آراء وافكار
2017/09/23 (00:01 مساء)   -   عدد القراءات: 1090   -   العدد(2024)
تداول الأفكار لاختيار الوسائل
تداول الأفكار لاختيار الوسائل


 جاسم عاصي

تداول الأفكار وتواصل الحوار، ظاهرة مفيدة جداً لكل ما يتطلب التطوير والتغيير. غير أن صفة الحوار ونمطه يتعايش بالضرورة ضمن تاريخ الفرد والجماعة، وليس مرهوناً بالمناسبات والاجتهادات المتعلقة بخلق التوازن بين الخاص والعام، أو لنقل بشكل مباشر، كما هو مساير لما يأتي من خوض الانتخابات البرلمانية. وكأننا لا نفكر إلى بالفرشة التي نحوز عليها جرّاء الانتخابات، وليس بما نقدمه من برنامج وحلول ذات رؤى مبدئية لإعادة بناء ما خُرّب، وهو جسيم، خاصة التخريب الفكري وما لحقه من تخريب اجتماعي يخص العلاقات الفردية والجمعية، ومنها تدهوّر العلاقات الاجتماعية، والركون إلى العشيرة لحل المنازعات، وليس القانون، وكثافة ظاهرة الفساد على ما كانت عليه. صحيح أن مفاصل الزمن الفكري والسياسي والاجتماعي ، بمثابة محطات، يمكن الاستراحة ضمن مجالاتها، لكن الأهمّ الكيفية التي يمكن استثمار هذا المجال للصالح العام. ولعلَّ الأفكار التي انبثقت لا نقول فجأة ما بعد تحرير الموصل، بقدر ما نؤكد كثافة تداولها. والتي تنحصر في: ماذا نعمل بعد انتهاء داعش في الموصل؟. وكأننا تأكدنا من خلاصنا الكامل من كابوس المتخلفين والمختلين عقلياً، وأقصد من تبع الدعوة لتأسيس خلافة المسلمين المزعومة . ذلك لأن العقل الذي دبّر المكيدة أكثر وعياً في إجراءاته (يُنظر في هذا مقال الأستاذ زهير كاظم عبود في ما يخص سيرة أبو بكر البغدادي المنشور في صحيفة المدى خلال هذا الشهر ( تموز) . ما نريد أن نؤكد عليه؛ يتوجب علينا التفكير فيما كان أثناء وجود داعش في  نينوى، خاصة أن أراضي ومدناً قد تحررت من قبضتها، وربما لم تتخلص من هيمنتها الفكرية (العقائدية) . لقد كان وجود داعش في الموصل طويلاً زمنياً، بقياس اعتبارات خطورة فكرهم . إنهم لم يتواجدوا من أجل تحرير المدينة وخلق النواة لتأسيس دوّلتهم، بل عملوا على بناء صُرح غير مرئي (الخلايا النائمة)، لكنه معروف بالسياقات التي تعتمدها فلول الاحتلال مهما كانت صفة وعقائدية  الغازي حين يُهيّمن، يعمل على تغيير تشكيل فسلجة  العقل، باستخدام كل الوسائل المتاحة، فلا توجد وسائل بريئة من نمط ترسيخ الاحتلال بهذا الشكل أو ذاك . ولعلّ فرض وإشاعة الاعتبارات الاجتماعية، واحدة من أخطر البنى المشيّدة في واقع المُحتلة أرضه، وهذا ما أكده المفكر  (علي الوردي) وما أشار إليه علماء الاجتماع عامة في علاقة الظواهر بحياة الإنسان . وما تلاه التاريخ في صفحاته، والذي خلق بذور الطائفية. فالطائفية تستند إلى أسس تاريخية مرة، وفكرية (عقائدية) مرة أخرى، فأنت حين تحاور وهابياً مثلاً ، فإنه يواجهك بقناعاته العقائدية، ويعمل على تسفيه عقيدتك، من خلال الوسائل المتاحة، التي لا تتصل بالعقيدة، مدّعياً أنه إنما يعمل على تنقية العقيدة الإسلامية من نمط الشكل الذي رافقها عبر التاريخ . ولعلّ من اطّلع على انتباهة ( همفر) لـ ( محمد عبد الوهاب) حيث كانت تتركز في الاعتراضات على ما يجري ، فعمل على تعميقها وتبويبها وفق منظور عقائدي، مما خلق منه ظاهرة اسلامية توّفرت على خلق تيارات كثيرة سادت الوسط العربي والإسلامي، لاسيّما أن جل هذه المجتمعات تعيش تخلفاً، فهي لا تفهم أسس العقيدة ، مما يدفعها للتشبث بالطقسية التي تخلقها عناصر دينية متخلفة أيضاً عن ركب العقيدة الأساسية بما يمكن المجتمع الإسلامي من مواجهة مثل هذه الموّجات المخربة.. ونذكر في هذا المجال (غسل الأدمغة) الظاهرة الأكثر تأثيراً في الإنسان . وقد لمسنا هذا أثناء الفترة التي أتاحت لنا فرصة الاتصال بالأصدقاء في الموصل، حيث كان الهاتف الجوّال متاحاً . كان التأكيد على ما يروه من ظواهر بسيطة يتدخل فيها فصائل التغيير من داعش على الشارع ، قصد البدء بالسيطرة التامة، وفرض القيّم الجديدة . هنا يتوّجب التأكيد على