آراء وافكار
2017/09/26 (00:01 مساء)   -   عدد القراءات: 1585   -   العدد(4027)
أنصتو ا إلى أصوات الناس.. العراق مدني
أنصتو ا إلى أصوات الناس.. العراق مدني


 د. لاهاي عبد الحسين

أثارت موجة إطلاق التسميات والتوصيفات التي تنطوي على إطلاق مختلف الأحكام السلبية على البعض من قبل البعض الآخر عبر وسائل التواصل الاجتماعي كما في هذا مؤمن وذاك ملحد، مدني أو ديني، عشائري وطائفي أو علماني وما إليها عدد من النقاشات والتساؤلات التي لم تخل – كما جرت العادة – من السب والشتم والخصومة وإعلان القطيعة أو سحب التوقيع على رسم الصداقة والأخوة التي سبق وأنْ أفترض أنّها ستكون دائمة ونهائية حتى بلوغ مرحلة الحظر الفيسبوكي.

اللافت أنّ موجات التشاتم والتنابز لا تعيش طويلاً ربما بسبب الطبيعة المتسرعة لمطلقيها مما يؤدي إلى نوع من التراجع لاستبدالها بأخرى وهكذا دواليك. ويبدو أنّ الدور بلغ ثنائية الديني – المدني مما أدى بأصحاب المنابر والقنوات الإعلامية إلى تصوير الأمر على أنه إما أنْ يكون أبيض أو أسود ولا شيء بينهما. ومضى البعض إلى وصف المجتمع العراقي على أنّه مجتمع ديني محافظ دون النظر في الأدلة على ذلك. ويبرز هنا دور البحث العلمي ليظهر أحياناً حقائق لطالما أسدل الستار عليها. فقد كشف جانب من دراسة ميدانية اجتماعية قمت بها شملت عيّنات محددة في أربع محافظات عراقية، هي بغداد وبابل وديالى وواسط، أنّ المجتمع العراقي أكثر مدنية مما يعتقد به المتكلمون والمتفيقهون في القنوات التلفزيونية والإعلامية. ولعلّ في شح الدراسات العلمية الميدانية الاجتماعية التي تلتقط الحقيقة من أفواه صانعيها من أبناء المجتمع هو الذي سمح بنشر تصورات تقوم على معرفة محدودة ومغلقة عن واقع الحال. تحاول هذه الدراسة وما يشبهها معالجة النقص على هذا الصعيد وهي لذلك يمكن أنْ تعتبر مساهمة على سبيل التوضيح. استهلت الدراسة بالتعرف على التوجهات والميول الثقافية العامة للمبحوثين من خلال الطلب إليهم بتسمية الدول التي يعتبرونها مهتمة بحقوق الإنسان. صوتت الغالبية العظمى من هؤلاء على اعتبار بريطانيا ومن ثم فرنسا فالسويد فالنرويج فالولايات المتحدة، من الدول المهتمة حقيقة بما جاء في الإعلان العالمي لحقوق الإنسان. وجاءت لبنان أولاً، وبفارق بيّن عن الدول الأوروبية الغربية المشار إليها على مستوى الدول العربية ومن ثم الأردن فمصر فسوريا وأخيراً، العراق.
وعند السؤال عن الحقوق التي يراها المبحوثون الأهم بالنسبة إلى الإنسان على وجه العموم إلى جانب الحق بالحياة، جاء الحق بالمساواة أمام القانون والحق في العيش الكريم ليحتل المرتبة الأولى فيما تراجع الحق بالاعتقاد الديني أو المذهبي إلى الوراء وتقهقرت الحقوق الأخرى من قبيل الحق في الانتماء السياسي وحق الاشتراك بعضوية الجمعيات والمنظمات والنوادي المتنوعة وحق التمتع بالنظام الاجتماعي إلى مراتب متدنية لا تكاد تذكر. ولعلّ في هذه النتيجة ما يظهر مدنية المجتمع العراقي وليس دينيته. فقد أجمع المبحوثون على أنّ من حقهم المطالبة بالمساواة أمام القانون والحق في العيش الكريم أولاً، قبل المطالبة بالحق بالاعتقاد الديني أو المذهبي.
