عام
2017/09/24 (00:01 مساء)   -   عدد القراءات: 1195   -   العدد(2025)
وليد جمعة.. وغربان الستينات الجوّالة
وليد جمعة.. وغربان الستينات الجوّالة


سهيل سامي نادر

الى أرواح أصدقائي:
رياض قاسم، قتيبة عبد الله، وليد جمعة، منعم حسن


قرأت في كتاب (الغروب النحيف) لوليد جمعة عبارة غامضة ومثيرة :
"في الغروب النحيف
نذبح الذاكرة
هكذا تتخفى – إذن- شهوة الانتحار"
فهمت هذه العبارة في سياق حفنة من العبارات: أن نتكلم ونسترجع مافات. هكذا يمكن تأجيل الانتحار أو اخفائه كشهوة دفينة . يصح القول أيضاً أننا ما أن نتكلم حتى نخفي شيئاً. الذاكرة مستودع إخفاء الشهوات. الذاكرة مستودع  انتحاراتنا . في الغروب النحيف نتلمض من أجل أن نسكر ونتحدث !






في الحالين نحتاج الى أن نتكلم ونستعيد ما أخفيناه . أريد أن أتكلم عن وليد جمعة وزمنه، ما كشف عنه وما أريد الكشف عنه بمناسبة مرور سنتين على وفاته وصدور كتابه "الغروب النحيف".  
في حفل الاستقبال الذي أقامه التيار الديمقراطي لي بعد أشهر من مجيئي الى الدانمارك عام 2012، التقيت وليد جمعة بعد غياب دام أكثر من 30 عاماً. عنما تكلمت في الحفل، كان وليد قد قرّب كرسيه مني مواجهة ، فتوجست خيفة من هذا الاقتراب، متذكراً طريقته في الدخول الى أي نقاش من أجل إرباك خصومه أو أصدقائه ممن كان يحب أن يصارعهم في المعرفة والفهم . كان ذكياً، ويعرف ذلك، وكانت له تجارب في الهزء من الخصوم الفعليين والافتراضيين: صوت مرتفع، مكائد لغوية، فصاحة، معلومات، وصدق مع النفس حتى الخبال والعراك. كان يعرف هذا عن نفسه ولهذا كان يبدو قوياً ومستعداً لكي يظهر  قوياً. في النهاية كان بإمكانه أن يقلب الطاولة أمامي.
أعترف لكم أنني خشيت مما سوف أقوله أمامه، وأنا قريب منه بمسافة مترين أو ثلاثة، وما سوف يقوله هو بعد هذا الغياب الطويل. إن اختياري البقاء في الوطن، أنا اليساري بالولادة، واختياره الهجرة هو الذي بات يسارياً عن تجربة وثقافة، محافظاً دائماً على استقلاله الفكري، يصلح موضوع نقاش ممتع قد ينتهي نهاية غير ممتعة. الستينيون يحبون التصادم، وبعض خلافاتهم لغوية. أصحاب حجج، يتمردون حتى على أنفسهم ، لا ترضيهم الثقافة ولا الحياة. ترضيهم – قليلاً أو كثيراً – المذاقات .   
بيد أن ما لم أتوقعه من وليد، وما أثار استغرابي أيضاً، أنه أظهر استياءه من الستينيين وثقافتهم التي وصفها بالسطحية وغير الرصينة. ولست متأكداً إن جاء هذا الاستياء من تأمل متأخر في التجربة السياسية والثقافية ، أو جاء بسبب التقدم بالعمر والمراجعة.   
كان تشخيصه العام صحيحاً، لكنه بلا تفاصيل. ما إن نأتي على التفاصيل حتى يبدو أن علينا تفكيك وضعية ثقافية وسياسية واجتماعية شاملة تقع أبعد من الستينات. فضلاً عن ذلك، كان تشخيصه يعني حذف الأدوار الشخصية لما يسميهم بالغربان الجوّالة، أي حذف دوره .
ثمة مشكلة ههنا، فالستينات ليست مجرد سنوات ثقافية أو سياسية خاضعة للتدقيق، بل هي سنوات شبابنا وتجاربنا بوجه خاص. إن الأمر يتجاوز الثقافة الى التجربة. بالنسبة إليه كان يستطيع إزاء أي تحليل موضوعي واسع أن يقول إن نفس المعطيات التي تبرر الستينيات أو تفسرها، تصف ضعفها ونقصها الجوهري أيضاً. إنها قضية جدالية على أية حال، لكن ما يزعجني فيها أن تحاليلنا الخاصة نفسها ستخفينا كأشخاص باسم الثقافة أو المجتمع السياسي، فلا يبقى منا سوى نزعة ممثلين مستشاطين في مسرحية مصادفات اعتباطية. ولسوف نعيد إنتاج هذه المرحلة كأننا عشنا طُرفة من الطرائف، أو مررنا بزمن قُهرنا عليه، وها نحن غيّرنا أرديتنا وتنكرنا لماضينا.  
