آراء وافكار
2017/09/21 (00:01 مساء)   -   عدد القراءات: 1021   -   العدد(2023)
نهاية داعش.. نهاية الإسلام السياسي
نهاية داعش.. نهاية الإسلام السياسي


 سلام حربة

إن ظهور داعش في مطلع القرن الحادي والعشرين، حمل رسائل لا تبشر بخير الى العالم الإسلامي، وبخاصة أحزاب وتيارات الإسلام السياسي.، لقد فرضت داعش نفسها كممثل شرعي وحيد للدين الإسلامي والسنّة النبوية، وما سبقها وما سيأتي من بعدها لا يأتيه الحق لا من قريب ولا من بعيد ، فقد ادعت بأنها هي من ستثبت دعائم هذا الدين في أركان الأرض، وستجعل من الكون كلّه، دولة اسلامية بقيادتها تسود فيها العدالة والرحمة ويطبق الشرع الاسلامي بحذافيره دون زيادة أو نقصان. وهي من ستبشر البشرية بيوم الدين القادم وتعجّل بقدومه، ومن خلالها ستزحف الأقوام أفواجاً أفواجاً للوقوف بين يدي الله، يُثاب من يُثاب ويعاقب من يعاقب.. لم يكن خطاب داعش خطاباً مهلهلاً بل خارج من مؤسسات دينية عريقة يمتد عمرها مئات من السنين، مشهود لها في صناعة الكلام والتأويل المنمّق. وكل كلامها وأفعالها تُسند بالآيات القرآنية والاحاديث النبوية، وهذا ما دفع مئات الألوف من الذين أعميت بصيرتهم، ومن كل بقاع الأرض، على الالتحاق بسرب هذا التنظيم الإرهابي والذي يظنه الباحث عن اليقين حقيقة يرتوي بها العطشان، والقتال معها حتى الموت من أجل تحقيق الأراجيف والادعاءات الدينية لهذا التنظيم الدموي..داعش كانت الوريث الشرعي للسلفية الجهادية وتنظيم القاعدة وكل الحركات والفصائل الدينية التي تنادي بالتطبيق القسري لشرع السماء في الأرض. وأضاف منظروها كل توصولاتهم الفقهية التي استلوها في هذا الزمن الجديد العاج بالتطرف وسيادة رأس المال وكراهية الآخر سواء كان ديناً أم عرقاً أم مذهباً.. لقد عوّل الكثير من الأحزاب والمنظمات الاسلامية ورجال دين وأئمة جوامع وسياسيين في كل بقاع الأرض على داعش كونها الأمل الموعود في تطبيق الحق الالهي، وأعلنت الولاء لها والالتحاق في صفوفها ودعمها مادياً ولوجستياً، حتى إنّ أحزاباً دينية عمرها اكثر من مئة عام، التحقت بداعش في دعواتها الصريحة إلى ضرورة ارجاع حركة التاريخ والعودة القهقرى بالزمن الى ما قبل ألف واربعمئة سنة، والعمل بمبدأ القياس الارسطي وإلغاء كل مظاهر التطور والمدنية وجعل الحياة الحاضرة من مقاسات الجاهلية وفجر الإسلام الأول.. لقد ادعت بأنها ستعيد التأريخ الى عصر الخلافة الاسلامية والذي، بنظرها، يمثل الحقبة الأكثر إشراقاً في التاريخ الاسلامي. ولذا فإنها صنعت خليفة على مقاسات أفكارها واعطته اسماً يتكون من مقطعين ابو بكر تيمّناً بخليفة المسلمين ابو بكر الصديق، والبغدادي باعتبار أنّ بغداد حاضرة الدنيا ومنها ستنطلق دعواهم الإسلامية كالشمس التي ستشرق على كل العالم، لقد احتلت داعش العديد من المدن العراقية والسورية في لحظات ضعف كان يمر بها هذان البلدان، في العراق استطاعت داعش أن تحتل ثلث الأرض بسبب سياسات الحكومات المتعاقبة منذ 2003 والتي بنيت على أساس المحاصصة الطائفية والتي حاولت تكريس العداء بين الطائفتين السنيّة والشيعية في البلد، لأن هذه القوى المتسلطة على مقدرات هذا البلد، لم تكن تملك منهجاً أو نظاماً سياسياً تستطيع أن تدير به سياسة البلد سوى الطرق على مفاهيم التوافقات والمظلومية، "وما ننطيها" واعتبار الشريك الآخر، مهما كانت هويته، سارقاً لسلطة البلد منذ اربعة عشر قرناً، وهم جاءوا اليوم كي يعيدوا الأمور الى نصابها وينصفوا المظلومين بالتنكيل بأبناء الطوائف والاقليات الأخرى. وهذا ما خلق وسطاً مناسباً لعمل داعش والتي كانت تسعى دائماً إلى اثارة الفرقة والشقاق ودق إسفين الطائفية عميقاً وتكفير الآخر والدعوة الى قتله، مستغلة وجود طبقة سياسية داعمة لها موجودة في كل أركان الدولة وتحت قبة البرلمان وفي أجهزة الحكومة التنفيذية، لم تحتج داعش إلا لأيام قليلة كي تفرض سطوتها على المحافظات التي تلبس نفس لونها المذهبي، ساعدها في ذلك جيش عراقي لم يكن بالمهنية المطلوبة، مُخترقاً من قبل الميليشيات والعناصر الدخيلة. وقد أنهارت الكثير من فرقه ووحداته بمجرد أن أطلقت الرصاصات الأولى ودبّت الفوضى التي شجعها المستفيدون من انهيار الجيش العراقي كي يخلقوا فراغاً في بعض المناطق التي يطمعون بها للتحكم بأرضها وناسها..