وفي السؤال عما يهم المبحوثون شخصياً من قضايا تقدمت قضية الأمان لتحتل المرتبة الأولى وبفارق ملحوظ عما تلاها (الاستقرار). وجاءت الحرية تالياً، فيما تدنت القضايا الأخرى إلى مراتب بعيدة كما في الخلاص الذاتي أو الخصوصية الفردية بل وحتى الخصوصية العائلية.
وفي محاولة لتحسس الموقف الفكري والفلسفي للمبحوثين، كان هناك سؤال حول مصدر الحقوق في الحياة والعالم والذي اشتمل على خمسة خيارات هي الحكومة، والعائلة، والفرد، والدين والقانون. حصلت الحكومة والقانون مجتمعتان على النسبة الأكبر (57%)،  فيما حصل الدين على 35% وتراجعت العائلة إلى أقل من 5% والفرد أقل من 4%. يستدل من هذه النتائج، أنّ المبحوثين المشمولين في هذه الدراسة أظهروا ميولاً وتوجهات مدنية وعلمانية واضحة بدليل اهتمامهم بالحكومة والقانون ممن يمثلان بنظرهم عناصر أساسية في التوجهات المدنية غير الدينية فيما تراجع الاهتمام بالدين على نحو بيّن.اتسمت مواقف المبحوثين بالمحافظة والتقليدية على مستوى المواقف السلوكية والاجتماعية وهو الأمر الذي لا يرد بالضرورة إلى الدين بقدر ما يمكن أنْ يرد إلى التمسك بالأعراف والمعايير الاجتماعية السائدة. على سبيل المثال، عبّر المبحوثون بأغلبية واسعة عن رأيهم في أنّه ليس من حق العائلة – من حيث المبدأ - معاقبة البنات والأولاد بالضرب المبرح حد إلحاق الإعاقة. وهذه مسألة مهمة تعبر عن الاهتمام المتنامي بفردية الأبناء وعدم التفريط بحقوقهم الشخصية أو تعريضهم للإهانة والإذلال. الا أنّ المبحوثين سلموا بأنّ الفروق الفسيولوجية بين الأولاد والبنات تعطي مبررات للتفرقة فيما بينهما. وارتفعت نسبة الموافقين على فكرة "معاقبة البنات" في حال التجاوز الأخلاقي بصورة واضحة بالضرب المبرح حد إلحاق الإعاقة لتزيد على 40% فيما رفض الفكرة ما يقرب من الـ 60%.  
أظهر المبحوثون الموافقة بنسبة بلغت 65% على فكرة "يتوجب" على البنات ارتداء الحجاب حتى وإنْ لم يرغبن فيه نزولاً عند رغبة العائلة، فيما رفض الفكرة 35% منهم. وفي السؤال عن الموقف تجاه ما إذا كان يتوجب على الأولاد الذكور القبول بمرشحة للزواج من قبل العائلة، حتى وإنْ لم يرغبوا فيها نزولاً عند رغبة العائلة، انخفضت نسبة الموافقين من المجموع الكلي للمبحوثين إلى 23% فيما ارتفعت نسبة الرافضين للفكرة إلى 77%. واختلفت النتيجة كما هو متوقع، وإنْ لم يكن بدرجة كبيرة، عندما سئل المبحوثون عما إذا كان يتوجب على البنات القبول بطالب إذن للزواج، نزولاً عند رغبة العائلة حيث بلغت نسبة القائلين بـ (نعم) 29% من المجموع الكلي للمبحوثين فيما بلغت نسبة أصحاب الـ (لا) 71%..
