المزيد...
آراء وافكار
2017/09/24 (00:01 مساء)   -   عدد القراءات: 1406   -   العدد(2025)
لم يبق إلا قانون الأحوال الشخصية..!
لم يبق إلا قانون الأحوال الشخصية..!


 د. لاهاي عبد الحسين

يخيل لمن يتابع مقترحات بعض الكتل النيابية في مجلس النواب العراقي لتعديل أو إلغاء بعض المواد القانونية النافذة، أنّ العراق خلا من المشاكل والإرهاصات، وأنّه بلغ ما تبلغه الأمم المستقرة من تأسيس ورسوخ، فلم يعد أمامه إلا البحث في تطوير مؤشرات نوعية الحياة الاجتماعية لمواطنيه بغية دعمها بالضمانات التي تجعلها أكثر سلاسة وأكثر ارتقاءً. ولذلك فإنّه لم يعد أمام هذه الكتل إلا أنْ تهتم بتفاصيل محددة بهدف المحافظة على أو تعميق الأثر الإيجابي الذي تمّ إنجازه خلال الأربعة عشر عاماً الماضية على سبيل تحقيق العدالة والمساواة بين المواطنين على تنوع خلفياتهم الدينية والمذهبية والقيمية والعمل على تكريس حقوق الإنسان بحماية الضعيف والهش منهم وفي المقدمة النساء والأطفال والشباب، في ظل نظام ديموقراطي يتطور بقوة وثبات. ومع أنّ الوظيفة الرئيسة للقانون الوضعي في كل بلدان العالم تتمثل في العمل على تحقيق المساواة بين المواطنين وتقوية الشرائح الاجتماعية الأكثر حساسية للتأسيس لمجتمع متماسك وموحد، إلا أنّ مقترحات تعديل بعض القوانين من قبل بعض الكتل النيابية تأتي على الضد من الأهداف ذات المصلحة المجتمعية المشار إليها. هذا ما يمكن تبنيه من خلال قراءة نص التعديل المقترح من قبل كتلة "المواطن" المرقم 103 والمؤرخ في 26– 1-2017 بشأن عدد من النصوص القانونية التي وردت في قانون الأحوال الشخصية النافذ رقم 188 لعام 1959. مع أنّ القانون المذكور لا يمثل منتهى المنال بالنسبة إلى كثير من النساء العراقيات إلا إنّه يعتبر مقبولاً على وجه العموم ويفي بالغرض لحين توفر الظروف التي تسمح بالمطالبة بتعديلات أكثر إنصافاً وأكثر انسجاماً مع روح المواثيق الدولية التي تدعو إلى مزيد من الاهتمام بنوعية حقوق الإنسان. مع ذلك وتجاوزاً على هذه الحقيقة وتعبيراً عن الامتهان لمشاعر كثير من العراقيين ممن يمكن أنْ يتأثروا بصورة مباشرة بهذه المحاولات وعلى الضد من أولويات أخرى كثيرة، تضمن مقترح التعديل المذكور جواز أنْ يطالب المسلمون الخاضعون لقانون الأحوال الشخصية المشار إليه تقديم طلب لتطبيق الأحكام الشرعية للأحوال الشخصية "وفق المذهب الذي يتبعونه". ويلزم مقترح التعديل المحكمة المختصة باتباع ما يصدر عن المجلس العلمي في ديوان الوقف الشيعي والمجلس العلمي الإفتائي في ديوان الوقف السني، تبعاً لمذهب الزوج. ويسلط مقترح التعديل هذا الضوء على على جانب خطير يسعى بصورة مباشرة إلى إضعاف سلطة المحاكم كمؤسسات حكومية ورسمية معتمدة. ويعرّض مهمة القاضي إلى التهميش من خلال تمكين رجل الدين الذي يمنحه التعديل صفة "فقيه"، البت في الزواج، علماً بأنّ رجل الدين لا  يتمتع بالمستلزمات المادية والتنظيمية التي تتمثل بجهاز شرطة وكادر وظيفي مدرب ومؤهل للتعامل مع تفاصيل كثيرة وضوابط تؤهلهم للقيام بعملهم لحماية الزوجين وبخاصة الزوجة، وهي الطرف الأكثر هشاشة على مستوى هذه المعادلة. كما أنّ مقترح التعديل لم يتطرق بصورة صريحة إلى مسألة السن عند الزواج التي تسمح بعض المذاهب الإسلامية بخفضها إلى التاسعة من العمر. وهذه مسألة في غاية الخطورة بالنسبة لسلامة الإناث على وجه التعيين ممن لا يتأهلن للزواج في هذه السن المبكرة لأسباب صحية واجتماعية معروفة. علماً بأنّ القانون النافذ يحدد سن الزواج للإناث والذكور على السواء بالثامنة عشرة ويسمح بالزواج في سن أبكر نزولاً إلى الخامسة عشرة بعد موافقة ولي الأمر، مما يعني أنّ القانون يعطي خيارات مرنة لمن تضطره الظروف إلى الزواج قبل بلوغ السن القانونية المحددة من قبله. وفيما يتعلق بالزواج غير الرسمي أمام الشيخ أو السيد يلاحظ أنّه ولأسباب تقليدية وقيمية وعرفية سائدة في المجتمع، فإنّ كثيراً من الأشخاص يمارسون هذا النوع من الزواج إلى جانب الزواج الرسمي الموثق في المحكمة. وعليه، فإنّ مقترح التعديل لا يمكن أنْ ينظر إليه الا إنّه ينطوي على محاولة لإشغال المؤسسات المختصة وسحب لصلاحياتها وسعي لهدم الدولة إلى جانب أنّه يعرّض حقوق ومستقبل الأشخاص ممن يحتمل أنْ يشملهم القانون ومن يرتبط بهم من أزواج وأولاد إلى الخطر وبخاصة في ظل ظروف الافتراق لأيّ سبب كان سواء بالطلاق أو الهجر أو الانفصال أو الفقد أو الوفاة.
