المزيد...
آراء وافكار
2017/09/23 (00:01 مساء)   -   عدد القراءات: 704   -   العدد(2024)
هواجس الوجود المسيحي..كنيسة العراق في مفترق طرق صعبة
هواجس الوجود المسيحي..كنيسة العراق في مفترق طرق صعبة


 لويس إقليمس

اليوم، وبعد المآسي الكثيرة التي خبرتها الجماعات المسيحية ورئاستُها غير المتوافقة مع بعضها في العديد من الرؤى والهموم المشتركة في العراق، على تنوع هذه الكنائس، وعلى اختلاف الرؤى التي تتبناها هذه الرئاسات في تسيير دفة الأتباع وفي التفاهم مع الكنائس الشقيقة، يمكننا القول إنَّ كنيسة العراق أمام مفترق طرق يصعب التكهّن بمستقبلها ومصيرها. لقد دقّ الجميع نواقيس الخطر، بعد أن أنذر الكثيرون منذ زمنٍ، بشؤمٍ قادمٍ غير محسوب النتائج. فتراجعُ الوجود المسيحي في هذا البلد لأعداد كارثية، جديرٌ أن يُؤخذ بعين الحساب وبكثيرٍ من جوانب الخطر الذي يكتنف هذا الوجود الذي حافظت عليه أجيالٌ وأبطالٌ وهاماتٌ لغاية اليوم. فالوضعُ يُنذر بمصيرٍ مجهول، بل الوجود ذاتُه متوجه نحو الاختفاء والانقراض، بحسب الأحداث والبيانات أمام الأنظار وعلى أرض الواقع. وهذا ما نخشاه، لا سمح الله. فحقبة ما بعد داعش وما هو مخطَّطٌ له دولياً في كواليس السياسة وفي مطابخ الساسة وكارتلات الاقتصاد، لا يمكن التنبّؤُ به. فقد تلد الأحداث ما لا تُحمدُ عقباهُ!
من جملة ما يعنيه التراجع القائم في الأعداد، التنصّل بطريقة أو بأخرى، بعدم حفظ الوديعة التي أوكلها الآباء والأجداد لأجيالهم عبر رئاساتهم الكنسية، أوّلًا ومَن يدّعي الدفاع عن الأتباع في دكاكين الأحزاب الفئوية، شأنُها شأن أحزاب الإسلام السياسيّ القائمة وغيرها من الأحزاب الطائفية التي تُحكم قبضتَها على مقاليد السلطة وبوّابات الجاه والمال والاقتصاد. ومن شأن هذا إن حصل، إسدالُ الستار عن أمانةٍ تقع على عاتق أعناق الجميع وضمائرهم، من رئاساتٍ كنسية أولاً، ومن أحزاب "مسيحية" أو "قومية متعصّبة تدّعي المسيحية" وتسعى لاستغلال الكنيسة لمصالحها ثانياً، ومن مؤمنين ونشطاء مدنيين ومثقفين على السواء ثالثاً، ورابعاً وليسَ آخراً الدول والكنائس الأخرى والجمعيات والمنظمات المسيحية وغير المسيحية التي تتفرجّ على النتائج الكارثية التي حلّت بواحدٍ من أهمّ البلدان في المنطقة التي دخلت فيها المسيحية ونمت وترعرت عبر كنائس وديارات ومزارات ومراكز ومدارس حملت معها عطوراً طيبة ومناهلَ صافية من ثقافة وتراث وحضارة وأخلاق تميّز بها المؤمنون عن سائر الجماعات في حياتهم الخاصة والعامّة.
خوفي وخوفُ العديدين، أن يُسدلَ التاريخُ والأحداث الأخيرة، الستارَ عن الهوية المسيحية، مرة أخرى، تماماً كما حصل لها في مناطق ومواقع عراقية كانت بالأمس غنية بوجودهم، عنيدة بمقدرتهم، زاخرة بعطائهم الكبير. واليوم أضحت تلك، آثاراً وبقايا أبنية وخرائب في مناطق مترامية من أرض السواد العراقي. فيما يعمل الآثاريون والمتهمّون على جعلها مواقعَ سياحية جذباً للأنظار واستدراراً للحنين للأيام الخوالي، وكأنّي بهم يؤكدون توثيق حقبة تاريخية، كما فعل غيرُهم بتهيئة متاحف تشهد لذلك التاريخ المنقرض. أختام الشمع الأحمر المستقبلية التي يعدُّها التاريخ واللاّعبون الكبار فيه، إعلاناً بانتهاء الدور المسيحي وتاريخ المسيحية في العراق في قوادمِ السنين، ستكون خسارة كبيرة لما تبقى من آثار الهوية المسيحية المشرقية الرسولية وإنهاء دورها الريادي على مدى الأزمان والقرون والأجيال في بناء الأوطان، ومنها العراق. فنحنُ أمام أطرافٍ عديدة: منها من هي قاسية القلب وغير مكترثة دولياً، ومنها من أثبتت أنها سلطوية ومتعصّبة العمل كنسياً، وأخرى أنانية بفعلها وممارساتها، وغيرُها محبَطة وخائبة مسيحياً.
إننا ندرك تماماً ما في الأفق وخلف الكواليس، وما يجري في مطابخ السياسة الكبيرة. فالأسياد يعدّون لطبخة صاخبة وقاسية لسيناريوهات جديدة بشأن ما تبقى أو سيتبقى من أتباع المسيحية وسائر الجماعات الدينية والعرقية، التي غدرَ بها الزمن وأحالَها إلى مكوّنات قليلة العدد اصطبغت بتسمية "الأقليات"، كما أرادها الأسياد، للمزيد من الإهانة وبهدف الاستخفاف بحقوقها والمتاجرة بمصيرها ومستقبلها، في الداخل وفي بلدان الشتات. فموجات الهجرة المخيفة التي نشهدها كلّ يوم، نتيجةً للضغوط الكثيرة وخيبات الأمل المتلاحقة والإرهاصات الكثيرة في التعامل مع هذه الجماعات المسالمة جميعاً، والمكوّن المسيحي بالذات على تنوع طقوس أتباعهم ومللهم ورئاساتهم، كلُّها إشارات سلبية لا تبشّر بخير، مهما ثابرَ وصبرَ ودعا الخيّرون والطيبون إلى وقف هذه المنغّصات ووضع حدود لمثيريها ومسبّبيها. فالمشكلة أعظم ممّا يتصوّرهُ العديدون، حتى كاتبُ هذه السطور. فالمسألة هي مسألة حياة إنسانية حرّة كريمة وآمنة، أو موت بطيء لا يُعرف شكلُه وأوانه وطريقته، أو انتظار معجزة، وعصر المعجزات ولّى ولن يعود!
لذا، ومن أجل إعطاء قدرٍ وافٍ من بصيص الأمل لما تبقى من هذه الجماعات المتناقصة التي آثرت سلك طريق الهجرة لشديد ما عانت منه من مآسٍ طالت جوهرَها ووجودَه وهويتَها، بالرغم من وطنيتها المشهودة، لا بدّ من بذل المزيد من الجهود لتبيان هذا الأمل حفاظاً على جذورها وأصالتها وتراثها وهويتها المتميّزة. فالعراقيون أمام امتحان عسير: إمّا أن يكونوا أوفياء لمواطنيتهم التي امتازوا بها طيلة تاريخهم المعهود في العيش المشترك الذي تناغم مع تعدديتهم الدينية والمذهبية والعرقية التي شكّلت خارطة البلاد وجغرافيتها وتراثها وهويتها العراقية، أو قراءة الفاتحة على ذلك الجبل الأشمّ الذي أُريد له أن يسقط، تماماً كما يسقط الفارس عن صهوة جواده، فينكسر ويخسر السباق بدل إكمال مسيرة الحياة الحضارية التي عرفه بها التاريخ، وما تزال بعضُ شواخصها قائمة بالرغم من إعمال يد الخراب والدمار بها على أيدي كواسر العصر من خوارج التطرّف المتشدّد الذي شوّه المقدّسات وحطَّ من قدر العفيفات وأراد العودة بالإنسان والبشرية إلى سوداوية عصور القبلية ووأد البنات وإلغاء الآخر المختلف عن ايديولوجيته العفنة والمتخلّفة.
لكنّ الشرفاء سيختارون الأصلح وسوف يعملون قريباً على إعادة البيت الذي جرى تخريبه من جديد إلى عهد جبروته السابق، زاخراً بالمجد والأنفة والمواطنة التي تقدّس العيش المشترك وتحترم خيار جميع المكوّنات وأديانها وأعراقها ومذاهبها، في إطار دولة مدنية متحضّرة مبنية على أساس المساواة والعدل والمحبة والاحترام. فالحلّ لن يأتي به الغريب ولا الأسياد الطامعون به ولا الغشاشون ولا اللصوص القادمون من خارج الأسوار الذين نهبوا الخيرات وحطّموا اللحمة المجتمعية وكسروا عصا العزّة الإنسانية وأهانوا هيبة الدولة، بل أبناءُ الوطن الأوفياء من الصابرين النزهاء. فمتى ينفذ الصبر، وقد آن أوانهُ في الهجعة التالية من الانتخابات المقبلة، سيكون للشعب المظلوم صولةُ وجولة إزاء سرّاق قوته وناهبي ثرواته وكاسري وطنيته. فالحكومة المقبلة ينبغي أن تكون حكومةَ مواطنةٍ وليست جزءاً من دولةِ مكوّنات تتخذ من المحاصصة مشروعاً للثراء وتقسيم الثروات بين الحرامية وإلغاء الآخر وإقصاء اتباع الأديان والقوميات الأصيلة القليلة العدد ودفعهم للهجرة إلى المجهول. فالعراق وطن الجميع وسيبقى كذلك.