تكتسب موضوعة السن عند الزواج أهمية كبيرة من حيث أنّ بعض المراجع الدينية تخفض هذا إلى (9) سنوات أو أقل عند الضرورة أو بحسب قانون الأحوال الشخصية النافذ في العراق رقم 188 لعام 1959 يجوز الزواج لمن بلغوا الـ (15) سنة عند موافقة ولي الأمر وأخذْ إذن القاضي. وهذا أمر يتعارض والمواثيق الدولية الحديثة التي تدعو إلى التريث للسماح بالزواج في سن مبكرة. فكان أنْ استعلمنا هنا عن موقف المبحوثين تجاه فكرة ما إذا كان مقبولاً السماح للفتيات بالزواج في أي سن تراه العائلة مناسباً وبحسب منظومة اعتقاداتها الاجتماعية والدينية مما يفتح الباب واسعاً لكل الخيارات المذكورة. وكانت النتيجة أنْ قال 44% من المجموع الكلي للمبحوثين (نعم) فيما قال ما يقرب من 56% منهم (لا). تكاد تكون الخصوصية العائلية ومفهومات السمعة والكرامة والتماسك العائلي وما إليها تسدل حجباً ثخينة على عدد غير معروف من الضحايا داخل جدران البيوت المغلقة بإحكام في المجتمع العراقي. ويقف المشرّع العراقي حامياً ومدافعاً عن هذه الظاهرة مما يسلط الضوء على أحد أهم مصادر هذا التوجه الاجتماعي الذي يلحق أضراراً بأعداد لا حصر لها من الأفراد كما سيتبين تواً. سُئل المبحوثون عن موقفهم تجاه فكرة أنّ على الجيران والأصدقاء والمعارف عدم التدخل في المشاكل العائلية لجيرانهم وأصدقائهم ومعارفهم حتى وإنْ تيقنوا من حصول تجاوزات وانتهاكات احتراماً لخصوصية العائلة ورغبة في المحافظة على سمعتها وكرامتها. فكان الجواب أنْ أكدتْ الغالبية العظمى من المجموع الكلي للمبحوثين سلامة الفكرة (84%) بأنْ قالوا (نعم)، ينبغي عدم التدخل، فيما تجرأ 16% منهم على قول (لا) بمعنى ينبغي التدخل أو لا بدّ من التدخل.
لمنْ توجد مراكز الشرطة والمحاكم ومنظمات المجتمع المدني! مما لا شك فيه أنّها وجدت لمساعدة السكان المحليين للحدّ من استشراء العديد من المشكلات أو العمل على حلّها بالطريقة التي تخفض فيه من جوانبها السلبية، من خلال القوة أو التفاوض أو بكليهما معاً. من هذا المنطلق تساءلنا عما اذا كان على مراكز الشرطة والمحاكم ومنظمات المجتمع المدني أنْ تغضّ الطرْف عن المشاكل العائلية احتراماً لخصوصية العائلة ورغبة في المحافظة على سمعتها وكرامتها انسجاماً مع ما نصّ عليه قانون العقوبات. فكان الجواب بأغلبية واسعة أو ما يقرب من 65% من المجموع الكلي للمبحوثين ممن قالوا (نعم)، و35% ممن قالوا (لا). لا يخفى على البال ما لهذه المواقف الفكرية والسلوكية من أثر سلبي مما يسهم في  تعطيل أو في الأقل إعاقة عمل جزء مهم من جهد مثل هذه المؤسسات إلى الحدّ الذي قد يسهم في إفراغها من مضمون رسالتها الإنسانية في ضبط الأمن والسلم المجتمعي والمحافظة عليه ويضع ضغوطاً على الجوانب المدنية لآلية الحياة الاجتماعية.
لعلّ واحدة من الحقوق المهمة للإنسان، أنْ لا يسمح لأحد بالسيطرة على أحد تفادياً لاحتمالات الاستغلال والاضطهاد وما إليهما. على الصعيد الاجتماعي غالباً ما تحدث السيطرة بذريعة العمر أو المكانة القرابية أو الجندر. فكان أنْ تساءلنا عن الموقف من حق الأفراد الأكبر سناً أو مكانة قرابية كالأب، والعم، والخال وما شابههم أنْ يسيطروا على الأفراد الأصغر سناً ومكانة مثل الأطفال، والبنات والأولاد الصغار. وكانت النتيجة أنْ وافق ما يقرب من 61% من المجموع الكلي للمبحوثين على ذلك مقابل 39% ممن قالوا (لا)، لا يجوز ذلك. وهذه أيضاً واحدة من العقبات التي تحول دون تطور وتعميق مدنية المجتمع مما يتطلب توجيه الاهتمام إليها.
