المزيد...
آراء وافكار
2017/09/25 (00:01 مساء)   -   عدد القراءات: 1454   -   العدد(4026)
نظام المحاصصة مصنع الفساد وقوت داعش
نظام المحاصصة مصنع الفساد وقوت داعش


 د. حسين الهنداوي

ألحق العراقيون بتنظيم داعش الارهابي هزيمة عسكرية نكراء صفق لها العالم بشكل غير معتاد، والأرجح أن تغدو ماحقة قبل شروق عام 2018. إلا أن هذا النصر العسكري التأريخي، لم يقترن باستئصال الورم الداعشي من رؤوس أوساط سكانية مهمة بشكل عاجل ومستديم، وهو ما يبدو مستعصياً على المدى المنظور. الأمر الذي يحجم سلفاً الأهمية التاريخية والستراتيجية للنصر الجميل ذاك ويجعله مؤقتاً بكل المقاييس. والعقل الداعشي يظل قادراً على اعادة انتاج نفسه عاجلاً أم آجلاً، كلما استمر نظام المحاصصة الحزبوية مهيمناً أو جاثماً على الرؤوس طويلاً. وهو استمرار يلوح  قوياً في الأفق حتى اشعار مجهول، بل بات يتأسس اكثر فأكثر وعن سبق إصرار صارخ.
بكلمة أوضح، لقد خسر داعش خلال السنتين الماضيتين معظم الأراضي التي كان يسيطر عليها قبل ثلاث سنوات، وقدرت بنحو مائة ألف كيلو متر مربع، نصفها في العراق وهو ما يعادل مساحة سويسرا. كما خسر تباعاً أهم المدن التي زعم أنه حصل عليها "هبة من السماء". وبموازاة خسائره العسكرية خسر داعش نحو 80% من مصادر تمويله وأهمها تهريب النفط والغاز والآثار وسرقة المصارف والممتلكات والمتاجرة بالسبايا والمخدرات وما شابه، حيث تراجعت عوائده المالية من اكثر من 80 مليون دولار شهرياً الى أقل من خمس هذا المبلغ ما عزز حتمية انهياره لا سيما مع اقتران هزائمه بأنباء غير مؤكدة عن مصرع شيخه أبو بكر البغدادي.
بيد أن عودة داعش أو نسخة منه أخرى أو أحدث أو أسوأ، تظل ممكنة جداً وحتى على المستوى المنظور، والجماعة الارهابية تهدد بذلك علناً. ففي كلمة اقراره بهزيمة الموصل التي وجهها يوم 28 شباط الماضي، دعا البغدادي فلول اتباعه إلى "التخفي والفرار" إلى مناطق أخرى بانتظار هدوء العاصفة. وهذا النهج، وكذلك الغدر، ديدن بعثي قديم في الواقع. فالهزيمة العسكرية يمكن أن تتحول انتصاراً في لحظة قادمة أو أخرى عندما يروج لقضية ما بأنها "عادلة" أو "مبدئية" في زعم اصحابها الذين يعملون المستحيل من اجل زرعها في رؤوس مجنديهم واتباعهم. وهذا ما استمات هذا التنظيم التكفيري للتظاهر به، لا سيما أن قادته على علم، منذ خريف 2014 في الواقع، إن موازين القوى لن تمكث لصالحهم طويلاً رغم ارتباك معسكر القوى المضادة آنئذ، ووجود الكثير من التشقق والفساد وحتى التفسخ في جبهاتها.
والى ذلك النهج يضاف تراث محلي ودولي طويل من الخبرات في الاستخدام المؤدلج للكفاءات الإجرامية الأكثر بشاعة في مجالات جز الرؤوس والقتل والتعذيب والتنكيل والاغتصاب الجنسي والانتقام والترهيب، لا سيما وأن داعش قوامه زمرة جلادين محترفين من خبراء التعذيب والخنق والشنق وقلع الاظافر وسمل العيون، واغلبهم أما من ضباط الاجهزة القمعية البعثية السابقين المطلوبين جنائياً أو من عتاة الإرهابيين والقتلة من عرب وأجانب فارين من قبضة العدالة في بلدانهم أو مرسلين من قبل مخابرات هذا وذاك منها لأسباب معلومة.
فأولئك وهؤلاء هم من تصدر تلك الخلطة الغريبة العجيبة للوهلة الأولى، التي جمعت ايتام واحفاد جلادي معتقل "قصر النهاية" مع ارهابيين محترفين من الشيشان والقوقاز وباكستان والسعودية وتونس ومهمشين مجوفي الأدمغة معطلي الضمير معظمهم من أوربا الغربية والخليج والمغرب، وهؤلاء محض طفيليات محبطة تُقاد كالنعاج الى مسرح الجريمة وغالباً بمغريات "جهاد نكاح" من بيضاوات أو شقراوات بلحم بض وسواهن من بضائع «الإباحية الداعشية» التي غدت، بعد افتضاح أوهام "تناول وجبة طعام مع الرسول"، أو الحصول على الحور العين أو الغلمان في الجنة، أسلوب الدمج والترغيب الداعشي الأكثر فعالية لالتقاط مهمشين من شتى أنحاء العالم يعززون صفوف «التنظيم» الذي صار مشايخه أنفسهم يبيعون بالعملة الصعبة سبايا ومختطفات من نساء القرى والمدن التي سيطر عليها داعش بحجة أنهن كافرات، أو مسلمات يجبرهن الفقر والابتزاز والخوف والجهل على التزويج بأكثر من إرهابي في نفس الوقت معظمهم بُلهاء السحنة رعناء الهيئة قبل تحويلهم الى بهائم مفخخة.
