آراء وافكار
2017/09/16 (00:01 مساء)   -   عدد القراءات: 851   -   العدد(4018)
من نصدّق؟.. لكنْ صدقوا!
من نصدّق؟.. لكنْ صدقوا!


 سهيل سامي نادر

أثناء حادثة نقل الدواعش من جرود العرسال الى دير الزور وفي سياقها، امتلأ "الفيس بوك" بما أدعوه بإداريي المعارك. هؤلاء، مثل كل الاداريين، يعزلون الحوادث عن بعضها البعض مجردينها من ماضيها وتحولاتها. حادث العرسال جرى عزله عن تاريخ الفاعلين الرئيسين، مع نسيان القضايا السياسية الرئيسة التي تشق دربها الى المستقبل، خاضعة مرّة الى ميزان القوى، ومرّة الى البنى السياسية والثقافية العاملة في كل ميادين الحياة .
والحال أن تحولات الموقف في نقل الدواعش من جرود العرسال باتت على صفحات "الفيس بوك" حكاية تفضح ما يتخفى من رواسب الطوائف والافكار المسبقة حتى في نفوس اولئك المدربين على تداول الأفكار، وعلى إخفاء مواردها ودوافعها الاصلية. لقد كشفت هذه القضية كيف أن الانقسامات الطائفية أو السياسية أو الفكرية في التقاليد العراقية السياسية تنشغل بتكذيب الآخرين واتهامهم بشتى النعوت بدلاً من تبادل المعلومات بهدوء واستقبال الحدث بموضوعية بصرف النظر عن المحمولات العاطفية والفكرية .
من وجهة نظري، أرى أن الحرب كلها أُديرت من قبل منقسمين سياسياً، ولست متأكداً من أنهم يتفقون على الهدف (القضاء على داعش) من دون تحقيق أهداف أخرى. أكثر من هذا أن المصالح الاقليمية والدولية هي التي باتت تسيطر على نتائجها. إن بلداننا باتت على أكف المصالح الاقليمية والدولية، وما من أحد من الفاعلين الرئيسين، سوى المحاربين الشجعان المضحّين، من لا يخفي هدفاً سيئاً.
بدلاً من نزعة تصديق أي شيء وفوراً، وتحميل الكلمات سلطة التخوين والاتهام، كان يجب استدعاء محكات التجربة السياسية السابقة، واستدعاء الفاعلين والمتكلمين في هذا الصراع ومعرفة دوافعهم وحقيقتهم . في حرب تخترقها إرادات دول لا تُعد ولا تحصى، لماذا واصلنا تأييد هذا وتكذّيب ذاك، دون ربط هذا الحدث بأخلاقيات الفاعلين الرئيسين، ودون أن نتفحص ما يراد تمريره برؤوسنا في المستقبل؟ .
لا أحب أن أصدق ما يجري على التو. من السذاجة أن لا نميّز بين الدوافع والوقائع، ومن السذاجة أن نعطل الذاكرة على مشجب هذا الحدث أو ذاك وننسى الصورة العامة. هناك من يجمع معلومات اللحظة، فإذا بلحظة أخرى تبث فيها الخلل، لكنه يواصل اللحظة السابقة. هناك من يستعجل ويصفّق فرحاً وحبوراً من اجل بضع اتفاقات بين استنتاجه والحدث. هناك من يصيح فرحاً في محاولة ارباك خصوم سياسيين: ها .. ماذا تقولون الآن يا اولاد الـ (...).
ليس هذا عمل مثقفين بل عمل نزعة إدارية مجنونة تحاصر بضعة معطيات وتعزلها. الموضوعية هي اعادة بناء والربط بمبدأ العدالة وليس الاستسلام لنتوءات والتواءات معركة محسومة عسكرياً، حسب ميزان القوى، لكن نتائجها السياسية ترمي بعيداً.
والحال أنني أصدق تماماً أن داعش ذاهبة الى جهنم، مثلما هي في حقيقتها جاءت من جهنم العقائد ومن خثرة تاريخية ما زلنا نتنفس أبخرتها السامة. أصدق أيضاً أن التفاهة السياسية المعجونة بالأهداف الطائفية تغطي المنطقة كلها، وهي قادرة على أن تغطي النصر المنتزع بالتضحيات والدم الغالي وتسرقه لتمارس في رؤوس الفقراء الابتزاز والبطولات والتجهيل.
فيما بعد، ولا أدري زمن هذا البعد، سنكتشف سيرة حرب أخرى أكثر هولاً مليئة بقصص لا تصدّق عن التواطؤات والاختراقات والنذالات وانعدام الشرف. كما سيكتشف اولئك المحللون الذين لا يحللون أنفسهم قبل كل شيء أنهم خدعوا ومارسوا الخداع .
أنا لا أصدق كل ما يُقال، حتى النتائج الموضوعية المباشرة تحتاج الى تقشير تماماً مثلما يجب تقشير جلود الفاعلين الرئيسين في السياسة لكي يظهر معدنهم الحقيقي. هناك سيرة حرب، وهناك سيرة الأنظمة السياسية والبطرياركيات، الأولى تعبر كأحداث، والثانية بنى راسخة – بنى تنبش الطائفية والقوى الامبريالية في نيرانها التاريخية وتؤجج نزعتها العدوانية في احتلال كل فضاءات العمل السياسي والثقافي، ولسوف تستولي على نتائج الحرب مثلما تقاسمت أسلاب حرب 2003 .
لماذا ننتصر في الحرب ونتعثر في محاربة الفساد وبناء الدولة؟ ما الذي يمنع ربط الانجاز العسكري بعملية إعادة بناء الدولة؟ ما الذي يجعل السياسة بهذا الازدواج القاتل الممل؟
علينا توسيع الرؤية والعبارات معاً . كل حرب هي امتداد لصراع سياسي وفكري، وقد تلد نتائج حرب حرباً أخرى، يمكن من الآن الاستماع الى دبيبها. لقد جرى خداعنا اكثر من مرة، وأكثر من مرة أسهمنا دون وعي، وبسبب ضعفنا أو واقعيتنا الكسولة، بالدفاع عن خونة ومجانين وباعة شعارات.
ما زلنا بحاجة الى الانصياع الى منطق الحياة الحرة والعقل الحر وليس الى الاشاعات السياسية وكارزما الرجال وحماقاتهم . لكن دعوني أقول، إنني أصدّق ما يسمى بالتحضيرات لما بعد داعش. فكروا معي وسترون أن شيئاً ما يُعد، شيء اسمه ما بعد داعش، تآمري وطائفي وامبريالي كريه ومنحط، ينتقل الى كتابات محملة بالوعد والوعيد والستراتيجيات المتخيلة والبالونات الملونة، محملة بتغيير المعادلات التي باتت تشبه رياضيات الفضاء الخارجي تستنتج وجود أجسام غير مرئية، بعدم القبول والقبول، بهدّ الجسور وبناء أخرى، بالرقص مع البنادق وتغيير اتجاهاتها.
نظامنا السياسي البائس مكبّل بالقروض، ينتصر في الحرب ضد داعش ويخسر حرب التنمية ومكافحة الفساد، ويستلقي على كف عفاريت التدخل الاقليمي والدولي. بعد داعش سيجد نفسه وجهاً لوجه أمام مئات الرايات التي تبتزه (وتبتز الجميع) بالنصر وهي تقبض على البنادق، مطالبة بمكاسب سياسية، أي مطالبة بتقاسم مغانم السلم المقبل، وهذا ما فعله بالضبط فرسان 2003 من سياسيي الشيعة والسنة والكرد. خلال 14 عاماً تتكرر نفس الظواهر. ها نحن إذن في حقل تجربة نعرف أوصافها، وفي دولة مفلسة نكاد نعرف الى اين هي ذاهبة. لكن حتى إذا لم يستخدم السلاح لفرض إرادة بعض الجهات، بسبب مأثرة الدستور والساعات الرحمانية وتدخل الأصدقاء وقراءة الفناجين واستخدام الأدعية، فإن الانتخابات المقبلة، ستأتي بالجيف نفسها، فهي تحمل ثقل سنوات من الخراب، وأكثر من 100 حزب مسجّل حتى الآن، أي أن المشروع الفاشل السابق قادر على تجديد نفسه بضمانة آلية سياسية مهمتها ليس البناء بل الثرثرة وتقاسم النفوذ والمال. (إن أكبر مشروع ربحي هو الحصول على وزارة ومقعد في البرلمان)، والجمع المؤمن يحمل السلاح قبل داعش وبعد داعش .. إنه سلم المنشقين إذن، سلم سيارات الدفع الرباعي وولائم السمك المسكوف والرشاشات الحارسة والوشايات، سلم الذين يتوحدون على الموائد، المالكي وحزب عمار والفضيلة، الحزب الاسلامي المتراقص، النزعة القومية الكردية المشروعة التي يريد قادتها السياسيون، الآن عند حافة قلقة، الفرار مما ساهموا به من خراب مع حلفائهم من سياسيي الشيعة، زعماء المحافظات اللصوص، العشائر المتأسلمة حديثاً والتي تستطيع بواسطة بنادقها أن تنسينا أن الاسلام دين العالمين جميعاً.
ولأن ديمقراطية الصندوق هي من تقضي وتحكم لا ديمقرطية الدولة والمجتمع المدني، فأولئك الذين ضحوا من اجل القضاء على الارهاب الداعشي لن يواتيهم الحظ في رؤية (دولة عادلة تعزّ الإسلام وأهله)، تنتشلهم من البؤس!



