الاعمدة
2017/09/24 (21:01 مساء)   -   عدد القراءات: 743   -   العدد(4026)
البرج العاجي
"أنا" النرجسي و"الأنا" المتورمة
فوزي كريم




نحن نقول هذا نرجسي لأنه يحب ذاته. ولكننا نخلط بينه وبين صاحب "الأنا" المتضخمة، أو المتورمة، والتي نعتبرها مرضية بالضرورة. هذا الخلط أساء في الموقف النقدي إلى الشاعر النرجسي بسبب مماثلته مع شاعر الأنا المتضخمة. إن هدف ملاحظتي النقدية هذه هو إلقاء الضوء على ما يمكن أن يسيء إلى فهم شاعر كأبي نؤاس، بفعل مماهاته مع شاعر كالمتنبي.
إن شاعر الأنا النرجسية ينصرف في احتفائه إلى جسده، بكل ما ينطوي عليه هذا الجسد من حواس وروح وعقل. هذه العناصر الحية جميعاً تتمحور حول فيوضات الحب وحده. أبو نؤاس يحب ذاته، ويُسرع إلى ملذاته، وكل ما يتماس مع ذاته. يحب الآخر المُنتخب، والحياة المُنتخبة. ولعلّه قادر عن رغبة على جعل كل ما في الآخر وكل ما في الحياة قابلاً لفيوضات الحب. يقول أبو نؤاس في واحدة من قصائده:
الحبُّ فوقي سحابٌ    والحبُ تحتي سيولُ
فذا يسيخُ برجلي    وذا عليَّ هطولُ
وللصبابةِ عندي    محلّةٌ وقبيُل
وليس حولي إلا    رياحُ حبٍّ تجولُ
أمام فيض الحب هذا لا يمكن أن تجد ما تأخذ على شاعره. أنها عاطفة حب تشمل ذات القائل وذات الآخر معاً. وتفيض على الحياة ذاتها. إنها في جوهرها قوة خيرة، لا تشوبها ضغينة، ولا يتبطنها شك ولا ارتياب. في الشعر الأمريكي نجد ولت ووتمان، المؤتَمن على عاطفة الحب، التي تنطلق من حب ذاته أولاً، ثم تفيض كريمة على الآخر وعلى الحياة. ويمكن استيعاب ظاهرته حتى لو اقتصرت قراءتُك على قصيدة شهيرة واحدة من قصائده الكثيرة، هي قصيدة "أغنية نفسي".  
في المقابل هناك شاعر الأنا المتورمة، التي تسعى باتجاه السطوة والسيطرة، لا باتجاه الحب. ولذلك تعتمل فيها مشاعر التعالي، والحطّ من شأن الآخر وإلغائه. إنها عبوة للمشاعر المرضية: ارتياب، وسخط، وضغينة تنطلق من أنا تحار بكيفية التعبير عن تعاليها. فهي نبويةٌ حيناً، وحيناً أكبرُ من حجم الحياة. وهي في كلتا الحالتين إيهامية؛ قد يسهل عليها إيهام النفس، ولكنها تتشكك بشأن قدرتها على إيهام الآخر، ولذلك تظل محتقنة، مرتابة. الشعر العربي يزخر بهذه الأنا المتورمة، الأنا النبوية، تراها متربصة دائماً بقصائد الشعراء، تُطل برأسها كأفعى سامة.. وهي محرجة أبداً، للعقل والروح المتعافيين. وهي محرجة أيضاً في ترجمتها إلى لغات لم تألفها. ولعل جذورها تمتد في عربيتنا إلى غرض "الفخر"، حتى لو كان فخراً غير فردي، كالفخر بالقبيلة أو بالعقيدة أو بالأمة.
هناك طرف ثالث يتعارض مع الذاتين النرجسية والمتورمة. يسعى أبداً إلى تحجيم الأنا، وأحياناً إلى ملاشاتها. "أتصاغر، حتى لأدنى الثواني تحار بمقدار حجمي.." يقول الشاعر. إنه يجدها عارضاً في طريق المسعى الذي يولّد "البصيرة"، القادرة وحدها على الرؤية الحقة. أو يجدها، شأن المتصوفة جميعاً، حجاباً يفصل بين الكائن الانساني وبين الله.    
إذا اخترنا أبا نؤاس للأولى، والمتنبي للثانية، فأبو العلاء خير ممثل للثالثة.      
هذه الأخيرة لا طموح لديها، بل تُغني الرؤية. الشاعر ريلكة كان يقلل من شأن الإرادة، والسعي إلى الشهرة، ويحتفي بطواعية التصبر والعزلة والانفتاح. تي أس أليوت شديد الحرص على تلاشي أنا المتحدث داخل القصيدة. "شعراء المتاهة" جميعاً يحذرون "الأنا". يحذرها السياب، البريكان، صلاح عبد الصبور... أسوة بشيخهم أبي العلاء. "شعراء الراية" يتعلقون بأذيال "ذاتهم" المتضخمة، بفعل سعيهم الدائب إلى إعلاء شأن "الفكرة"، لا الانسان، وإلى إرضاء أكبر قدر من الجماهير، ومن ثمّ إلى الشهرة والمجد.
فإذا قال المتنبي: "أنا ترب الندى ورب القوافي.."، يقول أبو العلاء: "أنا مني كيف أحترس..". وإذا قال أدونيس: "قادرٌ أن أغيّر، لغم الحضارة هذا هو اسمي.."، يقول عبد الصبور: "من أين آتي بالكلام الفرح..".. والشواهد كثيرة في العربية.



اضف تعليقك

شروط نشر التعليقات والتعقيبات في "المدى"

تود "المدى" أن تعلن لقرائها وزوار موقعها الالكتروني الكرام بان تعليقاتهم وتعقيباتهم على ما ينشر فيها يخضع لذات القواعد التي تحكم عملية النشر في الصحيفة الورقية والمتقيدة باخلاقيات الصحافة المتعارف عليها دولياً، وتؤكد انها لن تنشر ما يتعارض مع هذه القواعد وفقاً للآتي:

1 - يلتزم القراء وزوار الموقع الالكتروني بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وبعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب وهيئات الدولة والهيئات الاجتماعية وسائر الناس، بكلام جارح ونابِ ومشين ويحتوي على معلومات غير مؤكدة، ويلتزمون أيضاً بعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء.
2 – يحق لإدارة تحرير المدى ان تنقّح تعليق القارئ او الزائر بما يتناسب مع اللياقات الموصوفة اعلاه، وإطلاق الحوار البنّاء، مع الحفاظ على مضمون التعليق، أو أن تحجبه إذا كان غير مناسب أو متعارضاً مع قواعد النشر.
3 – تنطبق هذه الشروط على ما ينشر في الملاحق وسائر مواقع وإصدارات مؤسسة المدى
4 - لا تتحمل مؤسسة المدى أي مسؤولية مادية أو معنوية حيال صاحب التعليق.
الاسم:  
البريد الالكتروني:    
التفاصيل:  
رمز التحقق:
جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة المدى للاعلام والثقافة والفنون