هذا في العراق، أما في سوريا، فإن البلد قد واجه تحديات ومؤامرات كثيرة داخلية وخارجية لم يكن قادراً على مواجهتها جميعاً، فسقطت عدداً من المدن المهمة بيد داعش وفصائل اسلامية متطرفة كجبهة النصرة.. لقد بقي العالم متفرجاً حول ما سيحصل في الخطوة التالية، وهل سيخلق هؤلاء الدعاة الجنان والفراديس الى سكان هذه المناطق المضطهدين من قبل الطوائف الحاكمة.. يستطيع اي انسان قائداً كان أم مواطناً بسيطاً أن يتكلم بما يحلو له أو أن يكتب العشرات من المجلدات في أي موضوع يختاره، لكن الصعوبة الأكبر في تطبيق ما يكتبه أو يفكر فيه لبناء حياة توفر العدالة والحرية والكرامة والمساواة بين البشر، لم يعرف الداعشيون كيف ينتقلون الى بناء المدن والأوطان، لأن ليس لديهم منهج أو نظرية يستندون إليها في هذا المجال، ومفهوم بناء الدولة في الدين الاسلامي يلفه الإبهام والتأويلات الكثيرة، لأن القرآن الكريم حمال أوجه كما يقول الامام علي، تلتبس فيه آليات بناء الدولة للجهلة والمتطرفين، ولا توجد نصوص واضحة أو احاديث تدعم خطاهم نحو بناء دولة خلافة يسودها الامان وتستند في أحكامها الى الشرع الالهي، الدين الاسلامي دين رحمة ومغفرة ودين بناء روح الإنسان وتقويم أخلاقه (جئت لأتمم مكارم الأخلاق) وإن حاولت داعش أن تبني دولة على مقاسها، فلن يكون أمامها إلا أن تناصب العداء لكل ماهو حياتي ومتجدد، وتجبر الاقليات الدينية والعرقية على العيش تحت رحمتها واضطهادها، يدفعون ما يدفع الكفرة من مال ودماء والعيش عبيداً على حافة حياتهم.. لقد فرضت داعش الجزية على غير المسلمين من مسيحيين وايزيديين وصابئة وغيرها، أو الدخول قسراً في الاسلام وتم سبي نسائهم وعاد رق الجاهلية في هذا الزمن الحديث، ليتم بيعهن في سوق النخاسة وقتل الرجال العاصين والأطفال الأبرياء حتى لا يتلوثوا مستقبلاً بخطيئة آبائهم، بيد داعش تمت ازالة كل ما يمت الى الماضي بصلة، سواء ما يخص الحضارات القديمة التي نشأت في هذه البلدان، كما في تدمير كل مخلفات الحضارة الآشورية الكلدانية في الموصل وتفجير مراقد الانبياء، كنبي يونس وأضرحة الأولياء والعلماء والجوامع والمساجد، وكذلك ما حصل في سوريا من إزالة لكل الموروث الحضاري في تدمر والمدن السورية التاريخية..داعش خلقت مشاكل اجتماعية عصيّة على الحل، وتعتقد إن كل تاريخ لا ينسجم مع افكارها رجس من عمل الشيطان، لقد فصلوا الحياة على مقاساتهم ولوّنوها بألوان وجوههم الكالحة.. ما عملته داعش اقشعرت له أبدان المجتمعات جميعاً، إذن هذا هو الاسلام السياسي بصيغته العصرية الجديدة، اسلام عنصري لا سبيل لديه للتعامل مع الآخرين إلا بمنطق الموت والكراهية والتفرقة بين الشعوب..لقد احرجت افعال داعش وفظائعها احزاب الاسلام السياسي في كل العالم، وابتدأت المجتمعات تتعامل مع الاحزاب الدينية على انها نسخ أخرى من داعش رغم محاولة هذه الأحزاب التبرئة من كل افعال داعش، لكن اصابع الاتهام توجهت اليها من كل الشعوب على أنها خطر كامن وخلايا نائمة في هذه الشعوب، ما أن تتنفس فإنها ستعيد صفحة داعش وتذيق البشر الويلات والثبور، رغم دفاع البعض من هذه الأحزاب والذي ينتمي بعضها الى طائفة أخرى ويقاتل داعش على الأرض، لكن الصورة التي في ذهن المجتمعات، أن العديد من احزاب الاسلام السياسي التي تتخذ ، زيفاً، من القرآن الكريم والسنّة النبوية وأقوال قادتها ورجالها الصالحين، مراجع لها ربما لا تختلف عن داعش التي عرضت نفسها راعية للإسلام والمسلمين، وهذا ما دفع فقهاء الاحزاب الى مراجعة حساباتهم بعد أن أحسوا إن أيادي الجماهير قد نفضت عنهم، كما أنّ ما وفرته وسائل الاتصال الحديثة من انترنيت وفيس بوك وانستغرام وتويتر والعديد من السبل الالكترونية الخارقة في تواصل البشر، قد فتحت عيون ابناء العالم الاسلامي الى أن الخطابات الدينية السياسية جميعاً متشابهة تكرّس التخلف والجهل وتشيع الظلام وتحارب كل قيم المدنية والتسامح والحياة الحرّة الكريمة.. لقد اصبحت الأحزاب الدينية مدعاة للسخرية وانتشرت في أروقة التواصل الاجتماعي آلاف الفيديوهات لشيوخ وعلماء هذه الأحزاب والذين يطرحون أفكاراً ساذجة عقيمة اصبحت مثاراً للتندر والسخرية، هذه الفيديوهات اصبحت رسائل تنظيمية تثقف الشباب وتحذرهم من الخطر المحدق الذي يعيش بين ظهرانيهم.. لقد قاربت صفحة داعش على الانتهاء، هذه الصفحة السوداء والتي لم تجلب لشعوب العالم الاسلامي وحتى العالم الغربي الذي يعيش قسم منهم هناك إلا الويلات وأنهار الدم وانتظار المجهول.. نهاية داعش تعني نهاية الاسلام السياسي في كل العالم، ومن يدعو من الآن وصاعداً الى بناء دولة اسلامية في المستقبل، سوف لن يكون مثاله إلا داعش وما قبلها القاعدة والحركات الجهادية..لقد اثبت التاريخ بطلان دعوات بناء دولة اسلامية بالمقاسات الداعشية وكل الترقيعات الباطلة للمنظرين الإسلاميين.. في العراق، وبعض البلدان الإسلامية سارعت الأحزاب الدينية الى خلع جلبابها وارتداء لباس المدنية، وهذا ما اقدمت عليه الكثير من القوى السنيّة والشيعية، لقد غيرت اسماءها ومسحت كل ما يمت للإسلام من يافطات اسمائها، ابتدأوا يشكلون كتلاً مدنية لأنهم شعروا، والكثير منهم مكرهون، بأن زمنهم انتهى وانهم يبحثون عن واجهات جديدة يزوقون بها وجوههم التي كرهتها الجماهير، انهم يزايدون اليوم بالمدنية والتي كانت بالأمس العدو اللدود لهم، لكن هذا الأمر يؤشر الى مرحلة مجتمعية جديدة، وإن انتظار الدولة الاسلامية التي نمت في أحلام البعض من المواطنين منذ اكثر من قرن في طور المستحيل والعدم، وكما تترنح داعش من فرط الضربات الفكرية والعسكرية الموجهة لها، فإن الدعوات الحزبية لزمن اسلامي قادم تحتضر أيضاً.. إن طوراً سياسياً جديداً تنتظره هذه المجتمعات ربما يكون محملاً بمفاجآت لا يستطيع المفكرون التنبؤ بها.



