آراء وافكار
2017/09/18 (00:01 مساء)   -   عدد القراءات: 733   -   العدد(4020)
عن حواضن داعش ومخاطرها اللاحقة |  (2-2)  |
عن حواضن داعش ومخاطرها اللاحقة | (2-2) |


 د. مهند البراك

وقد أدّت ظروف الحرب المتكررة  ومواجهة الدكتاتورية للعقوبات الدولية و الحصار التي ارتكز فيها النظام على تلك الفئات في غرب و شمال العراق، إضافة الى عمل  الدكتاتور كلّ ما من شأنه إقامة مرتكزات عشائرية و بشرية له حيثما احتاج، بعد (الاعتذار) ودفع أموال ( فصلية) لمن عاملهم بقسوة في السابق؟! بالترافق مع الاعتماد على رؤساء جدد أكثر كفاءة. لتأمين تهريب النفط لديمومة دكتاتوريته، غيرمبالٍ بما تحصل عليه و ماتقوم به تلك الفئات التي أخذ عددٌ منها يبني خزانات ويسيّر قوافل الشاحنات (تانكرات) لنقل النفط لحسابه و يتسابق عليه.
الأمر الذي أدّى الى نشوء علاقات سوق سوداء اقتصادية ـ عشائرية ـ نفطية ـ عسكرية . بكل لا أخلاقيتها و(شطاراتها) ونفاقها في النهب والإجرام، بحماية (الدولة والقانون) ضمّت حلقات من لاعبين دوليين و إقليميين في تجارة النفط و السلاح والسوق السوداء، بالأموال الفلكية (1) و القتل وبتوثيق الصلات مع العصابات والمافيات الدولية، وفق خططه بتحويل الصراع من صراع وطني الى صراع اقليمي ـ دولي، وظّفته داعش لاحقاً في حركتها الإقليمية ـ الدولية، ووظّفها فاسدون في كتل حاكمة لهم، بعد سقوط الدكتاتورية. في وقت سعى الدكتاتور فيه الى مواجهة السخط الشعبي، برفعه شعارات (الحملة الإيمانية) المنافقة، و خطّ عبارة (الله اكبر) على راية البلاد، وبدأ يعمل بوتائر كبيرة لركوب الموجة الإسلاموية التي تصاعدت، في محاولات لصياغة ظهوره كـ (رئيس مؤمن) ، ولتزييف وحرف الاتجاهات الإسلامية.
فبدأ العمل بوتيرة اكبر من السابق لدعم المعاهد الإسلامية و بناء الجوامع، وإقامة (اكاديمية صدام الإسلامية) وتفريغ وتخصيص مئات الحزبيين (من البعث الحاكم) وبالذات من الفئات المقرّبة(2) للانخراط في تلك المعاهد كطلبة وكأساتذة، لتخريج رجال دين وشيوخ وخطباء دينيين غطّوا تلك المناطق و غيرها، و عقد المؤتمرات الإسلامية بحضور وجوه من منظمات إرهابية سلفية للقاء بعضها ولتنسيق أعمالها مع الدكتاتورية، على اساس أن البعث هو (انبعاث الإسلام).
من ناحية أخرى، لابدّ من الإشارة الى لجوء صدام منذ الرعب الذي احدثته انتفاضة ربيع 1991 في صفوفه، الى خطة لتحويل منظمات البعث في مناطق الخطر، الى العمل السري المخابراتي الصرف،  و ازدادت تلك الوجهة منذ حدود عام 2001 عندما أُعلن عن بناء تنظيم سري جديد بأسم (حزب النواة) وعقد مؤتمره السري الأول في الموصل بقيادة عزت الدوري، و إعلانه عن (أن تنظيمات حزب البعث أخذ يعلوها الصدأ).  
ويشير متخصصون الى أن تهيؤ صدام لسقوط نظامه، و لمواصلة النشاط السرّي بعده، كان قد ترافق مع السعي لتشكيل حزب جديد من تلك العصابات ومن متطوعين عرب و مسلمين، باسم (حزب العودة) بداية، ثم بأيّ (اسم يلائم الموجة الإسلامية و المتغيّرات المقبلة) . و كشفت السنوات اللاحقة عن أن مجموعات الدكتاتور المنهار واصلت نشاطها الإجرامي مستفيدةً مما وفرته لها سجلات البعث ومخابرات دولته المنهارة من معلومات، بأسلوبها المعروف في ركوب الموجات الاجتماعية والسياسية، بواجهات واسماء متنوعة؛ ارهابية، اصولية، سلفية، طائفية وغيرها وبتصعيد أساليبها الوحشية أكثر لإرعاب المجتمع الذي لم تعد اساليبها الوحشية السابقة تمّض به، بتقديرها. في سعيها الجنوني للحفاظ على مانهبته، في محاولات جديدة للعودة الى الحكم بالتنسيق مع اية قوة محلية سواء مع القاعدة أو مع داعش كما حدث لاحقاً، بذات اللا أبالية بالأرواح و بتحريف الدين و العقيدة السياسية.
حتى لعبت تلك الفئات المقرّبة من الدكتاتور ادواراً مهمة في القاعدة و في تشكيلات داعش (3) الدمويتين الإجراميتين كما بينت الحقائق، في الأحداث الدموية اللاحقة التي لعبت فيها تلك الادوار بسطوتها في مناطقها و بتسليحها و خبرتها الارهابية و العسكرية، و اهمال حكومات المالكي الطائفية لأبناء تلك المحافظات و تعاملها العنيف معهم.  بعد أن حققت اجراءات الدكتاتورية و فئاتها في تلك الحواضن، مجتمعات محكومين و حاكمين لهم روابط اقليمية وعالمية وفّرت لهم دعماً كبيراً في توسعهم و مقاومتهم الوحشية لكل مايهدد امتيازاتهم، يدفعون بسخاء للدفاع عن ثرواتهم الأسطورية السوداء تلك، و يقاومون أي تغيير يتهدد عروشهم، رافعين رايات الدين والطائفة تارة، و العروبة والوطن تارة أخرى، أو بالتلوّن السريع مع مراكزالقوى الجديدة.
