آراء وافكار
2017/09/24 (00:01 مساء)   -   عدد القراءات: 1106   -   العدد(2025)
الإخوان قطر- القرضاوي
الإخوان قطر- القرضاوي


 د. رفعت السعيد

قبل شهر وبضعة أيام رحل د. رفعت السعيد عن عمر 85 سنة، مخلّفاً إرثاً سياسياً وفكرياً بالغ الغنى، فهو من القيادات البارزة في الحركة الوطنية المصرية، في الحزب الشيوعي أولاً، ثم في حزب التجمع الوحدوي الناصري الذي ظلّ رئيساً له حتى وفاته، واشتهر بمعارضته الشديدة للرؤساء المصريين جميعاً ولحركة الإخوان المسلمين.ألّف السعيد نحو 15 كتاباً قيّماً عن تاريخ مصر والحركة الاشتراكية فيها وتاريخ الإخوان المسلمين.بعد وفاته وجد إبنه مقالاً غير منشور عن كتاب رئيس تحرير "المدى" فخري كريم، "الإخوان، الحقيقة والقناع" الصادر عن الدار المصرية اللبنانية في العام 2013. وقد نشره الابن أخيراً في "الاهرام"، وتعيد "المدى" نشره لأهميته.

هذا كتاب مثير للدهشة تقرأه فيخيل إليك كأنه كتب اليوم، وأن المطبعة تعجلت فقذفت به إلينا ساخناً لم يكد يجف مداده، ولو عدت إلى تاريخ صدوره ستكتشف أنه صدر عام 2013، لكن المؤلف العراقي الجنسية استضاء بخبرته العراقية ودور قطر والقرضاوي فيها بعد الغزو الأمريكي وما قبله وما بعده، ليأتي إلينا متحدثاً عما سيكون بعد أربع سنوات.
وقد تفضل المؤلف فأهداني الكتاب وأهداني على أولى الصفحات عبارات قلقة زادت من قلقي فقال «لأوّل مرة اشعر بالقلق وأنا أتابع المشهد المصري، والإخوان في قلب الحراك، ولم اطمئن ولو قليلاً إلا بعد رحيلهم وسأظل قلقاً للأسف حتى تتعافى مصر» وكان ذلك بعد عدة أشهر من طردهم، وكنت لم أزل أسير موجات تتوالى من قلق يأتي ويخبو» وبصراحة لم أشأ أن انغمس أكثر في موج القلق فتركت الكتاب جانباً إلى حين. وبعد أن تفجرت المناكفات القطرية وتحالفاتها الإخوانية وتلفع الاثنان بشال العمامة القرضاوية المشحونة برجس التأسلم .. استعدت الكتاب فأدهشني. كان المؤلف قادراً في عام 2013 على أن يطل على ما سيكون في عام 2017. ويبدأ فخري كريم برسالة إلى مواطن أم الدنيا فيقول «كان عليّ أن اكون بينكم في ميدان التحرير لأعمد نفسي مواطناً يشارك في صنع معجزة هذا الزمان الذي يئس بعضنا من نهوضه» و«لقد صنع شعب مصر مأثرة قل نظيرها ويكفي أنه أضاف درساً خلت منه الدراسات حول معنى الثورة.. فخرج عن بكرة أبيه ليملأ الشوارع والميادين، أوراق تصويت تتطاير في سماوات مصر لتتحول إلى رايات نصر لمصر وتقدم بذلك معنى للإرادة التي تضيق بها صناديق الاقتراع، ثم يلخص كل شيء فيقول «هكذا تسامت الارادة الشعبية على اعتماد العنف والقوة في مواجهة التعنت الإخواني وغطرستهم ونيتهم المبيتة بإغراق مصر بالدم، فجعل الارادة في الشارع تفويضاً للقوات المسلحة للحيلولة دون المواجهة الدموية والانزلاق إلى أتون الحرب الاهلية التي كان الاخوان والرهط التكفيري يريد استدراجهم إليها، وهكذا اكتسبت الثورة شكلاً مستحدثاً بتحويل الشارع المفتوح إلى تفويض بالحماية من الجيش الذي تتجسد وظيفته في مثل هذا الدور» (ص6) ويمضي المؤلف ليشابه بين ما رواه جون ريد في كتابه الرائع «عشرة أيام هزت العالم» والذي صاغ فيه نشوة السعي الملاييني التكوين نحو انصاف الفقراء وبناء دولة عظمى على أشلاء روسيا القيصرية .. وبعد سنوات من المجد والعثار انتهى الأمر إلى «قصة عبور حزين كان كاتبها رجلاً من زمن الرثاثة والافول تصدر المشهد ليكتب الفصل الأخير.. رجل يدعى ميخائيل غورباتشوف. لكن فخري كريم لم يخرج بدورة الالتفاف هذه عن موضوع الكتاب.