لعلَّ المساهمة في منع الجريمة أو في الأقل الإبلاغ عنها عندما تحدث، يعدّ أحد أهم حقوق الإنسان سواء على الصعيد الفردي أو على الصعيد الاجتماعي البنيوي. إلا أنّ اهتمام المشرّع العراقي بالمحافظة على وحدة الروابط العائلية أدى إلى إتاحة المجال بأنْ لا يتحمل أعضاء العائلة أي مسؤولية قانونية في حال النكوص أو الفشل بالإبلاغ عنها وإنْ شهدها بعينه وأحاط بها مثل السرقة، والخطف أو القتل. إلا إنّ الملفت للنظر في هذا المجال أنّ تغيراً حصل ويحصل على المستوى الاجتماعي بدليل إنّ 31% فقط من المجموع الكلي للمبحوثين قالوا (نعم) لعبارة "لا يتحتم الإبلاغ". فيما قال 69% منهم (لا)، بمعنى "يتحتم التبليغ". ويستدل من هذه النتيجة على أنّ تغيراً في المواقف الشخصية قد حدث. وقد يعزى ذلك التغير إلى ظاهرة استشراء الجرائم المشار إليها وانتشارها في المجتمع الأمر الذي لم يعد فيه محتملاً السكوت أو التغاضي عنها. يذكر أنّ المشرّع العراقي يحمّل "الغريب" الذي لا يعتبر عضواً من أعضاء العائلة وفق روابط الدم والنسب والقرابة مسؤولية قانونية في حال امتناعه عن الإبلاغ بل ويعتبره شريكاً في الجريمة كما جاء في المادة (273) إذا ما شهدها ولم يبلغ عنها.
لعلَّ التحرر من الخوف أحد أهم الحقوق المدنية للإنسان. فما قيمة الحياة في ظلّ الخوف وبخاصة الخوف الدائم من الآخر سواء كان فرداً أم جماعة أم مؤسسة وما إليها. بسبب الخوف بكل أشكاله بما في ذلك الخوف من التهديد أو الاعتداء البدني أو المعنوي قد يمتنع الأشخاص عن تسجيل الدعاوى القضائية ضدّ من انتهك حرمة أحد فرداً كان أم عائلة. لذلك جاء التساؤل المطروح في هذا المجال مطابقاً لما قدمنا. فكانت النتيجة أنْ أجاب ما يقرب من 74% من المجموع الكلي من المبحوثين بـ (نعم)، أي أنّهم قد يمتنعون عن تسجيل الدعاوى القضائية بسبب الخوف. بالمقابل قال 26% منهم (لا). وتشير هذه النتيجة إلى مستوى عالٍ من الخوف مما يعتبر أحد أهم الموانع السيكولوجية والاجتماعية أمام الإنسان العراقي للتمتع بحياة حرة وكريمة.
على صعيد آخر، تفتخر الدول الديموقراطية المتقدمة بدور أحزاب المعارضة فيها أو في الأقل قدرة المواطن على التعبير عن رأيه المخالف الذي قد يتجلى في التظاهر والإعتصامات والتجمعات المعارضة وممارسة النقد العلني بكل أشكاله بما في ذلك حرية التعبير اللفظي والكتابي وما إليهما. لذلك فإنّ المواقف المخالفة للحكومة يمكن أنْ تعتبر واحدة من تجليات الحياة الديموقراطية والتمتع بأحد أهم حقوق الإنسان بل وترقى إلى أنْ تكون مقياساً عليها. وهذه قضية مهمة تتطلب – إذا ما أفتقدت - إحداث ما ينبغي من التعديلات في صلب النظام السياسي لتمكين المواطن من استخدام حقه في التعبير عن الاختلاف والتقاطع. في هذا المجال، وافق ما يقرب من 65% من المجموع الكلي للمبحوثين على عبارة "لا يجوز مخالفة الحكومة إذا كان النظام السياسي والقانوني لا يسمح بذلك"، فيما رفض 35% منهم ذلك. وقد يستدل من هذه النتيجة على أنّ المواطن العراقي بحسب المبحوثين في هذه الدراسة لا يزال يدين بالولاء، راغباً كان أو مكرهاً لآليات النظام الدكتاتوري الذي لا يسمح بالمخالفة والاختلاف فيما يفترض أنْ يوفر النظام الديموقراطي قنوات لتمكين المواطن من المعارضة والجهر بها.
