آراء وافكار
2017/09/16 (00:01 مساء)   -   عدد القراءات: 824   -   العدد(4018)
عن حواضن داعش و مخاطرها اللاحقة |  (1-2)  |
عن حواضن داعش و مخاطرها اللاحقة | (1-2) |


 د. مهند البراك

أثر الانتصارات الباسلة لجيشنا والقوات المسلحة المتحالفة من حشد و بيشمركة و قوات عشائر على داعش الإجرامية، يؤكد العديد من السياسيين و المتخصصين، بأن النصر العسكري ليس كافياً للقضاء المبرم على داعش، وإنما يتطلب العديد من الإجراءات و النشاطات لتنظيف حواضنها التي عملت دكتاتورية صدّام على تشويه واقعها الاجتماعي بكل الوسائل والتي تعاملت حكومات المالكي معها بأساليب عنيفة فقط افتقرت للحكمة و الدراية.ثم تسببت الأعمال الإجرامية و اللا إنسانية و اللا أخلاقية للقاعدة و داعش الارهابيّتين، بدمار مدنها و تشويه و تمزيق انسانها اكثر، و لتسليط الأضواء على ذلك لابدّ من إلقاء نظرة على حواضن داعش و ماهيتها في مقال مختصر أدناه، يشير الى كيفية و أسباب ذلك من ماضيها القريب الذي لعب ادواراً مهمة في الأحداث الدموية و المأساوية اللاحقة والى ماهية تلك الحواضن و اسباب استمرارها رغم النصر العسكري الكبير.في وقت أثبت فيه ابناء عشائر تلك المناطق و أبناء المدن حرصهم على بلادهم و على تكاتفهم و قدراتهم عندما شعروا بتبني الحكومة لهم، و عندما لاحت الآمال بإنصافهم، حينما كسروا القاعدة الإرهابية لأوّل مرة في الشرق الأوسط في وحدات "الصحوات"، الاّ انهم تُركوا بعدها من قبل حكومة المالكي التي نقضت عهودها لهم و انتقمت منهم. و رغم انواع الصعوبات و العداوات التي تسببت بها الأعمال الإرهابية و سلوك المالكي تجاههم، فإنهم لعبوا ادواراً مهمة الى جانب القوات المسلحة العراقية في دحر داعش في الأشهر الماضية.   
وفي معرض الدخول في الموضوع، يشير سياسيون وخبيرون الى دور البيئة الجغرافية و البشرية في ذلك، فإضافة الى تواجد مجاميع سكانية في مناطق العراق الوسطى النائية عن المدن و الكهرباء و المياه النقية، التي تغطيّ المساحات الخالية الشاسعة بين المدن و التي تخترقها طرق المواصلات بنقاط استراحة نادرة لتوفّير الماء و شيء مما يسدّ الجوع. و تعيش تلك المجاميع على زراعة ديمية محدودة و حيوانات بيتية في الغالب، مشكّلة نقاطاً لعابري سبيل و هاربين و مهرّبين، تتواجد مجاميع سكانية أخرى تعيش حياة البداوة و التنقل و الرعي و التهريب و النهب، في بيوت شعر الماعز .
وبسبب بعد هذه المجاميع عن مدن الدولة و قوانينها، استمرت تعيش على روابط الدم و العائلة و العشيرة و التعصب للشرف و للأصل العرقي و مشاعر العداء لأهل المدن و للتمدن، التي يعرّف بها و يشدد عليها رؤساؤهم، و على الأحكام الدينية القرآنية و ما ينشره الشيوخ الدينيون المحليون بينها وفق مصالح رؤساء تلك المجاميع لتحقيق زعامات تدرّ عليهم المال، ساعين لتوثيق ذلك بسور من القرآن أو بأحاديث نبوية يصعب تدقيق صحّتها من باطلها.
وفي سعي صداّم سعياً محموماً لتكوين مجاميع تسنده، بإشراكها بالإجرام لتشاركه المصير وتضطر لحمايته، توجّهت اجهزته الى تلك المجاميع بهدف العمل على تشكيلها رصيدا ًلدعم احلامه المريضة، و بالذات الى افراد عوائل متنفذة و رؤساء عشائر أو افخاذ ذات تعصّب وقوة مسلحة ومال هناك، في محاولة لضمان ديمومة زعامته و مواصلة عائلته و حزبه من جهة، و لتشكيلها رصيداً لجهاز دولة الحزب و العائلة في حال افولها من جهة أخرى .
وأشار مقربون من الدكتاتور الى إسراعه اكثر في ذلك اثر انتفاضة ربيع 1991 المجيدة، اسراعه نحو تقوية رؤساء تلك المجاميع بوتائر أسرع دون التدخل بمعتقداتهم و طوائفهم، كسند لابد منه للعودة للحكم كـ (قائد العرب الخالد)، في حالة فقدانه للسلطة أو انتهاء دور حزب البعث العراقي الذي كان قد صُمم لظروف الحرب الباردة الماضية في زمن صراع القطبين الأعظمين، الأمر الذي قد يساعد على دفع جهات دولية مجدداً إليه بتقديره بعد أن قدّم لها اكبر الخدمات وأخطرها في الشرق الأوسط والخليج في عقود ماضية.
فمنذ قرارات فرض شريك تحدده المخابرات العامة في كل مشروع أو معاملة اقتصادية كبيرة جرت في البلد، و الذي كان في الغالب من فئات اعتمدها هو من المنطقتين الغربية و الشمالية من العراق اضافة الى أخرى مقرّبة غيرها، بعد أن شكّلت عشائر المناطق المذكورة، المرتكزات التي اعتمدت عليها الدولة العراقية منذ تأسيسها سواء في بنائها أو في ضبط الوضع الداخلي للبلاد، لأسباب كثيرة التعقيد و التنوع، و للدولة سجلات معروفة بهم (1)  . .