ويقترح التعديل الثاني إلغاء نص البند (3) من المادة السادسة والعشرين ليحل محلها: يحق للزوج إسكان أبويه أو أحدهما مع زوجته في دار الزوجية وليس للزوجة الاعتراض على ذلك ما لم تتضرر به". يذكر أنّ المادة الأصلية تعطي الزوجة حق المطالبة بسكن مستقل للزوجية. وهنا أيضاً يتضح أنّ مقترح التعديل لا يهدف الا إلى إشغالات لا منفعة أو مبرر لها على مستوى الصالح العام. معروف أنّ الغالبية العظمى من النساء العراقيات الشابات حديثات الزواج يقبلن بلا جدال فكرة السكن في بيت أهل الزوج ويتعايشن معهم بسبب التسليم بالأعراف الاجتماعية والمواقف الأدبية والأخلاقية السائدة إلى جانب تقدير الظروف الاقتصادية التي قد لا تسمح بغير ذلك. وعليه، فإنّ اقتراحاً من هذا النوع يمكن أنْ يوضع في سياق التقصد بسحب أي قوة يمكن أنْ تتمتع بها الزوجة الشابة في الغالب، وإنْ كانت رمزية، واستهدافاً مباشراً لمكانتها وإمعاناً في الحطِّ منها.
وجاء في الأسباب الموجبة لمقترح التعديل تأكيد على ما أقرته المادة (41) التي تبيح حرية الأفراد في الالتزام بأحوالهم الشخصية حسب ديانتهم أو مذاهبهم أو معتقداتهم أو اختياراتهم وللحفاظ على المحاكم كجهة قضائية موحدة لتطبيق الأحكام الشرعية للأحوال الشخصية بعد الرجوع إلى الجهة ذات الاختصاص. يلاحظ أنّ مقترح القانون يتجاوز الأصل في الدستور كما جاء في المادة (2) التي تنصّ على أنّه "لا يجوز سن قانون يتعارض مع ثوابت الإسلام" ولم يقل مع "ثوابت المذاهب الإسلامية" الأمر الذي  يتطلب البحث عن القواسم المشتركة وليس اختيار العزلة والتقوقع لعزل أبناء المجتمع الواحد عن بعضهم البعض، مما يطعن بصورة مباشر بفكرة "الوطن للجميع" ويقف دون الارتقاء بمفهوم "المواطنة" التي تمثل الخيمة الجامعة والضامنة لعراق موحد ومتماسك وليس عراقاً يتشتت فيه الأفراد بين ملّة ومذهب أو محافظة وجماعة.  
لا يخفى على البال، أنّ للقانون كما لغيره من العوامل والقوى المؤثرة في المجتمع كالسياسة والاقتصاد جوانب اجتماعية مؤثرة قد لا تتضح أبعادها على الفور ولكنّها سرعان ما تظهر. يذكر في هذا المجال أنّ للتوجهات الفكرية لصانعي القانون دوراً مهماً. وفي العراق اهتم صنّاع القانون بالعائلة وأكدوا على وحدتها وحمايتها. إلا أنّ الاهتمام بوحدة العائلة وحمايتها سرعان ما تبيّن أنّه وضع في قوالب قانونية تعوزها الضوابط والمخارج التي تمكن أعضاء العائلة من مواجهة بعض المشكلات الحيوية التي يحدث أنْ تعصف بهم كما في شيوع حالات العنف الأسري التي تصل حد تهديد حياة الإنسان أو وجود شبهات جنائية تقف خلف حالات الانتحار بين النساء على وجه التعيين والآخذة في الارتفاع في عدد من المحافظات العراقية مثل بابل والقادسية وميسان وذي قار.
يبدو من دواعي الشعور بالمسؤولية الاجتماعية المطالبة بتحرك اجتماعي واسع يجلب أطرافاً حكومية ومجتمعية ومدنية معاً لمواجهة مقترحات تعديلات قانونية من هذا النوع كما في نقابة المحامين العراقيين ووزارة العدل والوقفين الشيعي والسني، إلى جانب الدور المهم والمتميز الذي تضطلع به منظمات المجتمع المدني التي لم تعد لتقتصر بعملها على القيام بنشاطات ثقافية وتوعوية عامة، وإنّما تقدم البعض منها إلى التعبئة المنظمة والمدروسة لإحداث تغييرات دقيقة ومحسوبة في المدونات القانونية الحاكمة لحياة الناس في المجتمع لنصرة الإنسان العراقي بغض النظر عن جنسه أو مذهبه أو ملّته أو منطقته تأسيساً لبيئة اجتماعية آمنة وسليمة.



