الاعمدة
2017/09/18 (21:01 مساء)   -   عدد القراءات: 811   -   العدد(2021)
تلويحة المدى
ملاحظات عن الثقافة في وسائط التواصُل الاجتماعيّ
شاكر لعيبي




أولاً: وسائط التواصُل العربية، هي الفضاء الذي لا مجال فيه للحديث عن "حقّ الملكيّة الفكرية”. فأيّة فكرة طريّة وحديثة ومثيرة يمكن استعادتها بصفتها إبداعاً شخصياً لمن تلقّفها، بعيداً عن أصلها ومُطْلِقها والمفُكّر الأول بها. بعبارة أخرى: فضاء للسرقات الفكرية المُموَّهة والصريحة. فضاء متسق مع المناخ الثقافيّ السائد. مَنْ يعيد صياغة كتاب ومفكرين وشعراء أجانب وعرب وأصدقاء، على أنها من منجزاته، ما العيب في عزوها لأصولها؟ إعادة الصياغة، الواعية وأحياناً اللاواعية (وهنا تبدو الوسائط وكأنها تغييب للوعي)، والاستقبال المُرحِّب بها تدلّ على جهل المُرحِّبين أيضاً. إعادة الصياغة تشير إلى أن الأصولَ مُستخفٌّ بها أيّاً كانت.ثانياً: لا تُميِّز (فوبيا الاختلاف) و(الخوف من المُختلِف) المجتمعاتِ الأوربيةَ وأمريكا وحدها. فوبيا الاختلاف صفة من صفات المجتمعات العربية كذلك. إذ حالما تُطرح قضية خلافية حتى ترى أن السجال الوسائطيّ لا يصير دالّة على الصحة، وينشطر المختلفون إلى (مع) أو (ضدّ) قطعاً، مع تشنجات واتهامات وطرد من المملكة. للقارئ حصة من الفوبيا، فعندما يكتب الكاتبُ فكرة تلائمه، فهو مُبجَّل كريم. وعندما يكتب فكرة لا تلائمه فهو مكروه شرّير.ثالثاً: تغيير "الهوية الجنسانية" الثقافية ظاهرة شائعة عبر اختيار الرجال أسماء نسائية مستعارة، من أجل استحصال الأعجاب وكشف العورات الذكورية. بعضهم من الكتاب والشعراء الحقيقيين. لم يتساءل المعجبون بهم عن الكيفية التي انبثقت عبرها فجأة "كاتبة متمكّنة" من أدواتها الأدبية، دون تاريخ، ودون التراكُم البديهيّ. الأعجاب وفير بالنساء الحقيقيات أيضاً لسبب معروف. مما لا يعني عدم وجود كاتبات وشاعرات جديرات بالتقدير. لكن الإعجاب بكاتب يكتب باسم امرأة يشفّ عن معضلة أيروتيكية ونفسية، يعرفها من اختار اسماً نسائياً مستعاراً.رابعاً: نصيّاً، غالبية كتابات الفيسبوك الأدبية والشعرية وغيرها تقف على منصّة "المفارقات" اللفظية أو المعنوية. الطرفة والفضيحة، هما الشطران الأعظمان في استقبال (الثقافة) في السياق التواصليّ.خامساً: إقران هذه الوسائط بمفهومة "التواصُل"، ينبغي أن يكون مَحَلّ مساءلة. وعندما يتعلق الأمر بالثقافة فإن التواصُل يصير إشكالية. وسائط التواصل العربية تكاد تكون معادية لمفهوم القراءة. فالتصفّح السريع ليس قراءة، وتقليب العين للمواد ليست حسّاسية القراءة. سادساً: الكتابة شأن شخصيّ. قد يصل وقد لا يصل، مع وبدون وسائط التواصُل. لكن التبادلات النصيّة في هذه الوسائط لا تخضع لمنطق النصوص الداخليّ، إنما لمنطق العلاقة العائلية والجغرافية والصداقية والإشاعة. وهذا أمر يصير مفهوماً عندما تعرف أن "الوطن" في العالم العربي،كأنه رديف لمفهوم "القبيلة" والعائلة والحيّ والحزب.سابعاً: مرةً، ثمة سجال عن "جيل الآيباد" والأجيال السابقة بلا آيباد. حديث تقنيّ لا معنى له باستبعاد تبادلات المعرفة والحسّاسيات الجمالية. نعرف أن الطلبة اليوم (ومثلهم قرّاء كثر) يركنون إلى النيت، كأنَّ المعرفة الملمومة في الأنترنيت "تحصيل حاصل"، ولا تحتاج حتى إلى بعض التأمل والتوقف عند سلامتها ومصطلحاتها، وكأنّها لا تحتاج إلى الخلفية الضرورية لفهمها. هذا وَهْمٌ. فإن الطلبة الذين "ينقلون" في الامتحانات من الآيباد، لا يستطيعون بعد محاورتهم أن يجيبوا عن دلالات ما نقلوه. لهذا نعرف كيف يتعامل، في أوربا وأمريكا، أساتذة الثانويّ والجامعة مع طلبتهم، وتشديدهم على استخدامات الآيباد وجميع الأجهزة الرقمية. هؤلاء الأساتذة يعرفون، كما تُعلِّم التجربة، أن (التنقيل) من النيت ليس معرفة، مثلما ليست المواظبةُ على استشارة الأنترنيت مشكلةً. الأوساط الأكاديمية تعتبر الذهاب إلى موقع رقميّ موثوق مرجعاً كالمراجع الورقية المطبوعة، وقامت بتقعيد كتابة المراجع الأنترنيتية وفق المعايير الجامعية. لكن المعرفة الكونية الملمومة في النيت تحتاج حذقاً ومعرفة وحسّاسية واختباراً ومراجعةً، وعدم ثقةٍ بكل ما هو منشور فيه (خاصة الويكيبيديا العربية المليئة بالأخطاء وبأيديولوجيات محرّريها). المكتبة الرقمية ومكتبة الجامعة الورقيّة سيّان إذا أُحْسِن الاستخدام.



اضف تعليقك

شروط نشر التعليقات والتعقيبات في "المدى"

تود "المدى" أن تعلن لقرائها وزوار موقعها الالكتروني الكرام بان تعليقاتهم وتعقيباتهم على ما ينشر فيها يخضع لذات القواعد التي تحكم عملية النشر في الصحيفة الورقية والمتقيدة باخلاقيات الصحافة المتعارف عليها دولياً، وتؤكد انها لن تنشر ما يتعارض مع هذه القواعد وفقاً للآتي:

1 - يلتزم القراء وزوار الموقع الالكتروني بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وبعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب وهيئات الدولة والهيئات الاجتماعية وسائر الناس، بكلام جارح ونابِ ومشين ويحتوي على معلومات غير مؤكدة، ويلتزمون أيضاً بعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء.
2 – يحق لإدارة تحرير المدى ان تنقّح تعليق القارئ او الزائر بما يتناسب مع اللياقات الموصوفة اعلاه، وإطلاق الحوار البنّاء، مع الحفاظ على مضمون التعليق، أو أن تحجبه إذا كان غير مناسب أو متعارضاً مع قواعد النشر.
3 – تنطبق هذه الشروط على ما ينشر في الملاحق وسائر مواقع وإصدارات مؤسسة المدى
4 - لا تتحمل مؤسسة المدى أي مسؤولية مادية أو معنوية حيال صاحب التعليق.
الاسم:  
البريد الالكتروني:    
التفاصيل:  
رمز التحقق:
جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة المدى للاعلام والثقافة والفنون