ويقول "لقد تجاوزنا سن الرشد، وعشنا حياة تقاذفتها ظروف المعاناة من الاستبداد فلم يكد اليأس يغوص عميقاً في مسام الروح حتى وجدنا انفسنا وقد أفقنا على وقع يقظة صادمة من غيبوبة تاريخية استمرت عدة عقود وتربعت خلالها انظمة حكم وأشباه رجال على مقدرات العالم العربي. سادت فيها لغة الصمت كأداة احتجاج ورفض، ومكنت انماطاً من المستبدين على مواصلة اغتصاب ارادتنا". ثم يستجمع المؤلف اطراف هذه الجولة من انتصارات السوفيت وحلم الاشتراكية إلى خيانة غورباتشوف إلى صدئ الحكام والاحكام واستبداد الحكام العرب ثم وكأنه يدق طبولاً ذات صوت جارف يحرك الموج الهادر فيقول وكأنه يصرخ» تجلت اللحظة الصادمة في انبعاث تسونامي 30 يونيو 2013، ويحل لنا لغز هذه الالتفافة من النهوض السوفيتي إلى نهوض تسونامي 30 يونيو. ويعترف المؤلف أنه ما من محاولة لمقارنة أيديولوجية أو محاولة للمقارنة في التحول الاجتماعي بين نظام وآخر يختلف جذرياً «ولكن 30 يونيو يلتقي مع ثورة اكتوبر 1917 عند تخوم التغيير الفاصل بين عالمين ومصيرين.. وتمثل في نجاح الشعب المصري في اجهاض الثورة المضادة للإخوان وإفشال أخونة مصر ومحاولات اعادتها إلى عصور الظلام» ثم يقول «ولم تكتسب ثورة يونيو مكانتها من قوة فعلها التاريخي باستعادة الدولة المصرية من جراب الإخوان، وايقاف اغتصابها ودفعها إلى ما قبل الجاهلية الأولى فحسب، ولا بما انجزته وهي تزيح محمد مرسي والحيلولة دون استقوائه عليها وافراغ تاريخها من اشراقات الحضارة البشرية وإخماد توهجها» وأرجوك أن تنصت عزيزي القارئ إلى صوت العبارة التالية التي تأتي مصحوبة بهتافات 30 مليوناً من البشر المصريين قائلة «يسقط حكم المرشد» أي هي ليست ازاحة فرد بل ازاحة فكر وتأسلم واستفراد وديكتاتورية- هتافات، وضعت مصر من جديد في موقعها الفريد على منصة التطور، في ملتقى الحضارات، وعلى خطوط التماس المتفاعلة مع العالم العربي والاسلامي الذي كان هو أيضاً في مرمى الاخوان ومخططات تنظيمهم الدولي «ويمضي المؤلف واصفاً ما كان في 30 يوينو بأنه لم يكن وراءه تنظيم حديدي وإنما تحرك جسور من شباب مصر مفعم بالايمان والإقدام والثقة بالقدرة على اشهار إرادة المصريين على الهواء مباشرة في صندوق وطني مبتكر ممتد على مساحة أرض مصر كلها وأمام انظار ورقابة العالم، ولا يحتمل الاقتراع فيه تزويراً أو تلاعباً بالمشاعر أو رشوة وشراء ذمم». أنها ثورة 30 يونيو الفريدة من نوعها التي أدى لها جيش مصر التحية العسكرية وتسلم التفويض والتزم به. وهكذا يقتادنا المؤلف إلى ما نحن فيه أو بالدقة إلى ما تنبأ به في عام 2013 لنراه واقعاً في 2017.. ونمضي معاً.
ولم يكن التنبؤ في كتاب «الإخوان الحقيقة والقناع» لفخري كريم نوعاً من تجاوز الواقع إلى المستقبل، لكنه كان تعبيراً عن معاناة عراقية لعبت فيها «قطر والإخوان والقرضاوي» معاً دوراً مدمراً مهد الطريق أمام تنفيذ المخطط الأمريكي لتمزيق العراق، لكن المؤلف يدرك أن مصر وشعبها من عجينة أخرى فيقول: بعد تجربة الشعب المصري في تفجير ثورتين متصلتين، وإسقاط نظامين ورئيسين، في فترة زمنية وجيزة، وبروز ظاهرة التعبئة الذاتية لملايين الناس من شتى الفئات، يتعذر على أي مغامر مهووس بالسلطة، أن يفكر على المدى المنظور على الأقل في ارتكاب حماقة اغتصاب السلطة أو اللجوء إلى ممارسة القوة والعنف المسلح للاستيلاء عليها (ص29) وهذا درس يسجله المؤلف كي يدرك جميع خصوم مصر استحالة نجاح الأعمال الإرهابية أو المؤامرات الداخلية والخارجية في الوقت المنظور، ثم هو يقدم ملاحظة ذكية ليوضح مشهد المرأة، وهي تغطي الميادين والشوارع، فهو يوضح للمرة الأولى مدى انخداعنا بالعلاقة بين حجاب المرأة ونفوذ التيارات المتأسلمة وجماعة الإخوان، فقد فاتنا أن المرأة وجدت في الحجاب شكل مساهمتها في الاحتجاج على الجور والتهميش وتعطيل الإرادة، فأعلنت بالحجاب العصيان السلبي على الأنظمة السلبية مشيحة بوجهها عن نظامي مبارك والإخوان (ص32) ويأتي بنا المؤلف إلى دور القرضاوي في العراق فيقول: في هذه الحملة المعادية للشعب العراقي ظهر في الواجهة «إمام الدوحة» ومفتي مشايخ قطر ودول أخرى «يوسف القرضاوي» رئيس مجلس إدارة عشرات الصناديق الإسلامية العالمية، وحامل المفاتيح الدينية لقادة دولة قطر ومشايخها في الربوع العربية والإسلامية، وبينما كانت قطر تضم على أرضها أكبر قاعدة عسكرية أمريكية مدججة بأحدث الأسلحة والعتاد والتكنولوجيا العسكرية، كان القرضاوي هو الوجه الشرعي والفقهي لقطر وقناة الجزيرة، والذي لم ينطق بحرف واحد ضد هذه القاعدة.