تركّزت صفقات المشاريع الكبيرة بأيدي اولئك الشركاء (الذين اصبحوا بعدئذ مالكيها) و من ثم بيد ابنائهم، بعد اطلاقه ايديهم في كيفية الوصول الى اهدافهم المقررة، مقابل عقوبة الموت جزاءً للخيانة، الأمر الذي ادىّ بمرور السنين الى تكوين مجاميع مافيوية مسلحة سرية بداية، اخذت تتوسّع بما تمتعّت به من قوة وسلطة و جاه، ارتبطت بولائها لولي نعمتها صدام، عادت و ضربت بقسوة من عارضه . وفي سعيه لتفريق شركائه عن بعض خوفاً من عملهم معاً ضده، و لفرض سيطرته هو عليهم متفرقين، طرح صدام مصطلح منطقة "المثلث العربي" (2) باعتباره (جوهرة العراق وشرفه العربي) (راجع نشرة "الثورة العربية" الخاصة بالبعث لسنوات 975 ـ 976 )، وشكّل لذلك " قوات الفارس" من عرب (اقحاح)، كصنف من اصناف القوات المسلّحة لحماية (المثلث الأصيل)، وجرى تركيزهم وزيادة تجميع الموالين فيه وزيادة تسلّطهم على ابناء مناطقهم.
حتى تطورت تلك القوات فيما بعد الى الفيلق الأوسط العربي الخاص، الذي أمّن له اتصالاً وثيقاً مباشراً ـ من خلال القرابات العائلية لتلك الفئات ـ مع (المنظمات الحزبية والجماهيرية للبعث) في مدن وقرى منطقة المثلث، ليشكّل منتسبوه بعدئذ، العصب الأكثر حسّاسية في الأجهزة الخاصة المدنية والعسكرية، مستنداً الى مُحافظة تلك الفئات على تماسكها العائلي الطائفي المغلق بحكم العادات، الأمر الذي أمّن إضافة الى تداخلها والاستمرار على توثيقه، فإنه أمّن بدعم الدكتاتورية ربطِها بعشائر الجوار العربي.
من ناحية أخرى عززت الدكتاتورية اجراءاتها تلك هناك عندما شكّلت تلك المناطق، مؤخرة لجبهات الحرب العراقية ـ الإيرانية و ظهيرها المهم في توفير السلاح و المؤن في النقل البريّ، و صُرف الكثير على بناء اقوى التحصينات فيها، وجرى تخزين احدث المعدات العسكرية فيها، بعد أن بُذل وصُرف الكثير على تركيز السلطة المالية والمسلحة لتلك الفئات فيها، الأمر الذي تزايد اكثر لاحقاً، بإطلاق يدها في تهريب النفط والسلاح في سنوات الحصار، وأدىّ الى خلقها فئات مشابهة على الطرف الآخر من الحدود من نفس العشائر، وادى الى تصبح تلك الفئات اكثر قوة وجشعاً .
وقد أدّت التسهيلات الهائلة المقدّمة لأبناء تلك الفئات الموالية، في قطاع المقاولات وشراء العقارات والسمسرات المتنوعة ـ بعد سحق الرافضين وغير الموالين اوشلّهم وإجبارهم على ترك المنطقة الذي قوّى عداوات وخلق اخرى جديدة هناك-، ادّت الى رصّ وظهور ثم تبلور تشكيلة مالية ـ اجتماعية ـ عسكرية مافيوية عائلية طائفية مترابطة، تزعّمت غالبية التشكيلات المشابهة التي كانت تتوالى على الظهور في انحاء العراق الأخرى. الأمر الذي ادىّ اضافة الى عوامل أخرى وبتوالي الزمان، الى بداية مخاطر التمييز الطائفي ثم تفاقمه وتراكمه وزيادته حدةً ووحشية!! على يد الدكتاتورية التي عملت بكل الوسائل لإدامة حكمها.
ومن جهة أخرى، اهتمت اجهزة صدام بوقت مبكر من تسلمه السلطة بالطرق الإسلامية الصوفية السنيّة ـ اضافة الى سعيها المحموم بالنفوذ الى المرجعيات الشيعية بأشكال و غايات متنوعة ـ ، فتقرّبت بأساليب مالية وارهابية، من عدد من شيوخ الصوفية و فعّالياتهم بصور غلب عليها طابع السرية، في المحافظات الغربية اضافة الى كركوك وأربيل وغيرها، كما نشرت الصحف اليومية نُتفاً عن ذلك آنذاك. حين كان ذلك وسيلة من وسائل احكام السيطرة على المجتمع العراقي. و كان وسيلة من وسائل الحرب ضد الجارة ايران بعد اعلان الحرب عليها. وازداد مجال السلطة للتحرّك الديني بغطاء الطائفة السنيّة ايضاً، منذ تلك الفترات .
في ظروف و سنوات مرعبة للحرب و الإرهاب و الإعدامات الجماعية و معوقي ومشوّهي الحرب، وضحايا عقوبات قطع الأعضاء كاللسان والأذان، وغيرها الكثير التي اشاعت خوفاً ورعباً لايوصفان، دفعا بالبشر الى البحث عن أي مخلّص مهما كان، بعيداً عن الفكر والنظريات المحرّمة لعجز ما متوفر منها عن حفظ الأرواح، حتى صارت أوسع الأوساط  تلتجأ للسماء.
 يتبع
1. راجع كتاب " صفحات من تأريخ العراق القريب "، للمس غرترود بيل، فصول عشائر العراق.
2. لا تحديد واضح لأطراف المثلث، فسّره قسم بكونه ضمّ (نينوى ـ صلاح الدين ـ الأنبار)، فسره آخرون بأنه ضم مثلث ( تكريت ـ الدُّورـ سامراء)، ويرى قسم آخر أن المثلث الثاني هو نواة المثلث الأول الكبير، في وقت تمتاز فيه عموم المنطقة الآنفة بروابط دم وبعوائل متداخلة



