آراء وافكار
2017/09/20 (00:01 مساء)   -   عدد القراءات: 1247   -   العدد(2022)
أمريكا.. المشروع الذي لم يكتمل بعد
أمريكا.. المشروع الذي لم يكتمل بعد


 سليم سوزه

تشهد الولايات المتحدة الأمريكية منذ فترة صراعاً اجتماعياً عنيفاً بين مَن يوصفون بالليبراليين وبين اليمينيين المحافظين. تجلّى هذا الصراع بشكل واضح في حادثة چارلوتسفيل الأخيرة التي راحت ضحيتها مواطنة أمريكية دهسها ومجموعة أخرى من المتظاهرين أصولي أبيض ينتمي للنيو نازية الصاعدة في المجتمع الأمريكي.

في نظرة سريعة للأحداث السياسية في أمريكا صار واضحاً أن صراع الحزبين الرئيسين، الجمهوري والديمقراطي، لم يعد صراعاً ذا جوهر سياسي/ إداري/ اقتصادي في الفترة الأخيرة، بل هُمِّش هذا المحتوى نحو جيل جديد من الأفكار تستند في جوهرها إلى مفاهيم عنصرية وراديكالية يُفتَرض أنها زالت بعد ترسّخ الحقوق المدنية وعلو مفهوم الهوية الوطنية الواحدة على الهويات الفرعية في هذا البلد.
ثمّة شعارات عنصرية ترفعها التيارات القومانية ومعها التيارات المتحالفة الأخرى مثل النيو نازية وكي كي كي ومجموعة البيض تستهدف إعادة صياغة الهوية الأمريكية بوصفها هوية غير صالحة الآن للأغلبية السكانية وأنها لا تّعبِّر عن جوهر أمريكا الحقيقي، بل عن هوية هجينة شكّلتها ظروف الهجرة الأولى في سياق الحاجة الى عبيد والى إيدي عاملة ماهرة فقط. تفترض هذه الإيديولوجية "تفوق" العرق الأبيض Supremacy White على سواها من أعراق "دونية" وهجينة، وأنها الأصلح لقيادة بلد مثل أمريكا من كل تلك الأعراق الدخيلة ، وبالطبع صعود الترامبية في المجتمع الأمريكي قد سمح لهذه الأفكار بالظهور علناً في شاشات الأعلام وعلى أرصفة الشوارع في تحدٍ جديد لا أدري كم ستصمد العقلانية الأمريكية أمامه.
في الجهة الأخرى ، يصر الليبراليون المتطرفون على تفسير الترامبية أنها نمط تفكير محدد ، مرتبط ارتباطاً بايولوجياً بعرق الرجل الابيض دون النظر الى المتغيّرات الاجتماعية والسياسية المحيطة بالعالم كله. فنزع هذه الظاهرة من سياقها العالمي وما يمر به الغرب تحديداً من تهديدات ثقافية ودينية على يد متطرفي المنظمات الإسلامية، لن يسهم في تقديم تحليل علمي لها. الكثير من المكونات الاجتماعية غير البيضاء في الولايات المتحدة الأمريكية، حتى بعض الأقليات المهاجرة حديثاً، متعاطفة مع الخطاب الترامبي ليس بدوافع عنصرية، بل لأجل البحث عن وسائل حماية يحفظ لها وجودها الآمن في هذا المجتمع. هي غير مستعدة للدخول في مخاطرة صراع هويات غير محسوب العواقب ما دامت قد فاوضت على هويتها وقبلت بما كسبته حتى الآن. ولعل المفارقة هنا تكمن في وصف النائبة في مجلس النواب الأمريكي عن ولاية كاليفورنيا ماكسين ووترز قبل أسابيع لوزير الإسكان الأسود في حكومة ترامب الحالية بين كارسون، بأنه متعال أبيض Supremacist White ، فالتعالي الأبيض هنا سلوك سياسي وليس لون بشرة.   
أمريكا بالنسبة لمتطرفي البيض ليست بلداً يحاولون الوصول الى حكمه وإنما وجود يتعرض لتهديد ثقافي كبير في نظرهم. إذ ليس كل مَن يدعم الترامبية عنصرياً بالضرورة وإنما تعبير عن شعور يتنامى وسط غير البيض أيضاً. أن هويتهم الوطنية صارت تنزلق من بين أصابعهم نحو "الآخر" دون أن يفعل أحد شيئاً. ومهما كان هذا الشعور وهمياً وغير حقيقي ، لا أحد باستطاعته منع تمثلاته على الأرض والتي قد تظهر في صورة رجل يرفع شعار النازية أو شاب يرفع في حسابه الفيسبوكي صورة الدكتاتور بشار الأسد ويدهس العشرات من المتظاهرين كما في حادثة چارلوتسفيل.
تفاهة هذا الصراع ليست في تمثلاته على الأرض بل في الفكرة المتخيّلة التي يحملها كلا الفريقين عن أمريكا. كلا الفريقين يعتقد بأمريكا متخيّلة كانت موجودة في زمنٍ ما أطاح بها الفريق الآخر.
يعتقد الفريق الأول، وهم العنصريون البيض، أن أمريكا هي ملك ببشرة بيضاء، وُلِدت هكذا بذاتها وعلى المواطنين التبعية وتقديم الطاعة لهذا الملك مهما أختلف أمرهم فيه. أي السيد سيد والعبد عبد مهما تغيّرت الظروف.
أما الفريق الثاني ، وهم اليساريون والليبراليون ودعاة معاداة الفاشية، فيعتقدون أن بشرة أمريكا لم تكن بيضاء أصلاً بل فضاء ملون جمع المهاجرين المضطهدين من كل دول العالم، ولولا هذا التنوع لما كان هناك ملك من الأصل أسمه أمريكا.
هذه فتشية Fetishism تستحق الإدانة، فالفريقان يخرجان أمريكا من سياق العلاقات الإنسانية وتأثير الديناميات الإجتماعية في صناعة أي منتج، مادي أو رمزي. الفريقان يصنعان من أمريكا منتج فتشي فوق علاقات الإنتاج الإجتماعية. منتج يختزل الطبيعة المعقدة للإنتاج مثل أيّ قطعة معدنية لا قيمة لها بذاتها، بل تكتسب قيمتها من علاقات الإنتاج ومجهود الإنسان وقيمة السلعة التي تعادلها بتعبير ماركس.
هكذا هي أمريكا ، ليست ملكاً بذاتها بل منتج ساهمت بصنعه تلك الدائرة الإجتماعية المعقدة، إذ لا يكون الملك ملكاً ما لم يقبل به المجتمع. هو ضمن هذه الجدلية وليس خارجها. ظاهرة العنصرية البيضاء المتصاعدة في المجتمع الأمريكي ومقابلها النوعي المتمثل بالليبرالية الراديكالية، لا يشكلان حدثاً أمريكياً داخلياً مرتبطاً بالأصول والأعراق كما يفسرها الكثير هنا، وإنما تمثّلات لقراءتين محليتين مختلفتين لمشكلة عالمية أعمق ، مشكلة صارت تعتقد أن صراع العالم اليوم ليس صراعاً سياسياً أو اقتصادياً بقدر ما هو صراع ثقافي وديني لا يمكنهم مواجهته بأدوات الحداثة بل بالرجوع الى التاريخ والتسلّح بأفكاره الحمائية. بالنسبة لهؤلاء، التاريخ لا يُهزم إلّا بالتاريخ طالما الحاضر شرعن تداخل الثقافات الى المستوى الذي صار معه إستحالة السيطرة على الإرهاب. حتى الليبراليين الراديكاليين ينطلقون من ذات الرؤية الضيقة، حيث الأمر لا يعدو عندهم سوى صراع تاريخ مع تاريخ فقط ، تاريخ البيض ضد تاريخ الأقليات الأخرى، متجاهلين الأسباب الاقتصادية والسياسية والاجتماعية التي دفعت لهذا الصراع قبلاً. لم تكن أمريكا يوماً مشروعاً مكتملاً ، كحال أي دولة أخرى، بل صيرورة مستمرة لعلاقات اجتماعية مضطربة تهيمن فيها فكرة لتتراجع أخرى. ففي كل ظرف وسياق تاريخي، كانت هناك أمريكا معينة، مختلفة عن أمريكا الظرف والسياق الذي يتبعها. وبطبيعة الحال لا يرجع هذا التباين الى أسباب داخلية فقط، وإنما مرتبط بحركة المجتمع العالمي والتغيّرات السوسيو ـ ثقافية التي تحصل في الدول الأخرى. أمريكا مشروع لم يكتمل بعد وخير دليل على هذا ما نعيشه اليوم من عودة محمومة لسياسات العرق بعد أن ظننا أنها ماتت بوصول أفريقي أسود إلى البيت الأبيض.