وفي نفس السياق، كان هناك تساؤل عن موقف المبحوثين من التظاهر للمطالبة بالخدمات، وفرص العمل أو تحسين الوضع الأمني والمعيشي إذا كان النظام السياسي والقانوني في البلاد لا يسمح بذلك. وظهرت نتيجة مختلفة هنا. فعندما يأتي الأمر إلى الخدمات وفرص العمل وتحسين الوضع الأمني والمعيشي مما يمسّ المصالح المباشرة لعموم المواطنين ويعبّر عن همومهم اليومية، وافق 29% فقط من المجموع الكلي للمبحوثين على عبارة  "لا يجوز التظاهر ..." فيما رفض 71% منهم الفكرة بمعنى أنّهم يجوّزون التظاهر للمطالبة بالحقوق التي يعتبرونها مشروعة وضرورية.
ارتفعت نسبة الموافقين من المجموع الكلي للمبحوثين على فكرة "أنّه لا يجوز التجاوز على شخص رئيس الدولة أو الحكومة أو من هم بمرتبتهم حتى وإنْ كان ذلك تعبيراً عن الحاجة لتقديم الخدمات، والمطالبة بتوفير فرص العمل أو تحسين مستوى المعيشة، إذا كان النظام السياسي والقانوني لا يسمح بذلك"، إلى 48% فيما أجاب 52% منهم بـ (لا) ممن رأوا أنّه على الضدّ من ذلك، يجوز. ويظهر هنا الولاء لشخص القائد والرئيس والكبير ومن هم بمرتبتهم وهذه أيضاً توجهات يمكن أنْ تعزى لقيم ومنظومات فكرية اجتماعية ومعايير وأعراف سائدة وليس إلى أسباب دينية.
وافق المبحوثون بأغلبية واسعة أو ما يقرب من 82% على فكرة "ينبغي أنْ لا يكون الفقر عائقاً دون حصول الإنسان على فرصة عمل يتأهل لها"، وبمثلها أو ما يقرب منها (81%) وافقوا على فكرة "أنْ لا تكون السياسة أي الانتماء والالتزام السياسي للفرد أو الجماعة عائقاً دون الحصول على وظيفة حكومية أو فرصة عمل يتأهل لها".
