مسرح
2017/09/19 (00:01 مساء)   -   عدد القراءات: 2756   -   العدد(2021)
من ذاكرة المسرح العراقي..بغداد الأزل واليوبيل الفضي لفرقة المسرح الفني الحديث
من ذاكرة المسرح العراقي..بغداد الأزل واليوبيل الفضي لفرقة المسرح الفني الحديث


كافي لازم

لم تكن وسائل الإعلام في تلك الفترة واسعة كما نراها اليوم، فهي على ضآلتها كانت حصراً لأخبار ونشاطات السلطة الحاكمة، ولهذا لم تكن لدينا وسائل متاحة لتخليد احتفال اليوبيل الفضي لتأسيس فرقة المسرح الفني الحديث. حقيقة ماجرى في ذلك اليوم لم يكن أمراً عابراً، بتاريخ 3/نيسان/1977 تفاجأنا بهذا الكم من الجماهير الغفيرة لكي تشاركنا هذه الاحتفالية الكبرى على تواضعها.


فقاعة المسرح تستوعب 300 كرسي فقط، وقد افترش الآخرون ارضية الممرات الوسطية وزوايا القاعة، وقسم منهم تكدسوا ولامسوا خشبة المسرح كذلك صالة الاستراحة والكافتيريا، وكان لويس (متعهد الكافتيريا) قد افرغ جميع العصائر والمأكولات التي بحوزته، وربما لاتصدقون عندما اقول لكم، إن الشارع المحاذي للمسرح قد امتلأ أيضاً، وكانت ادارة الفرقة في حيرة من أمرها (كيف يتم اقناعهم بالمغادرة) وليست لدينا وسيلة اتصال فعّالة لهذا التجمع الكبير، وماكان من الفنان الراحل خليل شوقي إلا اعتلاء واجهة المسرح المطلّة على الشارع ليخاطبهم والاعتذار لعدم استيعاب القاعة ويرجو منهم المغادرة والحضور غداً مجاناً.... فقالوا له (اذهب يا أستاذ نحن هنا محتفلون) وكان الفرح الغامر واضحاً على وجوههم . حقيقة أن فترة السبعينات من القرن الماضي علامة فارقة في تاريخ الشعب العراقي، فقد ازدهرت الحركة الفكرية بجميع اشكالها . وإن مايميّز هذه الحركة تفاعلها الصميمي مع حياة الناس والجماهير، وبالتالي احدثت وعياً جماهيرياً بأعلى المستويات.
وفي أحد الايام، زارنا مدير عام دائرة السينما والمسرح آنذاك محمد سعيد الصحاف، وقد شاهد تلك الليلة مسرحية (بغداد الأزل بين الجد والهزل) إعداد واخراج الفنان الراحل قاسم محمد. وكان منبهراً جداً بهذا العرض.
ومرت أيام العرض، فإذا به يأتي للمرة الثانية ليرى العرض، ويعلمنا انه تم اختيار المسرحية للذهاب لتمثيل العراق في الاسبوع الثقافي العراقي في الجزائر والذي استمر خمسة وعشرين يوماً .
لماذا بغداد الأزل ؟
انتشرت في تلك الفترة فكرة أن هناك نوعاً معيناً من العرض المسرحي، قد كان سائداً في عصر التاريخ العربي وهو (مسرح الحكواتي) وتبنى ذلك المخرج المغربي الطيب الصديقي وكذلك المخرج العراقي قاسم محمد، وكان بحق رائداً لهذا المنهج، وقد قدما أعمالاً مثيرة أغنت الثقافة العربية وأخذت حيزاً كبيراً وأثارت جدلاً واسعاً في الأوساط الفنية والثقافية، وكان قاسم محمد يجد في الحكواتي (القصخون) وسيلة مهمة لطرح كثير من الافكار والاحداث والتي لها علاقة بحياة الناس إن كانوا في الزمن الغابر أو المعاصر، فعندما يتجول الحكواتي في الاسواق والأزقة أو يجلس على مرتفع خشبي في مقهى يتجمع حوله رواد المقهى أو عند حضرة الخليفة يروي حكايات شعبية بأسلوب خطابي تمثيلي بتعبيرات بسيطة بقدر الإمكان في الاداء وتضمينها بعض الرموز والاساطين باستخدام اسلوب فني ولغوي رفيع، يبدأ الحكواتي بالحوار التالي ( يا إخاير الذخائر وبشائر العشائر عمو مساءً وانعموا اصطباحاً، ياسامعي الاكرم والاجل حكاية بغداد الأزل بين الجد والهزل، حكاية لاتنتهي، حكاية لاتمل. اذ كتب في الكتب العداد البعاد، ياسادتي الامجاد فيما انا بغداد، فإذا بخلق كثير وزمان مثير وحال عسير،  اذ انتشر الصعاليك والتجار واللصوص والطفيلون... وكان التجار يحيون في قصور ضاحكة ومجالس مشرقة مزدانة بالتماثيل والابواب المذهبة .... إلى آخره من الحوار . والذي تجد فيه الترابط الجدلي بين احوال ذلك الزمان والزمن الحاضر، فالصراع واحد على مر التاريخ، وعلى هذا المسار استمر العرض في طرح الشخوص والأحداث. وقد بذل المعد والمخرج جهوداً مضنية في الاعتماد على مصادر تاريخية متنوعة .