اضف تعليقك

شروط نشر التعليقات والتعقيبات في "المدى"

تود "المدى" أن تعلن لقرائها وزوار موقعها الالكتروني الكرام بان تعليقاتهم وتعقيباتهم على ما ينشر فيها يخضع لذات القواعد التي تحكم عملية النشر في الصحيفة الورقية والمتقيدة باخلاقيات الصحافة المتعارف عليها دولياً، وتؤكد انها لن تنشر ما يتعارض مع هذه القواعد وفقاً للآتي:

1 - يلتزم القراء وزوار الموقع الالكتروني بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وبعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب وهيئات الدولة والهيئات الاجتماعية وسائر الناس، بكلام جارح ونابِ ومشين ويحتوي على معلومات غير مؤكدة، ويلتزمون أيضاً بعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء.
2 – يحق لإدارة تحرير المدى ان تنقّح تعليق القارئ او الزائر بما يتناسب مع اللياقات الموصوفة اعلاه، وإطلاق الحوار البنّاء، مع الحفاظ على مضمون التعليق، أو أن تحجبه إذا كان غير مناسب أو متعارضاً مع قواعد النشر.
3 – تنطبق هذه الشروط على ما ينشر في الملاحق وسائر مواقع وإصدارات مؤسسة المدى
4 - لا تتحمل مؤسسة المدى أي مسؤولية مادية أو معنوية حيال صاحب التعليق.
الاسم:  
البريد الالكتروني:    
التفاصيل:  
رمز التحقق:
جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة المدى للاعلام والثقافة والفنون