و إضافة لماحصل، و بالعمل مع تلك الفئات، اضافت القاعدة بالزواجات الإجبارية ثم داعش بـ (جهاد النكاح) القسري سيئ الصيت الذي كانت رغد بنت الدكتاتور الداعية الأكبر له منذ البداية، لتحقيق روابط دم اجرامية اجبارية بين عشائر تلك المناطق و بين داعش الذي توسّع في برامج تدريب الاطفال على الاعمال الارهابية الوحشية (و خاصة اطفال الأسرى نساءً و رجالاً، من الايزيديين و من الطوائف و الأديان الأخرى و من ابناء عشائر المنطقة) لتحقيق مخطط  شيطاني لتكوين جيل (من الأطفال و الأرامل الشابات و بالترابط العشائري)، جيل لايفكّر الاّ بالإرهاب لتحقيق الغايات، بعد أن تحطمت ارواحهم و مدنهم و حواضرهم و قراهم .  وبضوء التشوّهات و الدمار والمخاطر بعيدة المدى آنفة الذكر وغيرها، يرى عديد من المختصين وذوي الخِبَر، أن الأمر لن ينتهي بالنصر العسكري المؤزر لقواتنا و إن الأمر يتطلب، اضافة الى اعادة بناء المدن و عودة النازحين الى ديارهم و تعويضهم، يتطلب مواجهة التحديات القائمة الآن على محورين متلازمين ؛ محور المجتمع ومحور الدولة، يقومان على عودة الحياة الطبيعية و اعادة بناء الإنسان.  
وعلى أساس تفكيك ركائز المجتمع المشوّه؛ منظومات مافيات الجريمة والسوق السوداء والسلاح، التي راكمت تجارب وخبرات متنوعة وفّرتها لها سلطة و قانون سابقين و فئات من كتل مشاركة في الحكم الجديد، إضافة الى امتداداتها الأقليمية والدولية و التي لاتستسلم بسهولة.
إضافة الى تنويع طرق واساليب مواجهتها على أساس حساب التناقضات المستمرة في التغيّر،  و بذل جهود تنسجم مع الاعتماد على الكفاءات الوطنية و الوجهة الدستورية بعيداً عن الطائفية و المحاصصة، لفسح المجال لمن ينبذ موقفه العنفي و ضمّه للاشتراك بالعملية السياسية من زاوية مقبولة على اساس خدمة المجتمع، و تلبية مطالب قسم آخر.
على أن لا تُقبل عودة مجرمين وقتلة من فلول صدام و القاعدة و داعش وغيرهم الى مواقع في الإدارة و الحكم، و تقديم كبار المسؤولين الذين سلّموا الموصل و ثلث العراق لعصابات داعش للمحاكمة العلنية وفق نتائج تحقيق اللجنة البرلمانية، للضرب بيد من حديد للمجرمين و كبار الفاسدين .  من اجل حصر دائرة الإجرام، و لمواجهة نشاطات تهدف الى تحويل العراق الى ساحة حرب و جريمة دائمة للعنف والسوق السوداء والمخدرات. الأمر الذي يؤكّد بتقدير عديدين، أن التحوّل الى مجتمع جديد في دولة برلمانية فدرالية حديثة، يتطلّب تحولات تدريجية بثبات صارم، في ضوء الواقع المعاش و حركته، تتدرج فيها الإجراءات انطلاقاً من التفاعل مع الواقع القائم وتحريكه بشكل متنوع وفق خطة تقرّها الكفاءات الوطنية، على اساس الشروع بأعمال واجراءات ملموسة تحس الناس فعلاً بفوائدها و تغيّر بتطبيقها حياتها الضائعة الآن، و لتوفير قناعات لأوساط جديدة ولأوسع الأوساط من الاكثر شباباً بدورها وجدواها، بفتح الطريق للتكنوقراط وذوي الكفاءات النزيهة والفئات الواسعة من غير المنتمين على اساس الكفاءة، وللإبداعيين واصحاب المهن والطلبة والشباب وتعزيز دور نشيطات العمل النسوي. و يدعون الى ضرورة الإصلاح و التنوير الديني: بدعم تقارب علماء الدين من مختلف الطوائف و الأديان وجهودهم في التحديث من اجل تقدّم المجتمع وتخليصه من الأدران العالقة، دعم و تنشيط حوار الأديان والطوائف والحوار الديني ـ العلماني لمواجهة الفتن الطائفية، التي لايروح ضحية لها الاّ العراقيين رجالاً ونساءً من كلّ الأطياف و الأديان، تعرية مخاطر الفكر الشمولي سواء كان دينياً أم علمانياً، توضيح مبادئ وأهداف التسامح، اضافة الى الحوار الضروري لترويض الفكر والوعي، وتنظيفه من قيم الدكتاتورية والحروب والإرهاب والعنف.و دون ماتقدّم و غيره، لايمكن تنظيف و تجفيف حواضن داعش و لايمكن الحديث عن انتهاء المنظمات الإرهابية، بعيداً عن الفاسدين. و هي عملية وطنية كبرى، لايحققها الا تغيير حقيقي في مؤسسات البلاد بتكوين دولة مدنية قائمة على المواطنة بالتساوي على اساس الهوية الوطنية، و الموضوع اكبر بكثير من انكسار داعش و انسحابها الى جبل أو صحراء أو شِعابِ معقدة عاصية فقط !
رغم النصر العسكري الكبير و بطولاته و جهوده المؤزّرة و رغم اهميته الكبرى!
1. اضافة الى مانشرته و كشفته صحيفة المدى الغرّاء بالأسماء و الأموال عن كوبونات النفط، كشف مقتل حسـين كامل وأخيه فقط مثلاً، عن اموال قـُدّرت بمليارات الدولارات، أنشأت بها مؤسسات متنوعة بأسماء لشخصيات ومنشآت وهمية وبمساعدة مافيات عالمية وعربية، و شبكة وكلاء هائلة في العالم من عرب واجانب، لإيداع وتشغيل اموال فلكية لأجهزة صدام مقابل عمولات كان يُتّفق عليها .
2. ممن لايُعرف عنهم انتمائهم البعثي في مناطقهم .
3. حيث كشفت لوائح اسماء شبكات داعش التي وقعت بأيدي القوات المسلحة العراقية اسماء العديد من ضباط الوحدات الخاصة لصدام و أدوارهم المهمة في تشكيل و قيادة و تنسيق عمليات داعش.

