عام
2017/09/14 (17:03 مساء)   -   عدد القراءات: 964   -   العدد(4017)
مارلين: الجسد.. الموهبة.. وثمن الشهرة
مارلين: الجسد.. الموهبة.. وثمن الشهرة


 سعد محمد رحيم

 أوّلُ ما يُحيّر في كتاب (قصتي: مارلين مونرو)* الصادر باسم مؤلفين اثنين هما؛ مارلين مونرو وبن هكت، هو السؤال عن بصمات مَنْ تطغي على فصوله القصيرة؛ بصمات مارلين أم بصمات بن؟. أهي أفكار مارلين بأسلوب بن ولغته؟. أم هي أفكار بن مطعّمة بنتف من آراء مارلين؟.. هل لمارلين أيّ فضل بأيِّ قدر على الطريقة التي دُوِّنت عبر أطرها تلكم الأفكار وحيكت القصص.    ما مدى تطابق ما يُروى مع ما جرى؟ وإلى أيِّ حدٍّ تدخّلت حذاقة بن في صياغة الكتاب بما يليق بتاريخ واحدة من نجوم هوليود الأشد بريقاً في عصرها الذهبي؟.


مردُّ هذه الأسئلة هو مفارقة انطباعاتنا المسبقة، والصور الراسخة في أذهاننا عن مارلين مونرو مع الانطباع الذي سنخرج به والصور التي ستتولّد لدينا بعد الفراغ من قراءة الكتاب.
   (قصتي: مارلين مونرو) كتاب خفيف، ممتع، وذكي لكنه ليس سطحياً بأية حال. وشخصياً منحتني صفحاته أكثر مما توقّعته منها. وإذا ما  صدّقنا ما جاء فيه عن تفاصيل حياة مارلين وأفكارها ومشاعرها ورغباتها فإننا نكون إزاء مادة خام، أوّلية، تُعين في تحليل شخصيّتها، وفي إلقاء الضوء على جانب سرّي من عالم صناعة السينما في هوليود خلال عقدٍ أو أكثر بعد الحرب العالمية الثانية.    قصة مارلين مونرو هي قصة هوليود في حقبة إشكالية من تاريخها.. قصة حقبة حسّاسة ألقت عليها الماكارثية، والحرب الباردة عموماً، بظلِّها الثقيل. وأرهصت للثورة الجنسية التي عرفها عقد الستينات من القرن المنصرم، وكانت مارلين رمزها الصارخ وإيقونتها قبل أن ترحل عن الدنيا بتلك الطريقة التراجيدية الغامضة، حيث لم تُحسم حتى هذه الساعة القناعة بشأن الأمر إن كان انتحاراً حقاً كما أُشيع، أم اغتيالاً بتدبير من المخابرات المركزية الأمريكية كما شكّك كثر من الناس. فعلاقة مارلين مع البيت الأبيض ورجله الأول، في ذلك الوقت؛ جون كينيدي، معروفة.
   لم تعرف أباها قط. وكانت أمها تبعدها عنها. وقد عاشت مع آخرين مفتقدةً لدفء الجو المنزلي وعلاقاته الحميمة. وبالرغم من هذا كان جميع من حولها يُحدِّثونها عن الرب، ويُذكِّرونها به، ولذا كوّنت صورة عنه في مخيّلتها الغضّة: "في صوري؛ هو يشبه قليلاً العمّة غراس، ويشبه كلارك غيبل بعض الشيء" ص34.
   كانت أمّها العصابية تعمل في وظيفة قطع الأفلام ولصقها في أحد الأستوديوهات. ومنذ طفولتها، وكان اسمها يومها (نورما جين) كرهت رائحة شرائط الأفلام الرطبة التي التصقت بأنفها، لكنها، ولكي تُحيل حلمها بالشهرة إلى واقع أُغرمت بالتمثيل.
   "التمثيل كان شيئاً لامعاً وجميلاً. كان مثل الألوان البرّاقة التي اعتادت نورما جين أن تراها في أحلام يقظتها. لم يكن فنّاً. كان مثل لعبة تلعبها، تجعلك قادراً أن تُسرع الخطى، خارجاً من العالم المعتم الذي كنت تعرفه، إلى داخل عوالم برّاقة، تجعل قلبك يتقافز" ص77.
ولأنها ذكيّة إلى حدِّ مفرط استطاعت أن تشقَّ طريقها في أرض وعرة ومناخات غير مؤاتية.. ربما كانت محظوظة بقدر، غير أنها من غير تلك المناورات الصعبة التي اضطرت لأدائها بحذاقة ما كان ممكناً الوصول إلى ذرى الشهرة التي بلغتها. وحين يقترن الذكاء بحسّاسية عالية يغدوان وبالاً على المرء ـ لا نعمة وسعادة على الدوام. وربما لهذا السبب ودّعت العالم مبكراً.. العالم الذي، كما يبدو، لا يتحمّل شخصيّة مثل شخصيّتها، أو هي شخصيّتها التي تضيق ذرعاً بمثل هذا العالم. وفي حالة كهذه لابد من أن تعقب فاجعة انتحارها الشكوك والشائعات. والشكوك والشائعات هي المستنقع اللزج الذي خاضت فيه بالرغم منها، وكانت تلك جزءاً من الضريبة الباهظة التي توجّب عليها أداءها صاغرة لتحافظ على ما جنته. وما جنته لم يكن حلواً في مطلق الأحوال.    كانت تبحث عن فرصة أولى حقيقية.. فرصة ستسعى لاستثمارها بإيمانٍ وذكاء متوقِّدين.. وحتى مع منحها لدورٍ صغير في فيلم كبير عزمت على تجنب الفشل: "ما إن يدعوني أدخل فلا شيءَ سيجعلني أخرج أبداً" ص86. لكنّها كانت تعرف عن دسائس النصب التي تفضي بالجميلات إلى سرير الغرام، لا إلى الوقوف أمام الكاميرا.. ففي هوليود "عفّة الفتاة أقلّ أهمية للغاية مما قد يؤدِّيه شعرها من مهام.. هوليود مكانُ حيث سيدفعون لك آلاف الدولارات مقابل قُبلة، وخمسين سنتاً من أجل روحك" ص91.