تهيأت الفرقة للسفر الى الجزائر البيضاء، وكان كادر المسرحية كبيراً (ممثلون وفنيون) وقد اعتمد مصمم الديكور الفنان التشكيلي الكبير كاظم حيدر على مادة الفلين (الستايروبور) لخفة وزنها وامكانية رسم اشكال  متنوعة وبحجوم مختلفة.
وكان المهرجان العراقي في الجزائر يضمّ الفنون كافة، بالاضافة الى فرقتنا، الفرقة القومية للفنون الشعبية وفرقة الانشاد وفنانون تشكيلون وكذلك مطربو الإذاعة والتلفزيون .
حقيقة كانت السفرة متعبة جداً، حيث اننا لم نأخذ استراحة في مطار ما، على اية حال وصلنا الى العاصمة الجزائرية ليلاً منهكين، بالاضافة الى فارق التوقيت بين البلدين، مع ذلك قلنا لابأس سنخلد الى النوم والراحة في احد الفنادق، لكننا تفاجأنا بقرار بأننا لابد أن نذهب حالاً وفوراً الى مدينة قسنطينة بطائرة أخرى، وسيكون العرض المسرحي غداً . ولكن كيف !! اننا في العراق استغرق نصب الديكور عشرة أيام بحده الأدنى... اذن لابد لنا أن نتكيف ونأخذ تمريناً واحداً (جنرال بروفة) في اقل تقدير، ومع ذلك كان عزمنا اكبر بأن نقدم مايليق بفرقتنا وبالمسرح العراقي، وفي الصباح الباكر ذهبنا الى المسرح وعمل الجميع رواداً وشباباً، لكن مدير المسرح الجزائري باغتنا بقرار منع دق اي بسمار على خشبة المسرح، اذن ما العمل !؟ وكان الحل جاهزاً عند الفنان الكبير كاظم حيدر، وقرر أن ينصب الديكور معلقاً بالحبال رغم ضخامته ولا اثر في ذلك مع أن الوقت كان يداهمنا وقد اقتربت ساعة العرض وكان الديكور مبهراً، وأجمل حتى من العروض الأولى في بغداد، وانفتحت الستارة والاصباغ لن تجف من على الألواح وكان عرضاً رائعاً.... ولكن الجمهور كان قليلاً، والظاهر لم يكن هناك اي اعلام أو دعاية للعرض، فذهبت الى مدير القاعة وقلت له، ما السبب؟ قال كان وجودكم مفاجئاً ولكن هل لديك اشرطة غناء لناظم الغزالي، قلت نعم، وفي اليوم التالي بثّت اغاني ناظم الغزالي من المسرح الى الشارع وقد امتلأت القاعة بالجمهور.
بعدها كان العرض في العاصمة الجزائرية، وقد صمم الفنان كاظم حيدر ديكوراً مغايراً تماماً للعرض السابق، وكان أروع وأجمل، وقد حضر العرض جمهور كبير من فنانين وكتاب ومثقفين عرب. واذكر أن المخرج المصري سعد اردش قال لنا (انتم اقنعتموني بأنه فعلاً، كان هناك مسرحاً عربياً وبالوثائق، في حين اني كنت لا اؤمن بذلك) كثيرة هي المواقف والاحداث، بعدها عرضنا في مدينة وهران بثلاثة ايام بديكور آخر لهذا المبدع الكبير كاظم حيدر، وكان حقيقة بطلاً للعرض . فعندما تنظر للديكور تسبح في فضاءات عميقة من حكايات الف ليلة وليلة توحي بأساطير كثيرة كما قال عنها الشعراء، والصور حملت سحر الشرق في بغداد الأزل بعد أن تم العرض في وهران، طلب منا اهالي مدينة سيدي بلعباس، أن نعرض في مدينتهم، فذهبنا هذه المرة براً وكانت مدينة هادئة وديعة وأيضاً ديكور آخر جميل لكاظم حيدر،  حقيقة على مدار تواجدنا في الجزائر كانت الصحافة والاعلام يتابع بشكل جيداً العروض، وقد تفاعل النقاد عرباً وجزائريين، وكتبوا الكثير، وقد حازت المسرحية على احسن عرض مسرحي وأحسن نص وافضل ديكور وافضل ممثل للفنان خليل شوقي، في يوم المسرح العالمي في بغداد، فاتنا أن نحتفل باليوبيل الذهبي لهذه الفرقة العريقة التي هي مفخرة للشعب العراقي، مرت بدون أن يعلم أحد، مع ذلك إلا يجدر بنا أن نحتفل الآن ولو فوق الركام والنفايات في مسرح بغداد العتيق، لنعطي دفقاً من الأمل وبإرادة المخلصين لإنقاذها من الموت المحقق.

