المزيد...
عام
2017/09/18 (00:01 مساء)   -   عدد القراءات: 583   -   العدد(4020)
معاداة السياسي للأستاذ الجامعي وعقم المقاومة الهشّة
معاداة السياسي للأستاذ الجامعي وعقم المقاومة الهشّة


د. نجم عبدالله كاظم

(1)


يتّصف الشرقي ولاسيما العربي، في حياته ومشاريعه وعمله وعلاقاته وآماله، بل في كل شيء، بقصر النظر، وقد اعتدت في المناسبات التي أتحدث فيها عن هذا، أن أضرب مثلاً بسيطاً ولكنه مهم كونه من حياتنا جميعاً، وهو أن الأب والأم عندنا حين يريدان إيقاف طفلهما عن القيام بفعلٍ لا يجب أن يقوم به، فإنهما يفعلان ذلك بطريقة معتادة جداً تحقق لهما الهدف غالباً، ولكنه الهدف القريب والآني المتمثّل في إيقاف الطفل عما يقوم به، ولكنه بالتأكيد سيعود إلى مثل هذا في وقت آخر.





والأبوان في ذلك لا يفكّران بالهدف الأبعد والأكثر ثباتاً وهو عدم قيام الطفل بمثل هذا الفعل بشكل دائم، لأنهما بكل بساطة لا يمتلكان الصبر وبُعد النظر للقيام بما يحقق لهما ذلك، وذلك بأن يقولا له كلمة (لا) بتكرار حتى ولو عشرات المرات، بدلاً من الضرب، مع عدم تمكينه خلال ذلك من مواصلة ما يقوم به، حتى يصلوا به إلى ما يُسمى بعلم النفس والتربية والتعليم الإحباط (Disappointment) الذي يعني غالباً أن الطفل سيتوقف عن القيام لا بالفعل آنياً، بل بشكل دائم.
ساقني إلى هذه المقدمة ما أراه من تجسّد لقصر النظر هذا في الاستاذ الجامعي العراقي، وهو يتحكم في فعله وتعليمه وسلوكه، كما ظهر ويظهر بشكل واضح وفاعل في مناسبات عديدة، منها سلوكه ومواقفه تجاه ما يجري في التعليم العالي، بل ما يجري له على أيدي قيادات التعليم العالي، خلال سنوات التدهور العشر الأخيرة، فهو لم يقم حتى ولو بنسبة واحد بالمئة مما يجب أن يقوم به ببعد نظر وطول نفس. والدليل على ذلك هو أن أساتذة الجامعة لم يعترضوا على أي من سلوكيات وسياسات الحكومات وقيادات هذا التعليم، وزراءَ ورؤساءَ جامعات وعمداء ومدراء عامين، في جميع المجالات، ببساطة لأن جل ذلك لم يمس بشكل مباشر، قبل الآن، مصالحهم الذاتية الضيقة، وهم لا يدركون، بسبب قصر النظر، أن ما يجري يمسهم بشكل أو بآخر، وفي حالات أخرى سيأتي الدور عليهم، ليمسّهم هذه المرة بشكل مباشر، فهم غافلون عن أن السكوت على ما يجري سيقود هذه الحكومات وقيادات التعليم العالي إلى الوصول إلى التعدّي على مصلحة الأستاذ الذاتية، كما تعدّت على غيرها، وهو تماماً ما حدث حين أرادت حكومة العبادي، أن تطيح براتب الأستاذ الجامعي، فهاج الأساتذة وماجوا بشكل عنيف ومخجل وهم يعترضون على ذلك، بعد سكوت طويل جعلهم لا يستطيعون أن يفعلوا شيئاً جوهرياً بخصوص التجاوز حين وصل إليهم، وإن فعلوا ففي الشكل والطريقة أو بهامش ضيق، وهو فعلاً ما صار حين استبدلت الحكومة لا قراراتها الجائرة، بل طريقة تنفيذها، فراحت تأكل من راتب الأستاذ بطرق وقرارات ومسميات مختلفة، والأستاذ مغلوب على أمره (يكسر الكلب) على حد التعبير العراقي الشائع، ولأن الحكومة كانت، ومن حيث لا يعي الأستاذ الجامعي قد كسرت إرادته (كَسرة بلا جبر)، كما تقول أغنية المرحومة عفيفة إسكندر. أما أن يقول البعض، ردّاً على بعض مقالات سابقة لي، إن الأستاذ الجامعي لم يسكت، فقد عقد الندوات عن الفساد وقدم الدراسات ونادى بمحاربته وما إلى ذلك من (أنشطة) عقيمة وغير فاعلة، فإنه يؤيد، من حيث لا ينتبه، ما أذهب إليه وهو أن الأستاذ الجامعي يتحرك غالباً من قصر نظر، وحين يحس أن الأمر يمس المصلحة المادية، وهو في ذلك لن يؤثر بأي درجة في المسؤول المتجاوز على التعليم والأستاذ، بل إن الكثير من المسؤولين مستعدون للانضمام إلى هكذا (أنشطة) ما دامت هي كلامٌ لا يقدّم ولا يؤخر شيئاً، ويكفي أن نعرف أن