آراء وافكار
2017/09/23 (00:01 مساء)   -   عدد القراءات: 1263   -   العدد(2024)
التفاوض علم وفن وليس كما يفعلون | (2-2) |
التفاوض علم وفن وليس كما يفعلون | (2-2) |


 د.قاسم حسين صالح *

تحدثنا في الحلقة السابقة عن مفهوم (التفاوض) ومراحله ومعلومات أخرى، ونركز في هذه الحلقة على معادلات التفاوض وقضايا سيكولوجية تخصّ التفاوض والمفاوض الناجح.

معادلات التفاوض
الشائع عندنا أن الطرف المفاوض يعمل على اقصاء الطرف الآخر وتجريده من كل مصادر القوة، معتمداً المباراة الصفرية  Zero-Sum Game  وتعني، عليّ أن اكسب كل شيء وليذهب الآخر الى الجحيم، التي تؤدي الى استمرار الصراع وتصعيد حدّته، فيما التفكير الحديث اشترط أن يسود مبدأ أكسب ودع الآخر يكسب  Win Win Approach  الذي يقوم على أساس البحث عن أرضية مشتركة لتحقيق التفاهم بين الأطراف المتفاوضة.
 وعلى أساس هذا المبدأ، وضع الخبراء ثلاث معادلات  نوجزها بالآتي:
المعادلة الأولى/ الطرف الأول: عطاء وأخذ، الطرف الثاني: عطاء وأخذ.
 في هذه المعادلة يكون الطرفان على استعداد لإعطاء شيء مقابل أخذ شيء يريده وفق تخطيط كنا قد أشرنا الى تفاصيله المتضمنة تحديد الأهداف بوضوح ودقة ومقدار التنازلات وزمنها.. وتعدّ هذه المعادلة هي الأكثر نجاحاً.
المعادلة الثانية/ الطرف الأول: أخذ وعطاء، الطرف الثاني: عطاء وأخذ.
احتمال نجاح هذه المعادلة جيد، لأن الطرفين على علم بالتنازلات وفق مبدأ الأخذ والعطاء، ولكن من معوقات نجاحها أن أحد الطرفين مستعد لأن يعطي، شرط أن يحصل على شيء بالمقابل، غير أن الطرف الثاني مستعد للعطاء ولكن بعد الأخذ أولاً . والصعوبة تكمن في أن الطرف الذي أخذ، قد يفكر في المقدار الذي سيحصل عليه مقابل ألا يعطي. واذا لم يقرر هذا الطرف بسرعة ماذا سيعطي، فإن الطرف الذي قرر أن يعطي سيسحب تنازلاته، الأمر الذي قد يؤدي الى مرحلة حرجة.
المعادلة الثالثة/ الطرف الأول: أخذ وعطاء ، الطرف الثاني: أخذ وعطاء.
في هذه المعادلة يدخل الطرفان المتفاوضان العملية التفاوضية وفي ذهن كل واحد منهما ألا يعطي شيئاً قبل أن يأخذ، الأمر الذي غالباً ما يؤدي الى اختلاف بينهما، وما لم يتزحزح طرف عن موقفه فإن التفاوض قد يصل الى طريق مسدود.
إن اغفال مبدأ الأخذ والعطاء، والتعنت ومحاولة فرض الشروط والإملاءات تؤدي الى فشل العملية التفاوضية في ما ينبغي أن يكون طرفا التفاوض مقتنعين بأن التفاوض يعني الأخذ والعطاء. يؤكد ذلك أن الدراسات العلمية توصلت الى أن استخدام اسلوب الترهيب والتهديد والوعيد لا يؤدي إلا الى المزيد من التشدد في المواقف، مهما كان الطرف الآخر ضعيفاً.