اضف تعليقك

شروط نشر التعليقات والتعقيبات في "المدى"

تود "المدى" أن تعلن لقرائها وزوار موقعها الالكتروني الكرام بان تعليقاتهم وتعقيباتهم على ما ينشر فيها يخضع لذات القواعد التي تحكم عملية النشر في الصحيفة الورقية والمتقيدة باخلاقيات الصحافة المتعارف عليها دولياً، وتؤكد انها لن تنشر ما يتعارض مع هذه القواعد وفقاً للآتي:

1 - يلتزم القراء وزوار الموقع الالكتروني بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وبعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب وهيئات الدولة والهيئات الاجتماعية وسائر الناس، بكلام جارح ونابِ ومشين ويحتوي على معلومات غير مؤكدة، ويلتزمون أيضاً بعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء.
2 – يحق لإدارة تحرير المدى ان تنقّح تعليق القارئ او الزائر بما يتناسب مع اللياقات الموصوفة اعلاه، وإطلاق الحوار البنّاء، مع الحفاظ على مضمون التعليق، أو أن تحجبه إذا كان غير مناسب أو متعارضاً مع قواعد النشر.
3 – تنطبق هذه الشروط على ما ينشر في الملاحق وسائر مواقع وإصدارات مؤسسة المدى
4 - لا تتحمل مؤسسة المدى أي مسؤولية مادية أو معنوية حيال صاحب التعليق.
الاسم:  
البريد الالكتروني:    
التفاصيل:  
رمز التحقق:
جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة المدى للاعلام والثقافة والفنون