نوري المالكي وبهاء الأعرجي وسليم الجبوري وهوشيار زيباري وحسين الشهرستاني طالما نادوا بمحاربة الفساد، وعليه فهم مستعدون للانضمام إلى الزميل وغيره من الزملاء الأعزاء في (أنشطتهم). عدم السكوت المقصود هو أن لا يرضى الأستاذ بمركزية القرارات، ولا بالمسّ بعلميته، وأن لا يخضع لرئاسة الجامعة، وهي تتجاوز القسم العلمي والكلية فتقرر الموافقة أو عدم الموافقة على المشاركة في نشاط علمي، بل يرضخ لموظف صغير، في حالة الموافقة، بفحص جواز سفره ليرى إن كان قد سافر وحضر النشاط أم لم يفعل، لأن هذا سيصل بالأستاذ الجامعي يوماً إلى أن يذهب معه مستخدم إلى المطار ليتأكد من أنه سافر فعلاً. كما أن عدم السكوت المقصود هو أن لا يرضى الأستاذ أن يكون كأيِّ عامل مسطر ينتظر بالدور ليُكلّف بمراقبة في الكلية الفلانية أو القسم الفلاني، بحجة أنه موظف وعليه أن يطيع، لأن هذا سيوصله بعد حين إلى أن يُكلّف بالوقوف في باب الكلية للقيام بواجب تفتيش الداخلين إلى الكلية مثلاً، وليصدقني الزميل العزيز أنه سيُكلّف يوماً بمثل هكذا واجب. وعدم السكوت المقصود هو أن لا يرضى الأستاذ بتجاوز رئاسة جامعته على طلبة الدراسات العليا فتسعى للتحكم بهم، لأن هذا سيقود يوماً إلى أن تتحكم الجامعة بطريقة إشراف الأستاذ على طلبته وربما على أوقات رؤيته لهم وما إلى ذلك. المهم أن السكوت عن التجاوزات الكثيرة وضعف الأكاديمية في قرارات قيادات التعليم العالي هو الذي أوصل فعلاً هذه القيادات غير الناضجة والمعادية للأستاذ إلى أن تتحكم براتبه، في وقت صار فيه اعتراض الأستاذ الجامعي على ذلك عقيماً، ولا يمتلك قدرة على الوقوف بوجه التيار.
وهكذا فإن قصر النظر قد أسهم فيما جرى للتعليم العالي، فبعد أن أخذ هذا التعليم، في أعقاب سنوات العذاب والطائفية والتناحر الأهلي الداخلي 2006-2008، بالمراجعة والعودة والإصلاح، فإنه سرعان ما انحرف عن هذا الطريق، وتحديداً ببدء الدورة الثانية لنوري المالكي وتولي الأستاذ علي الأديب وزارة التعليم العالي، وبدء حملته على الجامعة والأستاذ الجامعي بإقصاء خيرة أساتذة الجامعات بالتقاعد، وإلغاء بعض امتيازات الأستاذ. فهنا لم يفكّر الأساتذة الجامعيون بحقيقة أن التقاعد سيصلهم، بل فكّروا بالآني والآتي السريع، بأن يحلوا محل أولئك، فلم يسكتوا عن ذلك فقط، بل أن بعضهم رحّب به وجامل قيادات التعليم العالي بكل انحرافاتها وأذاها الذي لحق به، مع استثناءات فردية بالطبع تؤكد التعميم ولا تنقضه. ويحضرني هنا أن أحد عمداء الكليات، وهو اسم معروف على المستوى الإعلامي، تكلم حينها عما سمّاها (الحملة الإصلاحية) للأستاذ علي الأديب، ولم يعِ ذلك العميد وكما لم يعِ الكثيرون مثله، أن الدور سيأتي عليهم، وقد أتى فعلاً، بعد حين. بل إني سمعت بعض الزملاء يقولون عن أساتذتنا الذين أطاح بهم الأستاذ علي الأديب: (خلي يرحون، ويفسحون مجال للشباب)، ومرة أخرى لم يتح قصر نظر هؤلاء الزملاء أن يتخيلوا أنفسهم وهم يصلون في مستقبل قريب إلى ما وصل إليه أساتذتهم، وهو ما حصل فعلاً.
أتذكر أننا كنا، أيام التسعينيات، كثيراً ما نسمع بين حين وآخر، من بعض مسؤولي الدولة من ذوي النفوذ حينها، بدءاً بحسين كامل وليس انتهاءً بمن هم حول رأس النظام، اعتراضات على بعض امتيازات الأستاذ الجامعي ومحاولات لإلغائها، بحجة أن الأستاذ الجامعي موظف شأنه شأن بقية موظفي الدولة الآخرين، وهو ما نسمعه في الوقت الحاضر من بعض مسؤولي الدولة وأعضاء البرلمان، وبنفس الحجة. والجميع هنا يُخطئون في رؤيتهم الأستاذ الجامعي موظفاً كالموظفين الآخرين، لأنه بكل بساطة يختلف عنهم في أمور كثيرة، عرفتْها دول العالم كافة، منها أنه الأكثر سنوات دراسة، أن عمله من حيث ديمومته وساعاته اليومية ليس مثل عمل أي موظف آخر، ربما باستثناء مسؤول الدولة، كونه لا ينتهي، كما هي حال جميع موظفي الدولة، بانتهاء ساعات الدوام الرسمية، بل هو يستمر كل الوقت عدا ساعات النوم، لأنه يبقى فكرياً مشغولاً بالقراءة والتحضير والتفكير وما إلى ذلك، ثم إنه عقلياً مَن تعتمد الدولة عليه، أكثر من أي مواطن آخر، لتحقيق رفعة البلد وتطوره وتحضّره.