كنت أخشى أن أجيبه بهذا. كنت سأفتح الجروح وأقلب المواجع، بما يجعل الأمر غير مفهوم من قبل آخرين من غير جيلنا، أو من يعيب علينا أننا انتحلنا هوية مزورة، كوجوديين مرة، ويساريين مرة. بيد أنني كنت متأكداً، بالرغم من هذا، أنه امتلك حيلة عزل شبابنا وفردياتنا ومصائرنا الغريبة كحالة خاصة لن تتكرر. وحقاً فالغربان الجوالة التي ينتمي إليها حالة خاصة، وحسب وصفه كانت هي وحدها قادرة على إقامة علاقة ما بين أبناء العوائل وأبناء المقاهي، أي أنها جماعة مفتوحة، متحررة من وجهات النظر المسبقة، تستطلع العالم الاجتماعي والسياسي على حسابها الخاص، وبإمكانها أن تكون شاهداً صريحاً غير منحاز.
لكن التجوال لا يسمح دائماً بأن نرى كامل المشهد الاجتماعي والسياسي والثقافي. كذلك إن عدم الانتماء لا يكفل الحرية وحدها ولا عدم الانحياز .     
عنما ننسحب قليلاً كذوات ونعترف باستقلالية الوقائع الفعلية عنا، أي أن نؤجل صورة وليد كغراب جوّال أو نبّاش، وأن نستبدل المعادلات السببية بمنهج للفهم والتعاطف، فإن الستينيات الثقافية البعيدة عن اسقاطاتنا لا تعدو غير فترة انتقال ظهرت فيها مواد الثقافة كأسلوب، مع عدد هائل من الاختبارات في الأشكال والذائقة والمذاقات. بمقتضى ذلك لم يعد مهماً ما يقال بل كيف يقال. هناك أيضاً الفردية في التفكير والسلوك، والأسلبة المبهرة. اجتماعياً كانت الكفالة الاجتماعية التقليدية قد أصابها الوهن، وبات المجتمع يولّد اللامنتمين والمنقطعين والغربان الجوّالة.
ومرة أخرى يجب أن نقول إن الغربان الجوالة تخضع هي الأخرى إلى الاشتراطات، ولم تكن تحلق في سماء زرقاء صافية خارج الجاذبية والاهتمامات الناتجة عن تجارب من نوع خاص تمارس قيداً وتوجيهاً.
على الرغم من أنني شاهدت وليد في أغلب معارض الستينات الفنية، إلا أنه نسي أن يضع هذه الحوادث والمناسبات في مكانها الصحيح كثقافيات استدعت تدريباً بصرياً وليس لغوياً. في الستينيات قدّم الرسم اقتراحاته للشعر والنثر، وفي هذه السنوات هجر اثنان من كبار الرسامين التعبيريين، وهما شاكر حسن آل سعيد ومحمود صبري، الواقع الاجتماعي الفعلي إلى تجريدية تبشّر بفن جديد يستند الى مفاهيم تتحدث عن تمثيل عمليات داخلية، كما استبدلا الفاعلين الاجتماعيين بفاعل موضوعي لا يشاهد بالعين المجردة، بل بواسطة التأمل الفينومينولوجي عند شاكر حسن، وفي مختبر الفيزياء الكوانتم عند محمود صبري .
فضلاً عن ذلك قدم الفنان كاظم حيدر تجربة فنية واسعة عن الشهيد استلهاماً لحادثة الطف التاريخية ولتمثيلها الشعبي الذي كان يقدم في عاشوراء. لقد ولدت من هذه التجربة الرايات والخيول الاسطورية والأكف المقطوعة. فنياً ولدت رسوم تشكيلية تعتمد على إسقاط الأشكال على خلفيات فنية من حيث التعريف في تمسرح واضح . لقد ولد إذن فن الدراما، والشواخص عديمة التفاصيل  في تمثيل الإنسان.