   كانت ذاتها محور حياتها. كان الأمر هكذا منذ سنواتها المبكِّرة.. لعلَّ ما عانته من نبذ وحرمان وهي طفلة يفسِّرُ ذلك. وقد حلمت، حتى وهي خادمة صغيرة في بيت غريب، بجذب انتباه الآخرين الذين تشعر باختلافها عنهم.. ولأنها اضطرّت في تلك المرحلة البائسة من حياتها الى ارتداء ملابس رخيصة، غير مناسبة، وقبيحة تخجل منها تولّتها رغبة عارمة في أن تخلع ملابسها أمام الناس:   "نزوتي بأن أظهر عارية وأحلامي عن ذلك لم تتضمّن أيّ شعور بالخزي والذنب. الحلم بالناس يتطلّعون إليّ جعلني أشعر أنني أقل وحدة... حين أكون عارية؛ أنا أكون مثل الفتيات الأُخريات، وليس مثل شخص يرتدي الزيّ الموحّد للأيتام" ص35.
   شغفها بالجمال قادها إلى الحلم بأن تصبح يوماً ما محطَّ أنظار جمهور واسع.. في مقابل أنها لم تحلم بالحب حتى بعد أن وقعت في الحب للمرّة الأولى وهي في الثامنة من عمرها مع فتى يكبرها بعام، كما تقول.. وستخبرنا بأن الفتى بعد أن صارا بين الحشائش لاذ بالفرار من غير أن تفصح عن تفاصيل ما حصل هناك.. وحدست أن الأمر كان خاطئاً إذاً. ولكن لِمَ كان خاطئاً، وماذا تكون حقيقة الحب والجنس؟ فتلك أسئلة شغلتها منذ ذلك الحين، ولم يكن ثمّة من يجيبها عليها. فضلاً عن معرفتها بأن "الناس يُخبرون الأطفال بالأكاذيب فحسب، أكاذيب عن كل شيء بدايةً؛ من الحساء، حتى سانتا كلوزا"ص41.
   وستدرك مع بزوغ مرحلة مراهقتها بأنها فاتنة حقاً حين تستعير من ابنة مخدومها ذات يوم سترة لتذهب إلى المدرسة.. السترة المشدودة التي ستُبرز ما تخفي تحتها وهي تدخل صفّ الرياضيات:  "بينما كنت أسير نحو مقعدي، كان الجميع يحدِّقون بي كما لو أنه قد نما لديّ رأسان فجأة" ص47.
   ولا ندري أنسلِّم بما تدّعي أم لا، وهي تحاول التأكيد بأنها لم تكن تعرف شيئاً حتى ذلك الوقت بخصوص الجنس، وبعد أن بدأت الشائعات تحاصرها؟.
   "لم أكن على دراية بشأن أي شيء ذي طبيعة جنسية حيال إعجابهم حديث العهد بي، ولم يكن هناك أيّ أفكار جنسية تشغل عقلي" ص48.
 وسيتكرَّر ما حصل في صفِّ الرياضيات، وهذه المرّة على الشاطئ، لمّا تظهر بملابس السباحة التي لا تكاد تستر شيئاً من جسدها.. سيحتجُّ صديقها حين تمشي على الرمال باتجاه البحر، ويكون الأوان قد فات:  "كان الشباب يصفِّرون لي. بعضهم هبَّ واقفاً من الرمل وهرول لأجل أن يرى المشهد بشكلٍ أفضل. حتى النساء توقّفن عن الحراك بينما كنت اقترب"ص50.        
   سترتعب الفتيات منها لأنها جذّابة أكثر، ومن الممكن أن يفقدن رفقائهن بسببها.. وهذه المشكلة ستواجهها على نحوٍ أكبر لاحقاً، بعدما تغدو نجمة وتحضر حفلات المشاهير.. كانت تريد من تلك الحفلات أن تكون مناسبة لتسويق نفسها، وكان الذكور من زملائها يريدونها زينة طاولة حلوة على حد تعبيرها.    "أحياناً كنت أذهب إلى حفل حيث لا أحد كان يتحدّث إليّ طوال المساء. الرجال الخائفون من زوجاتهم أو حبيباتهم كانوا يتجنّبونني ويبتعدون عنّي. والسيدات كنَّ يجتمعن في عصابات في ركنٍ كي يتباحثن أمرَ شخصيَ الخطِر" ص182.     حاولت تجنّب الفضائح التي تتوسّلها بعضهن لتحقيق حلم الشهرة والغنى في هوليود. وغالباً ما كانت تصل مع من يحاولون استدراجها بقصد جنسي إلى منتصف الطريق، قبل أن تتركهم حائرين غاضبين. بيد أنها كانت تُقَدَّم دائماً كفرجة، كوليمة جنسية، وكنموذج للشهوانية والفسق.. تقول بخصوص هذه الظاهرة التي لم تردها قط: "كان لدى الناس عادة بأن ينظروا إليّ كما لو أني كنت مرآة على نحوٍ ما، بدلاً من كوني شخصاً. لم يكونوا يرونني؛ كانوا يرون أفكارهم الشهوانية الخاصة. كانوا يتقنّعون بقناع زائف من البراءة والطهر، بدعواهم إيّاي أنّني أنا الشخص الفاسق" ص249.

