عام
2017/09/21 (00:01 مساء)   -   عدد القراءات: 941   -   العدد(2023)
"العطر".. استخدام أجساد العذراوات لاستخلاص عطور ساحرة
"العطر".. استخدام أجساد العذراوات لاستخلاص عطور ساحرة


 زينب المشاط

هُنالك سُلطة أكبر من الحُكم، والمال، والارهاب، إنها سُلطة الحب، هذه السُلطة التي تُمكننا من الاستيلاء على قلوب الآخرين، لتسييرها وفق أهوائنا، لكن هل للعطر دور في ما يخص سُلطة الحب؟باستطاعة العطور أن تتسلل إلى أرواحنا دون أن نشعر، لتقودنا نحو أحدهم بعقول غائبة، إنها تشبه السحر تماماً، بإمكانها أن تجعل منا مُتبصرين، أو أن تعمي قلوبنا وأبصارنا وتتحكم بنا وفق ما تشاء...

تماماً هذا ما قدمه لنا باتريك زوسكيند من خلال روايته " العطر"، لن أتساءل ابداً، لِما اختار زوسكيند من باريس مكاناً لروايته تلك، فهي المدينة التي تضجّ بالعطور، فمتى ما أردنا أن نغيب في عوالم أخرى سنجد باريس وعطورها الرائعة التي ستقودنا نحو أماكن لم نرها مُسبقاُ فقط في تلك الاخيلة التي  تصنعها إدمانات العطور.
في رواية زوسكيند "العطر" الصادرة عن مؤسسة المدى للإعلام والثقافة والفنون، نجد أن الكاتب يقودنا نحو القرن الثامن عشر، حيث كانت جميع عمليات البناء والتحلل في باريس مصدراً لمُختلف الروائح، ليولد هناك، وتحت عربة الأسماك "جان باتيست غرونوي" هذا الكائن البشري، الذي يتمتع بقدرة عالية على استخدام أنفه، إلا أنه يُعدّ نكرة بين البشريين فهو لا يمتلك عطراً لجسده...
غرونوي الدمث بعد نضجه يكتشف بأنه شخص شغوف بالروائح، فبإمكانه التمييز بين رائحة طبقات المياه بالبحيرة، اضافة إلى انه يميّز بين رائحة الحليب، وإلى اي بقرة يعود هذا الحليب، وما هو نوع الغذاء الذي تناولته تلك الأبقار، يعمل هذا الفتى في مرحلة صباه في مدبغة، وينتقل بعدها للعمل لدى بالديني أشهر عطاريّ باريس، هذا العجوز الذي ورث مهنته عن والده، إلا انه عجز بالتالي وبعد تقدمه بالسن عن صناعة اي نوع من العطور المميزة، رغبة بالديني في خلق عطر"الحب والروح" وقدرة غرونوي الفطرية على خلق هذا العطر، هي التي ستجمعهما في هذه الرواية، إلا أن الأخير لم يكٌن يهدف الى خلق العطور فحسب، فأهداف غرونوي تصبّ على كيفية الاحتفاظ بعطور الاشياء، عطور اجساد البشر، لا صناعة العطور أو استخلاص عطور النباتات..
وهنا وبشهادة يحملها من بالديني يتجه غرونوي نحو كراس، والتي تعد عاصمة صناعة العطور في فرنسا، ليبدأ مشواره مع عمليات قتل العذراوات من النساء والحسناوات، واستخلاص روائح اجسادهنّ لأكمال مجموعته العطرية التي سيخلق منها عطراً خاصاً به...
دوافع غرونوي في القتل، ومنذ ضحيته الاولى التي تتبعها بسبب الرائحة المنبعثة من جسدها، في باريس، والتي قتلها دون قصد منه، وحتى آخر ضحية له في الرواية لم تكُن لهدف القتل، او الخطيئة، إنه باحثٌ عن الجمال فقط، وكان القتل ما هو إلا وسيلة لاستخلاص الجمال.
للرواية ابعاد كثيرة، سواء أكانت فيما يدور حول تقنيات الرواية، أو موضوعاتها، أو اسلوبها، لم أعجب من استخدام باتريك زوسكيند العلوم في روايته هذه، فسبق وأن قرأت رواية "حكاية السيد زومر" وقد استخدم خلالها الكاتب علوم الرياضيات والطب، ويبدو أن لزوسكيند متعة يجدها حين يتسعرض طاقاته العلمية في رواياته، إضافة إلى أنه يمتلك القدرة على اضفاء المتعة للقارئ في عرض واستخدام هذه المعلومات والقدرات العلمية، التي قادته الى الكيمياء هذه المرة وفي هذه الرواية.
زوسكيند وضع لبطل روايته مُسببات مشروعه، تجعلنا غير قادرين على اتهامه بالقتل، في الواقع سيُغيب القارئ كما غُيّب الناس المتراكمون والمزدحمون عند مقصلة الاعدام التي كان من المفترض أن يعدم غرونوي عندها، حين ركعوا لغرنوي الملاك في نظرهم، فكما للعطر بين سطور الرواية تأثيره، فلإسلوب الراوي سحره وتأثيره على القارئ، ببساطة سينظر القارئ إلى بطل الرواية على انه شخص باحث عن الجمال، الذي يجده في اجساد فتيات، عذراوات، لم تتمكن منهن مشوبات الحياة، غاية في الجمال، وهنا لم يختر القاتل رجالاً لاستخلاص العطر من أجسادهم، فضحاياه كُنّ من النساء فقط، وقد نرى لمحة ايروتيك في هذه الرواية رغم انها تتخفى خلف الموضوع العام للرواية.
مزج زوسكيند بين واقع المدينة "فرنسا" وشهرتها بصفة العطور، وبين أخيلته الساحرة، فصنع رواية اقرب الى الواقعية السحرية "الفنتازيا"، عُدّت من أهم الروايات في المشهد الأدبي.
اتصف الاسلوب السردي للكاتب، بالسهولة واقتضاب الجمل وكثافتها، حتى أن القارئ يستطيع الانتقال بين سطور الرواية وصفحاتها دون الشعور بالملل، فعامل الدهشة والفضول سيكون دائماً مخيماً على القارئ، ابتداءً من عنوان الرواية وحتى الصفحات الأخيرة في الكتاب، حين يعود غرونوي، إلى مدينته وحيث ولد عند عربة السمك، ويسكب مزيج العطر الذي صنعه من روائح النساء الحسناوات، ليتلاقف الناس ثيابه وجسده فيما بينهم ظنّاً منهم أنه روحٌ عظيمة.
حقد البطل على واقعه الذي جعل منه شخصاً نكرة، بلا هوية، بلا عطر هو من منحه الوسيلة الوحيدة لخلق هوية لذاته.
هذه الرواية كفيلة بأن تجعل القارئ في حيرة من أمره، هل هو أمام خير، أم شر، شخصية بطل الرواية حركية، يطغى عليها الانفعال الجسدي، إلا أنها ليست شخصية حوارية، فالحوار شبه غائب في هذه الرواية، وهنا يسمح الكاتب للقارئ بتحريك مخيلته والتحليق بها بعيداً جداً.
مُثلت رواية "العطر" كفيلم أخرجه الالماني توم تايكور، عام 2006، تجاهل الفيلم أحداث الفصول المرتبطة بمونبيلييه وشخصية الماركي دو لاطاياد اسبيناس، إضافة إلى الكثير من الاختلافات.