إن ولادة التجريد جزء من أعمال التثاقف الجارية بيننا والعالم التي تكاد أن تكون مجرى لا يتوقف. لكن ما يجبرنا التوقف عنده، والذي لا يمكن توقعه بوضوح في هذا الجريان، التأويلات ذات الطابع المحلي، وتأثير الثقافة المحلية على العناصر الجديدة التي دخلت عالمنا، وطريقتنا في هضمها أو دمجها. ههنا يمتلك الغربان ما يقولونه عن الرغبة في إنتاج خطابات جديدة، ولغة جديدة، برغم قلّتها .
ومثلما كان استبدال مقهى بمقهى آخر، والتنقل في العاصمة وفتح مغالقها، وهي كثيرة، نتج عن تجربة عالم جديد، أو حتى جاء لأسباب سياسية، مثلما يخبرنا وليد جمعة، نجد أن الفشل السياسي أدار الرؤوس نحو البحث عن البدائل، من مثل اليسار الجديد، النماذج الكوسمولوجية في التجارب الفنية، الفولكلور المتنافذ مع الاهتمامات السياسية الجديدة ومحاولة تهريبها الى الجمهور، ثم التصوف، والاختزالات الرمزية في الشعر والكتابة .
عند هذا المفصل نلتقي بالتمردات الثقافية التي تجسدت كأسلوب حياة، بممارسات شفوية للغربان الجوالة واللامنتمين. وههنا نجد وليد جمعة في مقهى المعقدين يشرب الشاي – كما تمثله الصورة الموجودة على الغلاف الاخير من كتابه – ولسوف نراه بعد ساعتين في بار، أو في غزوة غربان لأبناء العوائل في عقر دارهم، أي في الجمعية البغدادية في الصليخ.   
في هذا المقهى سأل أحدهم زعيم الغربان الجوالة قتيبة عبد الله: هل رأيت فلاناً؟ أجابه لا . كم ساعة صارلك في المقهى؟ أجاب : 15 سنة!  
يكتب وليد جمعة أن الثقافة العراقية وليدة المقاهي بالأساس. هذا صحيح نسبياً في وصف الثقافة الأدبية: الشعر، القصة، الرواية، أدب المحاولات، والنصوص التي لا تُرد الى التقسيمات الادبية المعروفة. كانت المقاهى تردد أصداء ما كان يجري في العالم من تغييرات، ومن ظاهرة تثاقف اسلوبي عالمي. كانت مكاناً للتفاعل الاجتماعي بكل أشكاله، الرصين القائم على تبادل الخبرات والكتب، والاعتدائي الناتج عن النقاش المباشر الذي يختلط بالتذكارات السياسية العراقية، فضلاً عن أننا جميعاً تقاسمنا تحولات فكرية لم تنجز نفسها في ثقافة واضحة بعد، وهي صفة الستينات على وجه التحديد .
بيد أن حركة شاكر حسن ومحمود صبري لا علاقة لها بحواضن المقاهي بل بحواضن المحترفات الفنية والتجارب الفنية الأوربية، لكنها دخلت مقاهينا عن طريق شفراتها التبشيرية، كذلك انجازات وأفكار جماعة المجددين من الشباب. والحال أن ثقافة المحترفات الفنية قدمت أمثلة مختلفة، إذ أنها جمعت الاساتذة الكبار وتلاميذهم المنشقين. في الحقل الفني كانت مؤسسة التعليم العراقية مفتوحة على الأساليب الجديدة والمقتربات الفكرية المصاحبة لها، على عكس الصراع المملوء بالمصاعب والتناقضات والمهاترات وسوء الفهم والمناهج في حقل التقاليد الشعرية والكتابة .
كانت مقهى المعقدين، أو مقهى ابراهيم، هي آخر مقهى جمعت الغربان ومن هم أقل رتبة منهم. أظنها استمرت في هذه الوظيفة حتى بداية الثمانينات. بعض الشيوعيين، إخلاصاً منهم لتذكاراتهم، وجدوا أن السبعينات كانت أفضل السنوات، ربما بسبب الجبهة الوطنية أو فرص الحرية التي أتيحت لهم. ولعدم أخذهم النتائج السياسية بالحسبان كعادتهم، لم ينتبهوا إلى أن السبعينات مثلت سنوات احتواء المثقفين والمغنين والرسامين والغربان وغير المنتمين من قبل سلطة راحت تبني احتكارها لكل شيء خطوة فخطوة.
قبل مقهى ابراهيم كانت هناك مقهى "السمر" التي تقع في شارع سينما الخيام، وهناك امتلكت أفضل التذكارات عن ظاهرة الغربان، والجماعة الستينية الغريبة التي شاركتها. في ذاكرتي ثلاث حكايات شخصية تشير إلى أفق تلك الفترة .