ثم يقول «لقد تابع الناس تلك الفتاوى حول جواز التدخل في ليبيا دفاعاً عن الشعب» «الأعزل» في مواجهة الطاغية، ثم يكشف الغطاء عن القرضاوي الذي سكت ويسكت على «الميل القطري لامرائها لقضاء اجازاتهم في ربوع صديقتهم إسرائيل» (ص41) ويمضي المؤلف «وفي الوقت الذي كانت فيه قناة الجزيرة تسجل جرائم الإرهابيين وتبثها كمآثر جهادية كانت القوات الأمريكية تستعد في ربوع قاعدتها القطرية لتدخل بأمان إلى العراق، لتواصل مهامها الاحتلالية بعد أن انتهت مهامها العملياتية المنطلقة من قاعدتها هناك (ص46) ثم يكشف فخري كريم عن الدور المتناقض والمقبول من كل أطرافه فيقول «لقد أظهر تفجير تنظيم القاعدة لبرجي التجارة الدولية في نيويورك عام2001 التناقض الواضح بين العلاقة الحميمة مع أمريكا وبين سياسة قناة الجزيرة» «الحاضنة» دوماً للإخوان ومركزهم الدولي، وانفراد هذه القناة بتسجيلات بن لادن بل وسبقها الإعلامي في بث وقائع عمليات متأسلمي القاعدة وانتحارييها في مختلف أنحاء العالم.. بما يكشف علاقات دائمة ومستمرة وثقة متبادلة بين القاعدة وقناة الجزيرة.. ويقول: ففي كل حدث وتفجير وعملية انتحارية تسجل كاميرات الجزيرة الوقائع لحظة وقوعها مما يشي بتنسيق مع القائمين على هذه العمليات الإرهابية، خاصة القاعدة وامتداداتها (ص47) .. ثم هو يشير في دهشة إلى استضافة قطر أسرة صدام حسين ورموز نظامه وكوادر بعثية لتضعهم تحت تصرف أمريكا وإسرائيل للاستفادة من خدماتهم (ص48).
ثم إن قناة الجزيرة قد قدمت خدمة لا ينسى فضلها لإسرائيل، فهي التي فتحت محطتها امام قيادات إسرائيلية هادمة بذلك الأسوار الافتراضية والحساسيات المعلنة في التعامل معهم «ثم هو يوجه سؤالاً يستحق التأمل» لماذا كانت قطر ولماذا تظل بعيدة عن أي عدوان إرهابي هي والقاعدة الأمريكية فيها؟. وكذلك من تؤويهم من مختلف البلدان والفصائل، وهو يشير إلى دور قطر من دولة عالم ثالثية إلى دولة مانحة وممولة لكل من يخضع لها، ولكل من تدعمهم مثل جماعة الإخوان الإرهابية، بما يمنحها تعالياً زائفاً على كل الدول العربية، ثم ينتقل المؤلف إلى دور الإعلام العالمي المعادي لمصر... ومعه دور قناة الجزيرة فيقول: فالانحياز إلى الإخوان المسلمين وتيار الإسلام السياسي التكفيري قد دفع الوسائل الإعلامية، كما لو كانت تخضع لمركز توجيه واحد إلى تشويه الحقائق، وتغيير الوقائع وتوجيه منصات بثها نحو مشهد واحد تظهر فيه الإخوان وانصارهم كضحايا، وأن الأهم هو الدفاع عن الديمقراطية المهدرة والشرعية الانتخابية المسلوبة من الإخواني مرسي... والجميع في كل ذلك يعتمدون على عيون قناة الجزيرة الإخوانية الهوية والانتماء في بث تلفيقاتها المفضوحة، وثمة مثال فاضح فقد أذاعت الجزيرة حواراً مع امرأة ادعت أنها أم ضابط قتله الجيش لأنه رفض توجيه نيرانه إلى الإخوان، وترفض القناة بعد ذلك نشر التكذيب الذي أعلنه الضابط نفسه، والذي قال إن المرأة التي أدعت ذلك ليست أمه، وأنه حي وأنه يقاتل الإخوان، والخيوط كلها تتشابك، كما يؤكد فخري كريم، فالإعلام الدولي يستند إلى تلفيقات وأكاذيب قناة الجزيرة، وبعض الحكومات تستند إلى ادعاءات هذا الإعلام لتتخذ مواقف رسمية حكومية وبرلمانية ضد نظام الحكم في مصر، وهي تركز على ما تسميه العنف المفرط من جانب الشرطة والجيش، ولا تشير مطلقاً إلى ما يرتكبه الإخوان من جرائم قتل واغتيال ونسف كنائس وقتل المصلين فيها، ومن يحرسونها من رجال شرطة، ومهما قلبنا في صفحات الكتاب (147صفحة) سنجد معلومات كتبت في عام 2013 وتتبدى وكأنها كتبت لليوم وللغد، فنعرف ماذا يحدث وماذا سيحدث فشكراً فخري كريم.