كل هذه الممارسات المشينة عائدة في مستقبل أو آخر، لسوء الحظ، إذا لم يتكلل النصر العسكري العراقي، بنصر تأريخي هو الآخر على ما ظل اعلام الإخوان العرب يصر على تسميته "الدولة الاسلامية"، واذا لم يقترن بتسقيط سياسي واخلاقي للعقل الداعشي الذي يقتات على ما اسميناه المحاصصة، أي التفسيد المقنّع لمؤسسات الدولة العراقية وسلوكها.
والأمثلة التاريخية صارخة في تدعيم هذا الاحتمال. فبعد أن نجح الانقلاب العسكري في 18 تشرين الثاني 1963، بالقضاء على سلطة انقلاب 8 شباط البعثية، ووضع حداً لجرائمها الداعشية الشكل والمحتوى طيلة اشهر تسعة قبلئذ، لم يتأخر البعثيون طويلاً من الاستفادة من النظام العارفي الطائفي الفاسد، ليقوم صدام حسين منذ عام 1964 بتشكيل وقيادة جهاز "حنين"، وهو فرقة اغتيالات من جلادين وقتلة سابقين لعبت دوراً حاسماً في قفز العصابات البعثية ثانية الى السلطة في 17 تموز 1968 لترتكب جرائم اكبر ولتعرض اعداداً واسعة من العراقيين الى أقسى اشكال الامتهان والقتل الفردي والجماعي والتعذيب والتشريد وبنفس الطريقة الداعشية دائماً.
المثال الآخر جسده انبثاق وتطور تنظيم داعش نفسه بعد مقتل زعيم تنظيم «القاعدة» في العراق الارهابي الاردني ابو مصعب الزرقاوي. فعلى رغم أن التنظيم الارهابي ضعف جداً بعد قتل الزرقاوي ما افشل مخططه المعلن لإشعال حرب طائفية قذرة، فإن ضباط مخابرات وجلادين بعثيين سابقين ما لبثوا أن استفادوا من نظام المحاصصة الحزبية ومن فساد الحكومات ما بعد 2003، لينجحوا في تشكيل تحالفات جديدة ضمت بنجاح لافت فلول جميع الجماعات الارهابية المشتتة تحت قيادتهم والعمل دون هوادة وبأبشع انواع المناورات والخداع والغدر والقسوة تحضيراً للبدء الفعلي لتلك الحرب القذرة عبر اعلان قيام "الدولة الاسلامية" الداعشية وتعيين ابي بكر البغدادي "خليفة للمسلمين".
وكما أشرنا من قبل، فان "براديغم" (أنموذج) ما يسمى بـ"الدولة الاسلامية في العراق والشام" التي اقامها تنظيم "داعش" الارهابي في محافظة نينوى بعد احتلاله لها في 10 حزيران 2014 مع مناطق غيرها، يتضمن الكثير من التأثيرات أو الاستلهامات وحتى المقتبسات الواردة أو المستوردة فيها من "براديغم" وتطبيقات الدولة البعثية التي حكمت العراق لخمسة وثلاثين عاماً إثر انقلاب 17 تموز 1968، والذي ينسب أمر نجاحه الى مخططات هيمنية نفطية تقف وراءها الاستخبارات الامريكية والبريطانية،
لا جديد بداهة في القول إن ضباطاً وعناصر استخبارات بعثيين التحقوا بتنظيم القاعدة بقيادة ابن لادن والظواهري بعد سقوط نظام صدام حسين في نيسان 2003 دون مقاومة تذكر. أو بزمرة الزرقاوي، فيما عثر الكثيرون من ضبّاط صدّام على مواقعهم في قيادة «داعش» لاحقاً وصاروا بين أهم وأشرس فقهاء قوات الخليفة الهارب ابي بكر البغدادي. فهذا الالتحاق "الطبيعي" يعود بشكل أساس الى وجود صلات رحم واحد بنيوية متينة وعميقة على مستوى المنهج ومنظومة القيم بين المنطلقات النظرية لحزب البعث والمنطلقات الفقهية الاصولية لتنظيم داعش، وهذا ما يفسر في جانب منه أسباب الترحيب "الطبيعي" بالتيار الداعشي وفكره التكفيري في المناطق التاريخية لظهور وانتشار حزب البعث "العلماني" في الأصل، ويفسر أيضاً أسباب وجود قاموس ايديولوجي مشترك بين مشروعي "البعث" و"تنظيم داعش" كما لاحظ قبلنا الكاتب اليساري السوري ياسين الحاج صالح، الذي أشار بدقة الى أن الأساس في المشروعين هو السلطة، وليس أية أهداف تتعداها. بيد أن النزعة البعثية العراقية (العفلقية اجمالاً لاسيما بعد 1958) شوفينية وعنصرية جوهرياً وليس عدوانية فاشوية فقط (كما هو حال شقيقتها السورية)، ولذا فهي تتماثل في هذا الجانب مع البنية الشوفينية العنصرية نفسها لـ «داعش» اليوم، مع إبدال "الرسالة الخالدة" من عربية الى اسلامية"، وابدال "الحرس القومي"  الى «رجال جيش الطريقة النقشبنديّة»، التي أسسها نائب صدام عزت الدوري، ويعبر عنها لديهما عداء شديد حيال "الآخر"، ونزعة حربية جامحة للسيطرة على الغير ونظرة عدوانية للعالم الخارجي.
وهكذا، فلا هزيمة حاسمة للعقل الداعشي وقدرته على اعادة انتاج نفسه عاجلاً أم آجلاً، إلا بهزيمة نظام المحاصصة الحزبوية، الذي هو مجرد مصنع للفساد أي مصنع لقوت داعش.