بعد 5 حزيران بأيام، كنت العب الطاولي مع شخص نسيت اسمه، فإذا بقتيبة عبد الله الذي يسميه وليد بزعيم الغربان، ووليد نفسه، يظهران متعرقين ومتعبين من خلف المقهى المكشوف، وتبين أنهما أسهما تواً في حملة توزيع منشورات للحزب الشيوعي العراقي. قال لي قتيبة: أي زمن هذا سهيل يلعب الطاولي ونحن نوزع مناشير الشيوعيين؟!
ضحكت وقلت: احذرا من الوقوع بالوهم!
بالرغم من قولي هذا أكبرت في داخلي فعلهما. كانا في الحقيقة يمارسان واجبهما الوطني، محاولان أيضاً رفع المتاريس الحزبية نحو فضاء الحرية، ونحو تعليم سياسي جديد. لقد كانا، بتلقائية، يمارسان الأريحية، ويضعان للفعاليات اليسارية تقليداً في التعاون الأخوي من دون شروط.
في نفس العام، بعد همود النشاط السياسي بما يشبه انتظار حدث صاعق، فكر الاثنان بتشكيل جماعة اغتيال تربك السلطة وتخلق جواً من التفاعل. كنت أحد المدعوين لهذا التشكيل  مع الشاعر عبد الرحمن طهمازي. لقد أشعراني بالخوف وحفزا مخيلتي لمقاومة هذا التفكير . إلا أنني في وعي متأخر فهمت أنهما  كانا قد توقعا ذلك الحدث الصاعق، وأعني به انقلاب 1968 الذي نفذته أيادٍ تلبس قفازات من حرير حسب تعبير بيان للقيادة المركزية ، وفي ما بعد أغلقت المنافذ كلها!    
احتار أمن باب الشرقي بطبيعة هذا المقهى برواده فقام باعتقالهم. عن هذا الاعتقال كتب وليد جمعة هامشاً أنقله نصاً: "صارحني معاون الأمن "شندل" الذي داهم مقهى السمر واعتقل كافة رواده عام 1967 – هل نحن شيوعيين أم حشاشة أم مناويك؟ وذلك في القاهرة التي أصبح لاجئاً سياسياً فيها عام 1969 لأنه ناصري، واعتقد أن هذا الالتباس ما زال قائماً لديه حتى الآن!".
عن نفس هذا الموضوع كتب الشاعر فاضل العزاوي في "الروح الحية" . وللأمانة أقول إن، من أشاع حادثة حيرة شندل هو أنا، لأنني أنا من حقق معه شندل وسألني في نهاية أسئلة عديدة سؤالاً لا يمكن الإجابة عليه إلا بنكتة .
ما حصل هو الآتي : كنت أجلس مع صديقي الشاعر مكلف نجم في المقهى عندما داهمه أمن باب الشرقي. كنت قد جلبت من البيت الى صديقي كتاب هنري لوفيفر عن ماركس والدين، ووضعت الكتاب بيننا على التخت. من بين كل الجالسين المعتقلين حُمّلت وصديقي قضية امتلاك كتاب ماركسي ممنوع. في التحقيق أنكرت أنه كتابي. رجل الأمن اعتمد في شهادته على شاربي مكلف الكثين، فشهد أن الكتاب لا يعود لي بل لمكلف. والآن اليكم الأسئلة التي سألني إياها مأمور المركز شندل وإجابتي عليها: شيوعي؟ لا . بعثي؟ لا . قومي؟ لا. حشاش؟ لا . منيوك ؟ مع إشارة قذرة من يده.. لالا ..كواد؟ لالا . امتعض من إجاباتي وقال بما يشبه فروغ الصبر وهو يشتم الجميع: كواويد تقارير اتكول عليكم شيوعيين، وتقارير اتكول حشاشة، ومناويك .. متكلي انتو شنو؟
ابتسمت غصباً عني، وحضرت في لساني ويدي ورأسي نكتة لا يمكن تأجيلها بالرغم من الموقف والخوف. ورحت أكوّر بكفيّ الأوصاف التي ذكرها، وقلت: يمكن أحنا كل هذا !
شتمني وأرجعني الى جماعتي الموقوفين على سطح مركز الشرطة !
في نفس اليوم أطلقوا سراح الجميع إلاّ صديقي مكلف الذي أحالوه الى الأمن العامة مع الكتاب، ثم أطلقوه في اليوم الثاني!
