آراء وافكار
2017/09/19 (00:01 مساء)   -   عدد القراءات: 3577   -   العدد(2021)
الرعاية الطبية.. حقٌ أساس يستحقه جميع البشر
الرعاية الطبية.. حقٌ أساس يستحقه جميع البشر


 هارون يحيى *

طوال تاريخ البشرية، تفشت العديد من الأوبئة الكبرى التي أودت بحياة الملايين من البشر. تسبب الطاعون الدملي في دمار أوروبا في القرون الوسطى، وأسفر عن مقتل ما يقدر بثلث السكان، ويقدر المؤرخون أن ما مجموعه 50 مليون شخص فقدوا حياتهم بسببه، ولم يُمكن وقف وباء الطاعون في القرن التاسع عشر إلا بعد أن أودى بحياة 30 مليون شخص. كما تسبب تفشي الإنفلونزا الإسبانية التي انتشرت في العالم خلال الأيام الأخيرة من الحرب العالمية الأولى في عدوى أكثـر من 100 مليون شخص، ويُعتقد أن الإنفلونزا الإسبانية كانت واحدة من أكثـر الأوبئة فتكاً في التاريخ، فقد قتلت - على الرغم من أن العدد الفعلي غير معروف - ما لا يقل عن 50 مليون شخص، وتشير التقديرات إلى أن تفشي الإنفلونزا الآسيوية مرتين في القرن العشرين أدى أيضاً إلى وفاة أكثـر من 10 ملايين شخص.

أصبح العديد من الأمراض الفتاكة في الماضي غير مميت في الوقت الحاضر، ومن خلال المضادات الحيوية وتعزيز نظام المناعة وتحسين أساليب العلاج لم تعد هذه الأمراض تشكل تهديداً خطيراً على البشرية، ولكن فقط على جزء معين من سكان العالم. الملاريا غير مسؤولة عن أيِّ وفيات في أوروبا، ولكن طفيل البلازموديوم المسبّب لها يؤدي إلى وفاة مليون طفل أفريقي كل عام. تتسبب الملاريا بشكل غير مباشر في وفاة خمسة أشخاص لكل شخص يموت بسببها بشكل مباشر. بعوضة الأنوفيل هي أكبر ناقل للملاريا، وفي أوروبا نجحت البشرية في معركتها ضد الملاريا عن طريق تجفيف المستنقعات، ولكن الوضع في أفريقيا مختلف تماماً، فالقارة القديمة التي تركت وحدها في كفاحها ضد الملاريا، تفقد ملايين الأرواح كل عام. يصاب نحو 300 إلى 350 مليون شخص في جميع أنحاء العالم بالملاريا سنوياً، ويفقد 1.5 - 2.7 مليون منهم حياتهم، الغالبية العظمى من هؤلاء الناس يعيشون على الأرض الأفريقية.
ومثل الملاريا، هناك مرض آخر ما زال يستنزف الأرواح في أفريقيا هو الكوليرا، وبفضل تطور العلوم الطبية في القرن العشرين، فإن تأثير الكوليرا في أوروبا قد انتهى، غير أن أفريقيا لا تزال تكافح هذا الوباء.
شوهدت الكوليرا لأول مرة في أفريقيا عام 1970، وعلى الرغم من مرور 40 عاماً منذ ذلك الحين، فإنها لا تزال تعتبر واحدة من أخطر المشاكل الصحية في القارة. وتعد البحيرات في أفريقيا الوسطى موطناً مهماً جداً لبكتيريا الكوليرا في المنطقة. وخلال مواسم الأمطار، تختلط مياه البحيرة المصابة بمياه الشرب، مما يتيح لبكتيريا الكوليرا إصابة مناطق بأكملها. وفي كل موسم ممطر، يصاب عشرات الآلاف من الأفارقة بالكوليرا. في الواقع، تختفي البكتيريا في غضون 30 دقيقة عند درجة حرارة 56 سليزية وفي غضون دقيقة واحدة في الماء المغلي. وهكذا يكسر الإشعاع الشمسي بكتيريا الكوليرا في غضون ساعات قليلة. وبعبارة أخرى، فمن السهل جداً القضاء على البكتيريا من المنطقة، فالتدابير الوقائية البسيطة، مثل غلي مياه الشرب وحفظ المجاري بعيداً عن مصادر مياه الشرب، تكفي لإنقاذ عشرات الآلاف من الأرواح.
وعلاوة على ذلك، فإن علاج المرضى الذين يعانون من الكوليرا بسيط جداً اليوم، ويعتبر العلاج بشرب المعادن مثل الصوديوم والبوتاسيوم والكلور والبيكربونات التي تفقد بسبب الجفاف كافٍ. الحالات الشديدة من ناحية أخرى تستجيب فوراً للعلاج بالمضادات الحيوية. مع هذه العلاجات البسيطة، هبط معدل وفيات الكوليرا من 50% إلى 1-2%. ولكن العديد من الأفارقة ما زالوا يفقدون حياتهم متألمين بسبب عدم قدرتهم على تلقي العلاج، ووفقاً لتقديرات منظمة الصحة العالمية والمنظمات الصحية المماثلة، تصيب الكوليرا مليون أفريقي سنوياً وتسلب أرواح نحو 60,000 أفريقي.
ثمة منطقة أخرى تكافح ضد الكوليرا، هي اليمن، فهناك 250,000 حالة مسجلة مصابة بالكوليرا في البلاد التي لا تزال تستعر فيها الحرب الأهلية، وتتسبب الكوليرا في فقدان 1,000 شخص يمني حياتهم كل شهر، وتحاول منظمة الصحة العالمية واليونيسف والصليب الأحمر التصدي للوباء الذي وجدت الإدارات المحلية نفسها غير قادرة على مكافحته. غير أن نحو ثلاثة ملايين يمني أجبروا على ترك منازلهم نتيجة للحرب الأهلية التي دامت حتى الآن أربع سنوات ما زالوا عرضة للإصابة بالكوليرا، كما تفككت البنية التحتية للصرف الصحي تقريباً في البلد، ويكاد يكون من المستحيل العثور على مياه نظيفة للشرب، مثل هذه الظروف المعاكسة تتسبب في انتشار الوباء بسرعة. وبدون تدخل فوري، سوف يموت 10,000 يمني بسبب مرض علاجه معروف منذ 50 عاماً.
يجب على منظمة الصحة العالمية والبلدان الأعضاء فيها أن يدركوا مدى استعجال المسألة وأن يتصرفوا فوراً. بعض الناس يتجاهلون مشاكل العالم عندما تحدث في أماكن بعيدة لأنهم يعتقدون أنها لن تحدث لهم. ومع ذلك، فهناك واجب إنساني مهم جداً على من تتوفر لديهم الوسائل، أن يأخذوا زمام المبادرة بالاتصال بالمنظمات غير الحكومية الموثوقة لاتخاذ إجراءات فورية لإيجاد حل لهذه المأساة الصحية. وينبغي لجميع البلدان التي تتمتع بالقدرة والوسائل أن تستمع إلى صوت ضميرها وأن تزيد مساعدتها إلى جميع من يعانون، ولا سيما في أفريقيا. أفريقيا قارة ذات موارد طبيعية غنية جداً، ولكنها تواجه أيضاً العديد من التحديات، ومن المهم أيضاً أن تمنع البلدان الأخرى من استغلال ثرواتها لمصلحتها الخاصة، وأن تضمن أن يعيش الأفارقة حياة مريحة على أرضهم.
* كاتب واكاديمي تركي