اضف تعليقك

شروط نشر التعليقات والتعقيبات في "المدى"

تود "المدى" أن تعلن لقرائها وزوار موقعها الالكتروني الكرام بان تعليقاتهم وتعقيباتهم على ما ينشر فيها يخضع لذات القواعد التي تحكم عملية النشر في الصحيفة الورقية والمتقيدة باخلاقيات الصحافة المتعارف عليها دولياً، وتؤكد انها لن تنشر ما يتعارض مع هذه القواعد وفقاً للآتي:

1 - يلتزم القراء وزوار الموقع الالكتروني بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وبعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب وهيئات الدولة والهيئات الاجتماعية وسائر الناس، بكلام جارح ونابِ ومشين ويحتوي على معلومات غير مؤكدة، ويلتزمون أيضاً بعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء.
2 – يحق لإدارة تحرير المدى ان تنقّح تعليق القارئ او الزائر بما يتناسب مع اللياقات الموصوفة اعلاه، وإطلاق الحوار البنّاء، مع الحفاظ على مضمون التعليق، أو أن تحجبه إذا كان غير مناسب أو متعارضاً مع قواعد النشر.
3 – تنطبق هذه الشروط على ما ينشر في الملاحق وسائر مواقع وإصدارات مؤسسة المدى
4 - لا تتحمل مؤسسة المدى أي مسؤولية مادية أو معنوية حيال صاحب التعليق.
الاسم:  
البريد الالكتروني:    
التفاصيل:  
رمز التحقق:
جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة المدى للاعلام والثقافة والفنون