 



اضف تعليقك

شروط نشر التعليقات والتعقيبات في "المدى"

تود "المدى" أن تعلن لقرائها وزوار موقعها الالكتروني الكرام بان تعليقاتهم وتعقيباتهم على ما ينشر فيها يخضع لذات القواعد التي تحكم عملية النشر في الصحيفة الورقية والمتقيدة باخلاقيات الصحافة المتعارف عليها دولياً، وتؤكد انها لن تنشر ما يتعارض مع هذه القواعد وفقاً للآتي:

1 - يلتزم القراء وزوار الموقع الالكتروني بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وبعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب وهيئات الدولة والهيئات الاجتماعية وسائر الناس، بكلام جارح ونابِ ومشين ويحتوي على معلومات غير مؤكدة، ويلتزمون أيضاً بعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء.
2 – يحق لإدارة تحرير المدى ان تنقّح تعليق القارئ او الزائر بما يتناسب مع اللياقات الموصوفة اعلاه، وإطلاق الحوار البنّاء، مع الحفاظ على مضمون التعليق، أو أن تحجبه إذا كان غير مناسب أو متعارضاً مع قواعد النشر.
3 – تنطبق هذه الشروط على ما ينشر في الملاحق وسائر مواقع وإصدارات مؤسسة المدى
4 - لا تتحمل مؤسسة المدى أي مسؤولية مادية أو معنوية حيال صاحب التعليق.
الاسم:  
البريد الالكتروني:    
التفاصيل:  
رمز التحقق:
جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة المدى للاعلام والثقافة والفنون