اضف تعليقك

شروط نشر التعليقات والتعقيبات في "المدى"

تود "المدى" أن تعلن لقرائها وزوار موقعها الالكتروني الكرام بان تعليقاتهم وتعقيباتهم على ما ينشر فيها يخضع لذات القواعد التي تحكم عملية النشر في الصحيفة الورقية والمتقيدة باخلاقيات الصحافة المتعارف عليها دولياً، وتؤكد انها لن تنشر ما يتعارض مع هذه القواعد وفقاً للآتي:

1 - يلتزم القراء وزوار الموقع الالكتروني بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وبعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب وهيئات الدولة والهيئات الاجتماعية وسائر الناس، بكلام جارح ونابِ ومشين ويحتوي على معلومات غير مؤكدة، ويلتزمون أيضاً بعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء.
2 – يحق لإدارة تحرير المدى ان تنقّح تعليق القارئ او الزائر بما يتناسب مع اللياقات الموصوفة اعلاه، وإطلاق الحوار البنّاء، مع الحفاظ على مضمون التعليق، أو أن تحجبه إذا كان غير مناسب أو متعارضاً مع قواعد النشر.
3 – تنطبق هذه الشروط على ما ينشر في الملاحق وسائر مواقع وإصدارات مؤسسة المدى
4 - لا تتحمل مؤسسة المدى أي مسؤولية مادية أو معنوية حيال صاحب التعليق.
الاسم:  
البريد الالكتروني:    
التفاصيل:  
رمز التحقق:
جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة المدى للاعلام والثقافة والفنون