القيّم الجديدة ، التي كان لها الزمن المتاح، سبيلاً كافياً لترسيخها في عقول ضعاف النفوس، وممن هم يخلون من اعتبار وطني، ونخص بالذكر منهم الأعداد الهائلة من الأطفال الذين جندوهم، ورسخوا في عقولهم أبجدية الفكر الداعشي على أنه مدار الرؤى الإسلامية ، هؤلاء عادوا إلى أحضان بيوتهم ، بعد أن أتمّوا دورات تأهيلهم . السؤال ماذا يمكن أن نعمل من أجل الإحاطة بهذه الظاهرة المستدامة، والتي من الصعب تفكيكها، لاسيّما هنالك علاقات اجتماعية وتاريخ لمجتمع موصلّي تربّى على قيّم خاصة . هذه الظاهرة تحتاج إلى متخصصين، وأين هؤلاء المتخصصون ؟ وكيف يمكن توظيفهم . إننا بإزاء معضلة كبيرة ، لا تحلها مجريات الحراك السياسي الذي همّه أن يُبيّت لهذا أو ذاك، والانشغال باختيار النمط الذي من شأنه افراغ المشروع النهضوي الذي يحاول تجاوز مبدأ المحاصصة والحزبية الضيّقة التي أثبتت فشلها بل اخفاقها الكبير في لمِّ أطراف المجتمع العراقي في موشور واحد هو جانب الوطنية . فبالوطنية الأصيلة وليست الشعائرية يمكن بناء الوطن ، والقضاء على كل مؤثرات الإرهاب إن الشيء بالشيء يُذكر حين تحين المناسبة أو اللحظة الموجبة . تذكّرت ما قاله قبل أكثر من سنة ممثل هيئة الأمم المتحدة (جورجي كَوكَري) في مؤتمر العقل الذي نظمه اتحاد الأدباء العراقي . لقد أكد كما نحن نؤكد على جملة أمور تخصّ المناخ الذي يتوّجب توّفره ما بعد التحرير، بمعنى أن أراضينا تحررت، لكنها  لم تتخلص من المؤثر المركزي . ذلك لأن الإرهاب فكر وليس فعلاً عسكرياً فحسب . لذا توّجب أن يقابل بفكر مغاير متمكن من إزاحة شوائب فكره عند البعض، خاصة عند مجموع الأطفال الذين جندهم ما بعد فشلهم في الاستمرار، ذلك لأنهم وبحسابات سياسية وفكرية وضعوا في حسابهم الاندحار، لذا صنعوا وأسسوا لما بعد اندحارهم، وهو ما أكده ممثل الأمم المتحدة  وهو يُلقي كلمته وما نعنيه أيضاً، لأن كلمته كانت ذات محمولات فكرية على صعيد سياسي، إن الشعب العراقي والمثقف العراقي له ميّزة خاصة ليس الآن، بل عبر التاريخ . كما وأنه عانى ظنك الأزمنة أو جورها، فهو شعب مناضل ومكافح من أجل بناء الحاضر والمستقبل . لذا توّجب أن يؤخذ هذا بنظر الاعتبار، ليس بمكافأته، وإنما فسح المجال أمامه لأداء دوّره التاريخي، وإن عزل القوى الوطنية عن الساحة ليس بصالح القوى الأخرى . لذا توّجب خلق الموازنة السياسية والفكرية ، لصالح تنقية الأدمغة من شوائب الارهاب الفكري  متمثلاً فيما تركه من شوائب فكرية، ليس عند الأطفال فحسب ، وإنما في عقول الكبار الذين أصيبوا باليأس والاحباط جرّاء السياسات الخاطئة، والصراعات غير المجدية، سوى فائدتها لصالح الارهاب الذي يعمل على تفريق صفوف الشعب وقواه الوطنية. إن خلق مناخ سياسي متوازن ، والعمل بروح  الوطنية الأصيلة وإبعاد همّ الانتفاع كمقياس إجرائي تُقاس من خلاله وبواسطته طبيعة الأداء، أمر ميؤوس منه، لأنه لا يؤدي إلا إلى طريق مسدود . هذا من جهة ومن جهة أخرى، ينبغي الأخذ بنظر الاعتبار والحتمية السياسية والإنسانية والتاريخية دور المثقف في هذه المرحلة الصعبة من تاريخنا، لأن كل ذلك متعلق بالعقل . والعقل وحده من يُعيد التوازن للشخصية العراقية التي تكالبت عليها المِحَنْ والضروب المشوّهة لوجودها. على السياسيين أن يتبنوا طروحات المثقف ولا يؤسسوا جداراً عازلاً دونه . كما وعلى رجال الدين أن يعملوا على رصّ صفوف الشعب وطرح ما هو مفيد في تشكيل وحدة الشعب ، وعدم التساهل مع من يحاول سياسياً وفكرياً تشويه الفكر الديني العقائدي، بحجة الطقسي. إننا جميعاً ينبغي أن ننظر إلى حاضر البلد ومستقبله بروح الوطنية التي لا تتدخل في صياغتها المصالح الشخصية والفئوية والكتلوية ، وإن يكون المقياس حب الوطن  واحترام تأريخه، والرغبة في بناء مستقبله. إن العمل على تطوير وجهات النظر، وتغيير ستراتيجيات العمل ليس عيّباً بقدر ما هو خاصية ذاتية لمواجهة الواقع والعمل على اختيار السُبل لبناء المستقبل.