اضف تعليقك

شروط نشر التعليقات والتعقيبات في "المدى"

تود "المدى" أن تعلن لقرائها وزوار موقعها الالكتروني الكرام بان تعليقاتهم وتعقيباتهم على ما ينشر فيها يخضع لذات القواعد التي تحكم عملية النشر في الصحيفة الورقية والمتقيدة باخلاقيات الصحافة المتعارف عليها دولياً، وتؤكد انها لن تنشر ما يتعارض مع هذه القواعد وفقاً للآتي:

1 - يلتزم القراء وزوار الموقع الالكتروني بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وبعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب وهيئات الدولة والهيئات الاجتماعية وسائر الناس، بكلام جارح ونابِ ومشين ويحتوي على معلومات غير مؤكدة، ويلتزمون أيضاً بعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء.
2 – يحق لإدارة تحرير المدى ان تنقّح تعليق القارئ او الزائر بما يتناسب مع اللياقات الموصوفة اعلاه، وإطلاق الحوار البنّاء، مع الحفاظ على مضمون التعليق، أو أن تحجبه إذا كان غير مناسب أو متعارضاً مع قواعد النشر.
3 – تنطبق هذه الشروط على ما ينشر في الملاحق وسائر مواقع وإصدارات مؤسسة المدى
4 - لا تتحمل مؤسسة المدى أي مسؤولية مادية أو معنوية حيال صاحب التعليق.
الاسم:  
البريد الالكتروني:    
التفاصيل:  
رمز التحقق:
جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة المدى للاعلام والثقافة والفنون