هذه النكتة - الحدث أسجلها الآن باسمي بمناسبة صدور كتاب (الغروب النحيف) لوليد جمعة الذي تأخذ كلماتي هذه مبرراتها منه. لكن ما لم يفهمه شندل من هذا الجمع، وما لم يستطع تلخيصه كل من كتب عن الستينات، عدّده وليد جمعة بذكاء في حساب اجتماعي سياسي. أنقل ما كتبه محافظا ًعلى الاقواس التي وضعها: (وليس صدفة.. أن يضم هذا الخليط "المتجانس المنسجم" عينات مختلفة اساساً من تروتسكيين وشيوعيين متمردين ووجوديين وبعثيين سابقين وقوميين متمركسين وحملة مشاريع (وهمية أو جدية لا فرق).. بالاضافة الى أبناء مدن بعيدة وخليط من ذوي العادات الرديئة مشكّلاً – كما قلت سابقاً – ظاهرة الغربان الجوّالة القادرة على الولوج الى بيوت عريقة ونوادٍ "محترمة" وحلقات الذكر واجتماعات المتصوفة والأحزاب وسرقة الكتب ومناقشة تفاصيل السياسة وإشكالات الثقافة ونتائج سباق الخيل وتبادل الممنوعات وتمييز الجيد من الرديء على مستوى الحشيشة والمطبوعات والبشر والاحزاب والأغاني الشائعة والأزياء بنفس الجديّة والحماس والرغبة بتأسيس تقليد قائم على مفهوم الـ  outsider السائدة آنذاك".
في هذا النص يشير وليد الى الغزوات التي كانت الغربان الجوّالة تقوم بها الى الجمعية البغدادية في الصليخ ، وهو نادٍ يرتاده أصحاب "البيوت العريقة" أمثال رفعة الجادرجي وخالد القصاب وجبرا ابراهيم جبرا وهنري زفوبودا وقحطان عوني ونهى الراضي ومعاذ الآلوسي. والحال أن هؤلاء وغيرهم يشكلون نخبة من المثقفين والكتاب والتقنيين والفنانين والاداريين التقدميين في المعايير الحضرية وفي التطلعات السياسية الديمقراطية. وأحب التذكير أن هذه الغزوات لم تكن ضرباً من محاولة جماعة رثة لكسر أبواب البورجوازية عنوة والتحدي، بل لمشاهدة أفلام فليني أو غودار أو كوزنتسيف واورسن ويلز، التي كانت تعرض في الجمعية، أو الاستماع الى محاضرة لرفعة الجادرجي أو لمشاهدة معرض فني مهم . هذا ما فات وليد أن يذكره في تحديد مستويات ثقافية ستينية متنوعة، وهؤلاء بمجموعهم كانوا من اولئك الذين اعتادوا تعريق شفرات الثقافة الغربية ودمجها في المجتمع، ما جعلهم مشبوهين، ليشملهم حقد النظام. فلكي ينهي النظام هذه الجمعية التي لا يستطيع السيطرة عليها، ويخشى من تأثيرها، ويحسد روادها، قام بتوجيه رسالة قوية: تفجير قنبلة في داخلها، فأغلقت أبوابها منهية أشكالاً من النشاط الليبرالي المرتبط بالحياة والثقافة والتسلية!.



اضف تعليقك

شروط نشر التعليقات والتعقيبات في "المدى"

تود "المدى" أن تعلن لقرائها وزوار موقعها الالكتروني الكرام بان تعليقاتهم وتعقيباتهم على ما ينشر فيها يخضع لذات القواعد التي تحكم عملية النشر في الصحيفة الورقية والمتقيدة باخلاقيات الصحافة المتعارف عليها دولياً، وتؤكد انها لن تنشر ما يتعارض مع هذه القواعد وفقاً للآتي:

1 - يلتزم القراء وزوار الموقع الالكتروني بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وبعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب وهيئات الدولة والهيئات الاجتماعية وسائر الناس، بكلام جارح ونابِ ومشين ويحتوي على معلومات غير مؤكدة، ويلتزمون أيضاً بعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء.
2 – يحق لإدارة تحرير المدى ان تنقّح تعليق القارئ او الزائر بما يتناسب مع اللياقات الموصوفة اعلاه، وإطلاق الحوار البنّاء، مع الحفاظ على مضمون التعليق، أو أن تحجبه إذا كان غير مناسب أو متعارضاً مع قواعد النشر.
3 – تنطبق هذه الشروط على ما ينشر في الملاحق وسائر مواقع وإصدارات مؤسسة المدى
4 - لا تتحمل مؤسسة المدى أي مسؤولية مادية أو معنوية حيال صاحب التعليق.
الاسم:  
البريد الالكتروني:    
التفاصيل:  
رمز التحقق:
جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة المدى للاعلام والثقافة والفنون