يتضح مما تقدم أنّ الناس في العراق يتسمون بدرجة عالية من المدنية بدليل عدد كبير من المؤشرات الميدانية. فهم يتعرفون على دول مدنية بل وعلمانية بامتياز على أنّها الأكثر امتثالاً لحقوق الإنسان واحترامه. وعبّروا عن مطالب واقعية ملموسة فيما وصفوه بالحقوق الأكثر أهمية في حياتهم حيث تصدر الحق بالمساواة أمام القانون والعيش الكريم قائمة اهتمامهم. وتراجع الحق في الحرية الدينية إلى المرتبة الثالثة مما يشير في الأقل إلى عدم قلقهم من هذه الناحية. وفيما يتعلق بالحقوق التي رأوا أنّها مهمة بالنسبة إليهم كأفراد جاء "الأمان" أولاً متقدماً على كل الحقوق الأخرى. وتلاه الاستقرار وبفارق كبير. ولعلَّ في الاستفسار عن مصدر المعرفة حول العالم والحياة ما يسلط ضوءً قوياً على التوجهات الفكرية لهؤلاء المبحوثين والتي جاءت متوافقة مع ما سبقها من توجهات مدنية لتؤكد على أولوية القانون والحكومة في حياتهم فيما تراجع الدين إلى المرتبة الثالثة. على مستوى المواقف السلوكية ذات الصلة بإدارة شؤون العائلة والتعامل مع الأولاد والتفرقة فيما بين الذكور والإناث ظهر واضحاً أنّ أفراد العينة اتخذوا مواقف تقليدية محافظة ارتبطت بالبيئة الاجتماعية أكثر منها دلالة على ارتباطها بتعليمات ومعتقدات دينية. وكذلك الحال بالموقف من الحجاب والقبول بمرشحة للزواج. بل اتخذ المبحوثون مواقف سلبية من قضية التشجيع على الزواج في سن مبكرة. كما عبروا عن مواقف مضادة لفكرة سيطرة الآخر بذريعة العمر أو القرابة أو الجندر. واهتم المبحوثون بمسألة الخصوصية الاجتماعية، مما حدا بهم إلى التعبير بأغلبية واسعة عن رفضهم لتدخل الآخرين بما في ذلك جهات رسمية مثل الشرطة المجتمعية والمحاكم في الشؤون العائلية الأمر الذي يصّعب من مهمة هذه الجهات على حل المشاكل ذات الطابع الاجتماعي وقد يسهم بإدامتها.
ظهرت مدنية عينّة الدراسة في التعبير عن الاحترام لشخص الرئيس كونه يمثل وجه البلاد وهيبتها الا أنّهم لم يمانعوا من المشاركة في التظاهرات الاحتجاجية للمطالبة بتوفير الخدمات وفرص العمل وما إليها. كما أنّهم عبروا بأغلبية واسعة عن رفضهم لفكرة أنْ يكون الفقر عائقاً أمام الأفراد للحصول على فرص عمل أو خدمات معينة. ورفضوا بقوة أكبر أنْ يكون الالتزام أو الانتماء السياسي سبباً للتفضيل أو الحرمان من الحصول على فرصة عمل أو أيّ خدمة يتأهل الأفراد لها. يبقى أنْ نذكر بالقول إنّه آن الأوان لاحترام مستوى وعي وذكاء الإنسان العراقي والالتفات إلى ما يراه سليماً لأنّه أكثر وعياً وإحاطة بما يتلى عليه ويفترض أنّه يتلقاه بفاه فاغرة.



اضف تعليقك

شروط نشر التعليقات والتعقيبات في "المدى"

تود "المدى" أن تعلن لقرائها وزوار موقعها الالكتروني الكرام بان تعليقاتهم وتعقيباتهم على ما ينشر فيها يخضع لذات القواعد التي تحكم عملية النشر في الصحيفة الورقية والمتقيدة باخلاقيات الصحافة المتعارف عليها دولياً، وتؤكد انها لن تنشر ما يتعارض مع هذه القواعد وفقاً للآتي:

1 - يلتزم القراء وزوار الموقع الالكتروني بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وبعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب وهيئات الدولة والهيئات الاجتماعية وسائر الناس، بكلام جارح ونابِ ومشين ويحتوي على معلومات غير مؤكدة، ويلتزمون أيضاً بعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء.
2 – يحق لإدارة تحرير المدى ان تنقّح تعليق القارئ او الزائر بما يتناسب مع اللياقات الموصوفة اعلاه، وإطلاق الحوار البنّاء، مع الحفاظ على مضمون التعليق، أو أن تحجبه إذا كان غير مناسب أو متعارضاً مع قواعد النشر.
3 – تنطبق هذه الشروط على ما ينشر في الملاحق وسائر مواقع وإصدارات مؤسسة المدى
4 - لا تتحمل مؤسسة المدى أي مسؤولية مادية أو معنوية حيال صاحب التعليق.
الاسم:  
البريد الالكتروني:    
التفاصيل:  
رمز التحقق:
جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة المدى للاعلام والثقافة والفنون