الوعي بهذا يثير التساؤل: لماذا، إذن، معاداة السياسي للأستاذ الجامعي؟ أعتقد أنها تكمن في أسباب عديدة أهمها ما يأتي:
أولاً: ضحالة السياسي العراقي، ولاسيما أعضاء البرلمان، وعياً وفكراً وثقافةً وربما سيرةً وتأريخاً، الأمر الذي يؤدي إلى أن تثير نخبة المثقفين وأصحاب الكفاءة والأساتذة الجامعيين فيه احساساً بالنقص، يُترجم من حيث يريد غالباً، ومن حيث لا يريد أحياناً، معاداة لهذه النخبة.
ثانياً: الخوف من الأستاذ الجامعي الذي يُفترض، في الظروف الصحية للبلد والجامعة والأستاذ نفسه، أن يكون ضمن الأقدر على فضح الزيف والفساد والتدني الفكري والانحرافات السياسية والبيروقراطية.
ثالثاً: حسد الفئات المتدنية، معرفةً وعلماً ودراسةً، في قطاعات العمل الوظيفي المختلفة، للأستاذ الجامعي، وقيامها بالتحرك ضده، وقد صار الكثير منها، كما نعرف، قريباً من أصحاب القرار، في زمن تحكّم الجماعات الدينية والسياسية بالبلد.
والآن لماذا نقول بعقم مقاومة الأستاذ الجامعي العراقي؟ ولماذا نقول ليس من أمل؟ نقول ذلك للأسباب الآتية، ولبعضها علاقة بمقدمة مقالنا:
أولاً: أثبت الأستاذ الجامعي أنه، في ظروفه الحالية، وكما ثبت عملياً في السنوات الأخيرة، غير قادر على فعل شيء، بعد أن لم يستطع ذلك مقابل أضعف حكومة يمر بها العراق فكرياً وسياسياً، حين أخذت تستهدفه وتناصبه العداء.
ثانياً: سلبية النخبة المثقفة العراقية، وضمنها الأستاذ الجامعي وحامل الشهادة العليا، وهي سلبية أثبتتها هذه النخبة في مناسابت عديدة، ومرة أخرى لا يُخرج الفعل الفردي هذا التعميم من مصداقيته.
ثالثاً: وتعلّقاً بذلك ما أظهره ويظهره الأستاذ الجامعي، من قصر نظر وسلبية وسكوت على كل الكوارث التي شهدها ويشهدها التعليم العاليم في مسيرة التردي، التي بدأت بشكل خاص سنة 2010، بقرار التخلص من أفضل نخب التعليم العالي، وتواصلت حتى الوقت الحاضر بواقع بقاء معظم قياداتها المسؤولة عن ذلك، رؤساء جامعات وعمدء ومدراء عامين، وقد أثبت معظمهم أنه، في أقل تقدير، غير كُفء.
رابعاً: ارتباط نسبة كبيرة جداً من الأساتذة الجامعيين بالأحزاب والجماعات السياسية والدينية والطائفية التي ينقاد لها حتى على حساب مصلحة البلد والتعليم العالي ومصلحته هو، الأمر الذي حال ما بينه، حين يريد أن يكون صاحب فعل، وبين أن يفعل.
خامساً: التراجع الكبير والتدني الواضحان اللذان شهدهما مستوى الأستاذ الجامعي أكاديمياً وعلمياً وفكرياً، بل حتى في السلوك والقيم الأكاديمية.
وأخيراً، أعرف أن الكثير من الزملاء وبعضهم أصدقاء حقيقيون، سيثورون عليّ، لا كراهيةً أو عداءً، لا سمح الله، بل مخالفةً لي أولاً، ولهم الحق في ذلك، ولأني أبدو قاسياً عليهم ثانياً، وهنا ينسون أني واحد منهم، وإنْ كانت من قسوة فهي تقع عليّ أيضاً، فأقول لهم: لنكن، أعزتي، صرحاء ونواجه أنفسنا ولو مرة واحدة، فمواجهة أنفسنا بصراحة ستمكننا من مواجهة السلطة، ولا نعني سياسياً بالطبع، وقيادات التعليم العالي السيئة التي تهيمن على هذا القطاع مما يقارب العشر سنوات. بقي أن كتابة من كتب ردّاً على اتهامي الأستاذ الجامعي بالسلبية بحجة أنه لم يسكت يؤكد على أن المرض باقٍ ما دمنا لم ننتفض على أنفسنا وسلبيتنا، ورحم الله حجي راضي حين قال (نفس العضة ونفس الطبيب)، وهذا يؤكد لي أنْ لا أمل.