اضف تعليقك

شروط نشر التعليقات والتعقيبات في "المدى"

تود "المدى" أن تعلن لقرائها وزوار موقعها الالكتروني الكرام بان تعليقاتهم وتعقيباتهم على ما ينشر فيها يخضع لذات القواعد التي تحكم عملية النشر في الصحيفة الورقية والمتقيدة باخلاقيات الصحافة المتعارف عليها دولياً، وتؤكد انها لن تنشر ما يتعارض مع هذه القواعد وفقاً للآتي:

1 - يلتزم القراء وزوار الموقع الالكتروني بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وبعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب وهيئات الدولة والهيئات الاجتماعية وسائر الناس، بكلام جارح ونابِ ومشين ويحتوي على معلومات غير مؤكدة، ويلتزمون أيضاً بعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء.
2 – يحق لإدارة تحرير المدى ان تنقّح تعليق القارئ او الزائر بما يتناسب مع اللياقات الموصوفة اعلاه، وإطلاق الحوار البنّاء، مع الحفاظ على مضمون التعليق، أو أن تحجبه إذا كان غير مناسب أو متعارضاً مع قواعد النشر.
3 – تنطبق هذه الشروط على ما ينشر في الملاحق وسائر مواقع وإصدارات مؤسسة المدى
4 - لا تتحمل مؤسسة المدى أي مسؤولية مادية أو معنوية حيال صاحب التعليق.
الاسم:  
البريد الالكتروني:    
التفاصيل:  
رمز التحقق:
جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة المدى للاعلام والثقافة والفنون