اضف تعليقك

شروط نشر التعليقات والتعقيبات في "المدى"

تود "المدى" أن تعلن لقرائها وزوار موقعها الالكتروني الكرام بان تعليقاتهم وتعقيباتهم على ما ينشر فيها يخضع لذات القواعد التي تحكم عملية النشر في الصحيفة الورقية والمتقيدة باخلاقيات الصحافة المتعارف عليها دولياً، وتؤكد انها لن تنشر ما يتعارض مع هذه القواعد وفقاً للآتي:

1 - يلتزم القراء وزوار الموقع الالكتروني بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وبعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب وهيئات الدولة والهيئات الاجتماعية وسائر الناس، بكلام جارح ونابِ ومشين ويحتوي على معلومات غير مؤكدة، ويلتزمون أيضاً بعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء.
2 – يحق لإدارة تحرير المدى ان تنقّح تعليق القارئ او الزائر بما يتناسب مع اللياقات الموصوفة اعلاه، وإطلاق الحوار البنّاء، مع الحفاظ على مضمون التعليق، أو أن تحجبه إذا كان غير مناسب أو متعارضاً مع قواعد النشر.
3 – تنطبق هذه الشروط على ما ينشر في الملاحق وسائر مواقع وإصدارات مؤسسة المدى
4 - لا تتحمل مؤسسة المدى أي مسؤولية مادية أو معنوية حيال صاحب التعليق.
الاسم:  
البريد الالكتروني:    
التفاصيل:  
رمز التحقق:
جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة المدى للاعلام والثقافة والفنون