل يمضي بعيداً في إقتلاع جذور المشهورين الذين كتبوا بلغتها ، فقصيدة الارض اليباب لإليوت عادية وتخلو من التوهج الشعري ،ومترجمها لؤلؤة من المثقفين العرب الأحادي الثقافة ،  يصح عليه قول همنغواي لان صوته باهت ومريض : لو اتيح لي لطحنت عظام اليوت وذروتها رماداً على قبر جوزيف كونراد ، وأهم منجزات همنغواي انه كنس غبار العصر الفكتوري من الرواية الانكليزية .
 فاضل لايترجل من صهوته ، عقله مسكون بفرنسا ، حتى الورد لايهرب من الجنائز، الدروب الوعرة فيها تتحول الى احتفال ، المطر على بعد خطوات مثل الغناء في آخر الليل ، شوارعها ضفاف من الليل ، من مثل فرانسوا ساغان ، مراهقة تكتب رواية بعنوان ( مرحبا ايها الحزن ) ؟ :كادت ان تخطف حبيبة سارترسيمون دوبوفوار ، حدث لاتجده الا في فرنسا . أوصيكم بقراءة كامو سطراً سطراً ، ومن سارتر إقرأوا له الثلاثية ، تعرفوا بان ساكنيها لم يكونوا سيئين كلهم .  طروحات فاضل تنبع من جدارته في نبش الكتب ، التي كان شغوفاً بقراءتها ، منحته أكثر من مفتاح للدخول الى عصره ، القدرة على التفكير  وطرح الأسئلة والتجريد ، الكتاب ملك حواسه ، التي ظلت معلقة بأول كتاب قرأه لأندريه جيد حين ذكر : العالم يبدآ لينتهي بكتاب، منه ظل يفتش عن كنز يعرف أوصافه ، منصتاً للاصوات القادمة من الماضي ، منذ صباه راح يقرأ في اللغات ، فكانت له مؤنساته ، وخلواته مع الكتاب في صنوف الادب والمعرفة ، لذا يقدم لنا فاضل أثرا جميلا وممتعاً ، على الرغم من مفرداته ومتضاداته ، ومشاكساته ، انه هويته الخاصة وحده ، الممتع فيه انه يمنح القارىء قدراً كبيراً من المعرفة  في الأسماء والاماكن والكتب والثقافات ، كشوفات فاضل لاتأتي عن هوى ، غير مسرف في النص ، ولربما يكون هذا الكتاب مشروعا ً مضموما للغد ، فاضل  لايسعى للشهرة ، ولا الى تكريم ، كما يقول عنه صديقه رياض رمزي ، انه شاعر مهنته دفع الغرامات ، سيرته مزيج من الشعر والنثر ، الشاعر عواد ناصر اكثر وضوحا وصدقا في القول : انه مثقف عميق الغور( أنتيك) ، قليل أمثاله في أسواق ثقافة اليوم ، وإذا كانت الكتابة مواجهة جريئة مع الذات والعالم فان فاضل أدى هذه المهمة بطريقته الخاصة ، مثقف مسؤول عن خراب العالم ، أو لاجتياز الحزن .



اضف تعليقك

شروط نشر التعليقات والتعقيبات في "المدى"

تود "المدى" أن تعلن لقرائها وزوار موقعها الالكتروني الكرام بان تعليقاتهم وتعقيباتهم على ما ينشر فيها يخضع لذات القواعد التي تحكم عملية النشر في الصحيفة الورقية والمتقيدة باخلاقيات الصحافة المتعارف عليها دولياً، وتؤكد انها لن تنشر ما يتعارض مع هذه القواعد وفقاً للآتي:

1 - يلتزم القراء وزوار الموقع الالكتروني بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وبعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب وهيئات الدولة والهيئات الاجتماعية وسائر الناس، بكلام جارح ونابِ ومشين ويحتوي على معلومات غير مؤكدة، ويلتزمون أيضاً بعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء.
2 – يحق لإدارة تحرير المدى ان تنقّح تعليق القارئ او الزائر بما يتناسب مع اللياقات الموصوفة اعلاه، وإطلاق الحوار البنّاء، مع الحفاظ على مضمون التعليق، أو أن تحجبه إذا كان غير مناسب أو متعارضاً مع قواعد النشر.
3 – تنطبق هذه الشروط على ما ينشر في الملاحق وسائر مواقع وإصدارات مؤسسة المدى
4 - لا تتحمل مؤسسة المدى أي مسؤولية مادية أو معنوية حيال صاحب التعليق.
الاسم:  
البريد الالكتروني:    
التفاصيل:  
رمز التحقق:
جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة المدى للاعلام والثقافة والفنون