صفات المفاوض الناجح
ما يحصل عندنا أن اختيار المفاوض يتم على أساس موقعه في الحزب أو الكتلة أو  الحكومة، ومن النوع الصلب والمتشدد والمحاور الذي يربك الخصم، فيما حدد علماء النفس السياسي خصائص المفاوض الناجح بأمرين، هما:
الخصائص الموضوعية
وتتحدد بالقدرة على التحليل العلمي لقضية التفاوض، وربط الأسباب بالنتائج، وإيجاد العلاقة بين المؤثر والسبب. وأن تكون لديه معرفة اقتصادية بكل عنصر يتم التفاوض عليه، ومعرفة لغوية بمعاني المفردات والمصطلحات، ومعرفة نفسية تمكنه من معرفة مزاج الطرف الآخر، ومعرفة قانونية يستعين بها من متخصص فيها.

الخصائص الشخصية
من أهمّ مواصفات المفاوض الناجح، أن يتمتع بشخصية ناضجة وجذابة، وأن تكون لديه قدرة على التحمل.. بحيث لا تظهر عليه علامات التأفف والضجر. ولا يمكن للمفاوض أن ينجح ما لم يكن متمتعاً بالذكاء في تحديد جوانب الضعف والقصور في الطرف الآخر، والدهاء في ابتكار افكار وبدائل تدهش الحاضرين. فضلاً عن تمتعه  بحسن التصرف وسرعته وإجادته فن الاستماع والإنصات واللباقة والكياسة ، والقدرة على الإقناع.. وتلك مهارة سيكولوجية تأتي بالممارسة والتدريب  من قبل سيكولوجيين متخصصين بفن الاقناع. وللأسف فإنك تجد بين المفاوضين العراقيين من لا يمتلك معظم هذه الصفات، فضلاً عن أنه يمتلك وجهاً عبوساً، وإن ظهوره المتكرر في الفضائيات.. جعله مكروهاً.
إن العالم الديمقراطي الحديث غادر، في التفاوض، فكرة أن عليّ أن أربح دون أن اكترث بالطرف الآخر، وغادر لعبة المساومة غير الأخلاقية، معتمداً ثقافة التفاوض القائمة على فلسفة الربح المزدوج لطرفي التفاوض. وغادر أيضاً ستراتيجية الإنهاك التي تعتمد على استنزاف وقت وجهد الطرف الآخر وتطويل مدة التفاوض، وستراتيجية التشتيت برسم خطة ماكرة لتفتيت وحدة وتكامل الطرف الآخر. وغادر أيضاً ستراتيجية الاخضاع بإجبار الطرف الآخر على أن يسير وفق خطة الطرف الأول.. فيما تبدو هي السائدة الآن بين مكونات المجتمع العراقي وقواه السياسية، مع أن النظام في العراق يعد ديمقراطياً!
* مؤسس ورئيس الجمعية النفسية العراقية



اضف تعليقك

شروط نشر التعليقات والتعقيبات في "المدى"

تود "المدى" أن تعلن لقرائها وزوار موقعها الالكتروني الكرام بان تعليقاتهم وتعقيباتهم على ما ينشر فيها يخضع لذات القواعد التي تحكم عملية النشر في الصحيفة الورقية والمتقيدة باخلاقيات الصحافة المتعارف عليها دولياً، وتؤكد انها لن تنشر ما يتعارض مع هذه القواعد وفقاً للآتي:

1 - يلتزم القراء وزوار الموقع الالكتروني بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وبعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب وهيئات الدولة والهيئات الاجتماعية وسائر الناس، بكلام جارح ونابِ ومشين ويحتوي على معلومات غير مؤكدة، ويلتزمون أيضاً بعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء.
2 – يحق لإدارة تحرير المدى ان تنقّح تعليق القارئ او الزائر بما يتناسب مع اللياقات الموصوفة اعلاه، وإطلاق الحوار البنّاء، مع الحفاظ على مضمون التعليق، أو أن تحجبه إذا كان غير مناسب أو متعارضاً مع قواعد النشر.
3 – تنطبق هذه الشروط على ما ينشر في الملاحق وسائر مواقع وإصدارات مؤسسة المدى
4 - لا تتحمل مؤسسة المدى أي مسؤولية مادية أو معنوية حيال صاحب التعليق.
الاسم:  
البريد الالكتروني:    
التفاصيل:  
رمز التحقق:
جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة المدى للاعلام والثقافة والفنون