اضف تعليقك

شروط نشر التعليقات والتعقيبات في "المدى"

تود "المدى" أن تعلن لقرائها وزوار موقعها الالكتروني الكرام بان تعليقاتهم وتعقيباتهم على ما ينشر فيها يخضع لذات القواعد التي تحكم عملية النشر في الصحيفة الورقية والمتقيدة باخلاقيات الصحافة المتعارف عليها دولياً، وتؤكد انها لن تنشر ما يتعارض مع هذه القواعد وفقاً للآتي:

1 - يلتزم القراء وزوار الموقع الالكتروني بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وبعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب وهيئات الدولة والهيئات الاجتماعية وسائر الناس، بكلام جارح ونابِ ومشين ويحتوي على معلومات غير مؤكدة، ويلتزمون أيضاً بعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء.
2 – يحق لإدارة تحرير المدى ان تنقّح تعليق القارئ او الزائر بما يتناسب مع اللياقات الموصوفة اعلاه، وإطلاق الحوار البنّاء، مع الحفاظ على مضمون التعليق، أو أن تحجبه إذا كان غير مناسب أو متعارضاً مع قواعد النشر.
3 – تنطبق هذه الشروط على ما ينشر في الملاحق وسائر مواقع وإصدارات مؤسسة المدى
4 - لا تتحمل مؤسسة المدى أي مسؤولية مادية أو معنوية حيال صاحب التعليق.
الاسم:  
البريد الالكتروني:    
التفاصيل:  
رمز التحقق:
جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة المدى للاعلام والثقافة والفنون