تعليقات الزوار
الاسم: علي عزيز
شكرا
اضف تعليقك

شروط نشر التعليقات والتعقيبات في "المدى"

تود "المدى" أن تعلن لقرائها وزوار موقعها الالكتروني الكرام بان تعليقاتهم وتعقيباتهم على ما ينشر فيها يخضع لذات القواعد التي تحكم عملية النشر في الصحيفة الورقية والمتقيدة باخلاقيات الصحافة المتعارف عليها دولياً، وتؤكد انها لن تنشر ما يتعارض مع هذه القواعد وفقاً للآتي:

1 - يلتزم القراء وزوار الموقع الالكتروني بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وبعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب وهيئات الدولة والهيئات الاجتماعية وسائر الناس، بكلام جارح ونابِ ومشين ويحتوي على معلومات غير مؤكدة، ويلتزمون أيضاً بعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء.
2 – يحق لإدارة تحرير المدى ان تنقّح تعليق القارئ او الزائر بما يتناسب مع اللياقات الموصوفة اعلاه، وإطلاق الحوار البنّاء، مع الحفاظ على مضمون التعليق، أو أن تحجبه إذا كان غير مناسب أو متعارضاً مع قواعد النشر.
3 – تنطبق هذه الشروط على ما ينشر في الملاحق وسائر مواقع وإصدارات مؤسسة المدى
4 - لا تتحمل مؤسسة المدى أي مسؤولية مادية أو معنوية حيال صاحب التعليق.
الاسم:  
البريد الالكتروني:    
التفاصيل:  
رمز التحقق:
جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة المدى للاعلام والثقافة والفنون