الاعمدة
2017/09/19 (21:01 مساء)   -   عدد القراءات: 1458   -   العدد(2022)
منطقة محررة
في حاجة الكاتب كما يقترحها أحد بناة العالم
نجم والي




من يتعمق في قراءة هذه الرسائل، سيجد نفسه فجأة في عوالم غريبة، سكانها يبدون كما لو أنهم أسلموا أنفسهم  تماماً للعمل الفكري، هناك نظام منضبط بالتعبير وفي طريقة الاشتغال على العمل الأدبي، وثقة بقوة الفن، وشغف بالكتابة وهي تلبي نداء القلب وحسب. تلك هي طريقة الكتابة عند كل أولئك الذين يفرحنا نعتهم بـ "بناة العالم"، كما نعتهم "ستيفان تسفايغ"، في كتابه الذائع الصيت الذي سحر جيلي بصورة خاصة، والذي ربما يدرك أكثر من غيره معنى قراءة عمل عظيم ينتمي للماضي، ليكتب: "الحاضر يعاني دائماً من مسافة نظر غريبة للعين: المرء يتعرف حقيقة على كل ما هو كبير في البعد، على عكس صورة كل ما هو قريب، التي يشعر بها مشوشة ومجهولة".
والحاضر بما يخص الجزء الثالث من رسائل ستيفان تسفايغ التي نقرأها هنا، هو  أعوام 1920 – 1931، تلك الأعوام التي استطاع فيها كاتبها فرض نفسه ككاتب روائي، وصاحب منمنمات تاريخية، ومؤلف سير شخصية وكاتب مسرحي: "24 ساعة في حياة امرأة" و "خوف" و "اضطراب المشاعر"، ثلاثة أعمال مهمة في حياة المؤلف نشأت بين أعمال أخرى في هذه السنوات، من ضمنها مقالاته الثلاث الرائعة عن عالم الكلاسيكيين، التي تُرجمت عندنا تحت عنوان "بناة العالم"، بالإضافة للسير التي كتبها عن حياة "جوزيف فوكه" و"ماري أنطوانيت".
نحن نلتقي هنا إذن بفنان في قمة حياته الإبداعية، رجل في عقد سنواته الخمسين، يودعها في رسالة إلى أخيه ألفريد بمناسبة ميلاده الخمسين في 28 نوفمبر 1931، لا تخلو من تفاؤلية خاطئة ينهيها: "أقرأ للتو في الصحف الألمانية أشياء سافرة تقريباً. لكني أشعر إذا استدعت الحال بنفسي مستعداً بما فيه الكفاية، لرمي كل أثاث البيت كي أبدأ مرة أخرى من جديد: كأولاد لأبينا تعلمنا منه شخصياً طريقة معينة بالعيش المتواضع. بإمكاني أن أعيش مرتاحاً في غرفتين، والقليل من السيجار، مع زيارة المقهى مرة واحدة في اليوم، أكثر من ذلك لا أحتاج شيئاً. لذلك من غير الداعي أن يقلق المرء نفسه".
ربما ما كتبه هنا كان محاولة منه لتهيئة نفسه للحياة التي سيعيشها بعد ثلاث سنوات من كتابته تلك الكلمات، عندما سيكون عليه الذهاب الى المنفى، إلى انكلترا أولاً، ثم ليرحل بعدها بعيداً، حتى البرازيل، لكن ليس بعيداً بما فيه الكفاية، لكي يهرب من حب العودة لأماكن طفولته والشوق لرؤية أصدقائه، والحرب. ربما ذلك هو التفسير الوحيد، أو أحد التفسيرات لسبب انتحاره مع زوجته في العام 1942، في البرازيل. إذن فقط عشر سنوات بقيت له للحياة بتواضع، حتى كتابته آخر رسالة في هذه المجموعة – أنه بالفعل أمر يدعو للعويل! -، والتي نقرأ فيها تلك الجملة التي تفوق كل شعر: "أحيي كل أصدقائي، ليروا قدر ما يستطيعون بزوغ الفجر بعد ليل طويل! أما نافذ الصبر، أنا، فأرحل سلفاً، قبلهم"، كتب في رسالته الأخيرة.
من الصعب على المرء الغاء الصورة السوداوية التي دمغت رسائل سنوات الحرب تلك وبوقت مبكر، بل حتى ستيفان تسفايغ ذاته حدس ذلك: "ربما أنا متشائم جداً. لكن حتى اليوم كانت توقعاتنا الأكثر سوداوية تُكتسح دائماً من الواقع" كتب في عام 1921. بعد ذلك بعام واحد قُتل صديقه "راتيناو": "لم أرَ بأكثر سوداوية أكثر من اليوم: الأمر الواقع يقول، هو ما زال هناك من يصيد المفكرين في ألمانيا، كما يفعل مع الأرانب...." و"أن ما يحدث في ألمانيا، يفوق كل التوقعات المحزنة. جنون على جنون!" الرسالة معنونة لرومان رولان، الكاتب الفرنسي وداعية السلام الأوروبي، الذي كان يتراسل معه تسفايغ منذ عام 1910 والذي كان بالنسبة إليه نموذجاً عالياً للأديب الإنساني: "أن فضيلته"، كتب إلى مكسيم غوركي، "أحكامه العادلة، ونزاهته هي صفات نادرة على وجه هذه الأرض المسكينة، رغم أنه يصارع الشر بجسد عليل".
بكلمات قليلة لكن تفيض بالمشاعر يكتب ستيفان تسفايغ رسائله، وهو واثق من شركائه  بالمراسلة، بأنهم يفهمون صدقه بالكتابة، لا يهم الموضوع الذي يكتب عنه، حتى أنه لا يتردد من توضيح سبب عدم رغبته كتابة أي موضوع عن غوستاف فلوبير، وأن عذره: أنه يكتب إلى حد ما جيداً هناك فقط، "حيث أكون شغوفاً بالموضوع"، وهذا يحدث تقريباً مع كل موضوع يمس شغاف قلبه، وليس لذلك علاقة باسم الكاتب ومكانته، وذلك ما نجده بصورة خاصة في أجوبته على العديد من المؤلفين الشباب، الذين أرسلوا له كتبهم. في تلك المراسلات نلتقي بستيفان تسفايغ المخلص لملاحظاته، الذي لا يجامل، البعيد عن كل ديبلوماسية، سواء في مدحه أو نقده للعمل. مخلص وصريح في كل كلمة يكتبها، لا يخفي انفعالاته المباشرة أبداً.