اضف تعليقك

شروط نشر التعليقات والتعقيبات في "المدى"

تود "المدى" أن تعلن لقرائها وزوار موقعها الالكتروني الكرام بان تعليقاتهم وتعقيباتهم على ما ينشر فيها يخضع لذات القواعد التي تحكم عملية النشر في الصحيفة الورقية والمتقيدة باخلاقيات الصحافة المتعارف عليها دولياً، وتؤكد انها لن تنشر ما يتعارض مع هذه القواعد وفقاً للآتي:

1 - يلتزم القراء وزوار الموقع الالكتروني بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وبعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب وهيئات الدولة والهيئات الاجتماعية وسائر الناس، بكلام جارح ونابِ ومشين ويحتوي على معلومات غير مؤكدة، ويلتزمون أيضاً بعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء.
2 – يحق لإدارة تحرير المدى ان تنقّح تعليق القارئ او الزائر بما يتناسب مع اللياقات الموصوفة اعلاه، وإطلاق الحوار البنّاء، مع الحفاظ على مضمون التعليق، أو أن تحجبه إذا كان غير مناسب أو متعارضاً مع قواعد النشر.
3 – تنطبق هذه الشروط على ما ينشر في الملاحق وسائر مواقع وإصدارات مؤسسة المدى
4 - لا تتحمل مؤسسة المدى أي مسؤولية مادية أو معنوية حيال صاحب التعليق.
الاسم:  
البريد الالكتروني:    
التفاصيل:  
رمز التحقق:
جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة المدى للاعلام والثقافة والفنون