اضف تعليقك

شروط نشر التعليقات والتعقيبات في "المدى"

تود "المدى" أن تعلن لقرائها وزوار موقعها الالكتروني الكرام بان تعليقاتهم وتعقيباتهم على ما ينشر فيها يخضع لذات القواعد التي تحكم عملية النشر في الصحيفة الورقية والمتقيدة باخلاقيات الصحافة المتعارف عليها دولياً، وتؤكد انها لن تنشر ما يتعارض مع هذه القواعد وفقاً للآتي:

1 - يلتزم القراء وزوار الموقع الالكتروني بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وبعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب وهيئات الدولة والهيئات الاجتماعية وسائر الناس، بكلام جارح ونابِ ومشين ويحتوي على معلومات غير مؤكدة، ويلتزمون أيضاً بعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء.
2 – يحق لإدارة تحرير المدى ان تنقّح تعليق القارئ او الزائر بما يتناسب مع اللياقات الموصوفة اعلاه، وإطلاق الحوار البنّاء، مع الحفاظ على مضمون التعليق، أو أن تحجبه إذا كان غير مناسب أو متعارضاً مع قواعد النشر.
3 – تنطبق هذه الشروط على ما ينشر في الملاحق وسائر مواقع وإصدارات مؤسسة المدى
4 - لا تتحمل مؤسسة المدى أي مسؤولية مادية أو معنوية حيال صاحب التعليق.
الاسم:  
البريد الالكتروني:    
التفاصيل:  
رمز التحقق:
جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة المدى للاعلام والثقافة والفنون