اضف تعليقك

شروط نشر التعليقات والتعقيبات في "المدى"

تود "المدى" أن تعلن لقرائها وزوار موقعها الالكتروني الكرام بان تعليقاتهم وتعقيباتهم على ما ينشر فيها يخضع لذات القواعد التي تحكم عملية النشر في الصحيفة الورقية والمتقيدة باخلاقيات الصحافة المتعارف عليها دولياً، وتؤكد انها لن تنشر ما يتعارض مع هذه القواعد وفقاً للآتي:

1 - يلتزم القراء وزوار الموقع الالكتروني بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وبعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب وهيئات الدولة والهيئات الاجتماعية وسائر الناس، بكلام جارح ونابِ ومشين ويحتوي على معلومات غير مؤكدة، ويلتزمون أيضاً بعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء.
2 – يحق لإدارة تحرير المدى ان تنقّح تعليق القارئ او الزائر بما يتناسب مع اللياقات الموصوفة اعلاه، وإطلاق الحوار البنّاء، مع الحفاظ على مضمون التعليق، أو أن تحجبه إذا كان غير مناسب أو متعارضاً مع قواعد النشر.
3 – تنطبق هذه الشروط على ما ينشر في الملاحق وسائر مواقع وإصدارات مؤسسة المدى
4 - لا تتحمل مؤسسة المدى أي مسؤولية مادية أو معنوية حيال صاحب التعليق.
الاسم:  
البريد الالكتروني:    
التفاصيل:  
رمز التحقق:
جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة المدى للاعلام والثقافة والفنون