 



اضف تعليقك

شروط نشر التعليقات والتعقيبات في "المدى"

تود "المدى" أن تعلن لقرائها وزوار موقعها الالكتروني الكرام بان تعليقاتهم وتعقيباتهم على ما ينشر فيها يخضع لذات القواعد التي تحكم عملية النشر في الصحيفة الورقية والمتقيدة باخلاقيات الصحافة المتعارف عليها دولياً، وتؤكد انها لن تنشر ما يتعارض مع هذه القواعد وفقاً للآتي:

1 - يلتزم القراء وزوار الموقع الالكتروني بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وبعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب وهيئات الدولة والهيئات الاجتماعية وسائر الناس، بكلام جارح ونابِ ومشين ويحتوي على معلومات غير مؤكدة، ويلتزمون أيضاً بعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء.
2 – يحق لإدارة تحرير المدى ان تنقّح تعليق القارئ او الزائر بما يتناسب مع اللياقات الموصوفة اعلاه، وإطلاق الحوار البنّاء، مع الحفاظ على مضمون التعليق، أو أن تحجبه إذا كان غير مناسب أو متعارضاً مع قواعد النشر.
3 – تنطبق هذه الشروط على ما ينشر في الملاحق وسائر مواقع وإصدارات مؤسسة المدى
4 - لا تتحمل مؤسسة المدى أي مسؤولية مادية أو معنوية حيال صاحب التعليق.
الاسم:  
البريد الالكتروني:    
التفاصيل:  
رمز التحقق:
جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة المدى للاعلام والثقافة والفنون