اضف تعليقك

شروط نشر التعليقات والتعقيبات في "المدى"

تود "المدى" أن تعلن لقرائها وزوار موقعها الالكتروني الكرام بان تعليقاتهم وتعقيباتهم على ما ينشر فيها يخضع لذات القواعد التي تحكم عملية النشر في الصحيفة الورقية والمتقيدة باخلاقيات الصحافة المتعارف عليها دولياً، وتؤكد انها لن تنشر ما يتعارض مع هذه القواعد وفقاً للآتي:

1 - يلتزم القراء وزوار الموقع الالكتروني بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وبعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب وهيئات الدولة والهيئات الاجتماعية وسائر الناس، بكلام جارح ونابِ ومشين ويحتوي على معلومات غير مؤكدة، ويلتزمون أيضاً بعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء.
2 – يحق لإدارة تحرير المدى ان تنقّح تعليق القارئ او الزائر بما يتناسب مع اللياقات الموصوفة اعلاه، وإطلاق الحوار البنّاء، مع الحفاظ على مضمون التعليق، أو أن تحجبه إذا كان غير مناسب أو متعارضاً مع قواعد النشر.
3 – تنطبق هذه الشروط على ما ينشر في الملاحق وسائر مواقع وإصدارات مؤسسة المدى
4 - لا تتحمل مؤسسة المدى أي مسؤولية مادية أو معنوية حيال صاحب التعليق.
الاسم:  
البريد الالكتروني:    
التفاصيل:  
رمز التحقق:
جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة المدى للاعلام والثقافة والفنون