 



اضف تعليقك

شروط نشر التعليقات والتعقيبات في "المدى"

تود "المدى" أن تعلن لقرائها وزوار موقعها الالكتروني الكرام بان تعليقاتهم وتعقيباتهم على ما ينشر فيها يخضع لذات القواعد التي تحكم عملية النشر في الصحيفة الورقية والمتقيدة باخلاقيات الصحافة المتعارف عليها دولياً، وتؤكد انها لن تنشر ما يتعارض مع هذه القواعد وفقاً للآتي:

1 - يلتزم القراء وزوار الموقع الالكتروني بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وبعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب وهيئات الدولة والهيئات الاجتماعية وسائر الناس، بكلام جارح ونابِ ومشين ويحتوي على معلومات غير مؤكدة، ويلتزمون أيضاً بعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء.
2 – يحق لإدارة تحرير المدى ان تنقّح تعليق القارئ او الزائر بما يتناسب مع اللياقات الموصوفة اعلاه، وإطلاق الحوار البنّاء، مع الحفاظ على مضمون التعليق، أو أن تحجبه إذا كان غير مناسب أو متعارضاً مع قواعد النشر.
3 – تنطبق هذه الشروط على ما ينشر في الملاحق وسائر مواقع وإصدارات مؤسسة المدى
4 - لا تتحمل مؤسسة المدى أي مسؤولية مادية أو معنوية حيال صاحب التعليق.
الاسم:  
البريد الالكتروني:    
التفاصيل:  
رمز التحقق:
جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة المدى للاعلام والثقافة والفنون